فهرس الكتاب

الصفحة 1165 من 1942

يا بنت النبي العظيم ! إن زية بدرهمين ونصف لا تكون زينة في رأي الحق إذا أمكن أن تكون صدقة بدرهمين ونصف ! إن فيها حينئذ معنى غير معناها ! فيها حق النفس غالبا على حق الجماعة ، وفيها الإيمان بالمنفعة حاكما على الإيمان بالخير وفيها خطأ من الكمال ، إن صح في حساب الحلال والحرام ، لم يصح في حساب الثواب والرحمة .

تعالوا أيا الاشتراكيون فاعرفو نبيكم الأعظم ! إن مذهبكم ما تحيه فضائل الإسلام وشرائعه - إن مذهبكم لكالشجرة الذابلة تعلقون عليها الأثمار تشدونها بالخيط ، كل يوم تحلون ، وكل يوم تربطون ولا ثمرة في الطبيعة

ونحن أيضا نتساءل: أي زعيم من زعماء الدول الاشتراكية في عصرنا الحديث تؤثر عنه مثل هذه الحادثة وأمثالها ؟! .

زهده في الدنيا:

دخل عليه عمر رضي الله عنه يومًا فرآه على حصير فد أثر في جنبه ورفع رأسه في البيت فلم يجد إلا إهابًا معلقًا ( الإهاب كيس من جلد ) وقبضة من شعير وحصيرًا تكاد تبلى ، فبكى عمر .

فقال له:"ما يبكيك يا ابن الخطاب ؟".

قال عمر: يا نبي الله ! وما لي لا أبكي ، وهذا الحصير قد أثر في جنبك ، وهذه خزائنك لا أرى فيها إلا ما أرى ، وذاك كسرى وقيصر ، في الثمار والأنهار ، وأنت نبي الله وصفوته ؟

فقال عليه السلام:"أفي شك أنت يا ابن الخطاب ؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا". ودخل عليه ابن مسعود رضي الله عنه مرة فرآه على تلك الحال .

فقال له: يا رسول الله ألا آذنتنا (أعملتنا) حتى نبسط لك على الحصير شيئًا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما لي وللدنيا ؟ إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظل تحت شجرة ثم راح وتركها".

نفقاته وصدقاته:

وكان صلى الله عليه وسلم كثير النفقات والصدقات ، لا يدخر مالا ولا متاعا ، وكثيرًا ما يستدين لينفق على بعض ذوي الحاجات ، وهو يعطي عطاء من لا يخشى الفقر كما قدمنا ، وقد توفي وليس عنده درهم ولا دينار ، وقد أوقف كل أرض كانت قد صارت إليه من الغنائم ، وفي ذلك يقول الحديث المشهور الذي خفي على بعض الطوائف سر روعته ودلالته على صدق نبوته وإخلاصه في رسالته:"نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقه".

جاءه مرة مال كثير فأنفقه إلا بعضة دريهمات استبقاها ، إذ لم يجد لها طالبًا ، فما عرف تلك الليلة النوم قلقًا مما بقي عنده ، وما كاد يصبح الصباح حتى سارع إلى إنفاقها .. وهكذا صح فيه قول صحابته: كان أجود ..الريح المرسلة .

عدله وشدته في الحق:

وكان لا يعرف في الحق صديقًا ولا قريبًا فالكل عنده سواء ، والجميع مسؤولون عن أعمالهم أمام الله وأمام الشريعة:

سرقت امرأة من نبي مخزوم حليًا أو متاعًا ، ورُفع أمرها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاعترفت بالسرقة ، فخشي قومها أن ينفذ الرسول عقوبة السارق فيفتضحوا ، وجاؤوا إلى أسامة بن زيد - وكان معروفًا بحب النبي صلى الله عليه وسلم له ولأبيه زيد -وكلموه في أن يشفع للمرأة أن لا ينفذ فيها العقوبة ، فكلم رسول الله في ذلك فغضب عليه الصلاة والسلام وقال له:"أتشفع في حد من حدود الله"ثم جمع الناس فخطب فيهم فقال:"يا أيها الناس .. إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها".

شجاعته في الحروب:

ومن كمال هذه الصورة العجيبة في اكتمالها ، شجاعته صلى الله عليه وسلم في الحرب ، فقد كان يقود الجيوش ، ويخوض المعارك ، ويحