كان صلى الله عليه وسلم كثير المراقبة لله عز وجل ، واسع الخشية منه ، عظيم العبادة له ، في الليل متهجدًا راكعًا ساجدًا حتى تتورم قدماه ، وتفيض عيناه بالدمع من خشية الله حتى يسمع لصدره أزيز كأزيز الرجل من البكاء ، فتقول له في ذلك السيدة عائشة رضي الله عنها: أتفعل ذلك يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فيجيبها:"أفلا أكون عبدًا شكورا ؟! ...".
وكان كثير اللهج باسم الله عز وجل فإذا أكل أو شرب أو قام أو قعد أو ابتدأ شيئًا ، أو فعل أمرًا بدأ ذلك كله بسم الله الرحمن الرحيم ، وإذا اختتمه اختتمه بالحمد لله رب العالمين .
وكان لا يفتر من الدعاء لربه . ومن دعائه عليه الصلاة والسلام"اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ، وعمل لا يرفع ، ودعاء لا يسمع".
"اللهم إني أسألك من الخير كله ، ما علمت منه وما لم أعلم وأعوذ بك من الشر كله ، ما علمت منه وما لم أعلم".
"اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة".
"اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك"."اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء".
ولما كذبته ثقيف في الطائف ، وآذته وأغرت به سفهاءها يرجمونه بالأحجار حتى دميت قدماه ، اتجه إلى الله خالقه ، بهذا الدعاء الرهيب:"اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي ، وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين إلي من تكلني ، إلى عدو يتجهمني ، أم إلي قريب ملكته أمري ؟ إن لم تكن ساخطًا علي فيا أبالي ، غير أن عافيتك أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أضاءت له السماوات والأرض وأشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، أن تحل علي غضبك ، أو تنزل علي سخطك ، ولك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك".
رياضته ونظافته:
ومع هذه العبادة ، وذلك التضرع والبكاء ، كان طيب النفس متفتحًا للحياة ، يتسابق مع عائشة ، ويتصارع مع ركانة ، ويشهد لعب الحبشة في أعيادهم ،و وعنى بلباسه ونظافته ، فهو كثير الاغتسال ، كثير الادهان بالطيب ، إذا مر من طريق يعرف الناس أنه قد مر به لما يجدون من طيبه ، ,إذا صافحه المصافح يظل يجد أثر الطيب في يده ثلاثة أيام ، وكان لا يفارقه في حضره وسفره مشطه ومقصه ومرآته ومكحلته .
وبهذا يفترق الأمر كثيرًا عن معنى الدين والتعبد في الديانات الأخرى إذا يعتبرون من مآثر القديس عندهم أنه لم يقرب جسمه الماء طيلة حياته !.
كما يفترق عن عادة الغربيين في هذه الأزمان إذ رأيناهم يعيبون على الرجل أن يدهن بالطيب فتفوح رائحته الطيبة منه ، ولله في خلقه شؤون ! .
مزاحه ودعابته:
ومما يتصل بطيب النفس ، حب الدعابة البريئة ، والمزاح مع الأصحاب والمترددين عليه ، فقد كان صلى الله عليه وسلم يحب الدعابة ويبتسم للنكتة اللطيفة ،ويمازح أصحابه ويداعبهم بالنكات اللطيفة .
1-جاءته امرأة عجوز تطلب إليه أ، يدعو الله لها بدخول الجنة ، فقال لها مداعبًا:"أو ما علمت أن الجنة لا تدخلها عجوز؟"فولت تبكي فقال:"ردوها ،أما قرأت قوله تعلى: إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء {35} فَجَعَلْنَاهُنَّ"
أَبْكَارًا {36} عُرُبًا أَتْرَابًا {37}
2-وجاءته امرأة من الأنصار تشكو إليه زوجها .
فقال:"أزوجك الذي في عينه بياض ؟"فجزعت إذ طنت أن بعينه عيبًا لم تطلع عليه ، فأفهمها أ، كل إنسان في عينه بياض حول المقلة .
3-وجاءه أعرابي يسأله أن يمنحه ناقة يركب عليها في سفره فقال له:"أنا حاملك على ولد ناقة!"
فقال: وما أصنع به يا رسول الله ؟
فقال:"وهل تلد الإبل إلا النوق ؟".
تواضعه وسماحته:
وقد رأيت فيما مرّ معك من معاملته لأصحابه أنها معاملة نبي كريم ، وزعيم محبوب متواضع ، وإنسان عظيم استمد عظمته من خصائصه لا من جاهه ولا من نفوذه .
ومما يروع في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ظل هو الإنسان المتواضع تواضع الأنبياء العظماء في مختلف مراحل دعوته ، حين كان مضطهدًا ،و حين كل منتصرًا ، وحين كان وحيدًا ، وحين كان سيد الجزيرة العربية المطاع ، حين كان في أشد المحن ، وحين كان في أوج المجد والانتصار ..وما عهدنا بمثل هذا في تاريخ العظماء .. وما كان محمد عظيمًا فحسب ولكنه رسول الله أيضًا ..
يوم فتح الله له مكة ، وانهزمت أمام جحافل جيوشه قريش الطاغية الباغية التي ناصبته العداء نحوًا من عشرين عاما ، دخل مكة على جمل له ، مطأطئ الرأس خضوعا لله وشكرًا . وجاءة الرجال خائفين ، وفيهم رجل ترتعد فرائصه ، فقال له:"هون عليه إنما إنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد !" ( اللحم المقدد ) .
وظل رسول الله يستمع إلى العبد والعجوز والأرملة والمسكين . يقف في الطريق لكل من يستوقفه ، ويصافح كل من يلقاه ، فلا يترك يده حتى يكون الذي استوقفه هو الذي يترك يده ، يتفقد أصحابه ، ويزور مرضاهم ويشهد جنائزهم ، ويستمع إلى مشاكلهم ، ويشاركهم أحزانهم وأفراحهم.
رحمته وشفقته:
كان صلى الله عليه وسلم واسع الرحمة بالأطفال والنساء والضعفاء .
سمع بكاء صبي وهو في الصلاة فخفف صلته كيلا تفتن أمه التي كانت تصلي وراءه.
ومرّ بعد انتهاء إحدى المعارك بجثة امرأة مقتولة فغضب وقال:"ألم أنهكم عن قتل النساء ؟ ما كانت هذه لقاتل !".
وبلغت رحمته بالحيوان حدًا عجيبًا فقد أصغى الإناء إبى هرة أرادت الشرب ...
ورأى جملًا هزيلا فقال:
"أتقوا الله في هذه البهائم ، أطعموها واركبوها صالحة ...".
وبلغت معاملته للأرقاء ، ووصاياه فيهم حداّ لم يعرفه التاريخ وكل ذلك دليل على ما فاضت به نفسه الكبيرة من معاني الرحمه والشفقة .
مشاركته لآلام الشعب:
اشتكت إليه فاطمة بنته ما تلقاه من أعمال البيت من شدة وعناء ، وطلبت إليه أن يخدمها خادمًا ، فرفض عليه السلام ذلك وقال لها"لا أعطيك أدع أهل الصفة -وهم جماعة من الفقراء - تطوي بطونهم من الجوع".
وذهبت أم الحكم بنت الزبير وأختها فاطمة تسألان النبي صلى الله عليه وسلم معونة على أعمالهما البيتيةفقال لهما:"سبقكما يتامى بدر".
وأتى النبي صلى الله عليه وسلم بيت فاطمة لزوره ، ثم عدل فلم يدخل عليها ، فبعثت عليًا ليسأل عن سبب عدوله عن زيارتها ، فأجابه الرسول:"إني رأيت على بابها سترًا موشيًا !"فعاد علي إلى فاطمة فأخبرها الخبر ، فقالت فاطمة: ليأمرني فيه بما شاء ، فقال عليه السلام"لترسلي به إلى فلان أهل بيت بهم حاجة".
وأراد زيارتها مرة أخرى فعاد كذلك دون أن يدخل عليها ، فأرسلت تسأله عن سر ذلك أيضًا ، فأجابها:"إني وجدت في يدها سوارين من فضة"،فبلغها ذلك فأرسلتهما إليه ، فباعهما النبي صلى الله عليه وسلم بدرهمين ونصف ، وتصدق بهما على الفقراء .
وتستعر هنا بيان أديب العربية الكبير المرحوم مصطفى صادق الرافعي ليعلق على هذه الحادثة فيقول: ( يا بيت النبي العظيم ! وأنت أيضا لا يرضى لك أبوك حلية بردهيمن ونصف وإن في المسلمين فقراء لا يملكون مثلها ؟!
أي رجل شعبي على الأرض كمحمد صلى الله عليه وسلم فيه للأمة كلها غريزة الأب وفيه على كل أحواله اليقين الذي لا يتحول ، وفيه الطبيعة التامة التي يكون بها الحقيقي هو الحقيقي ؟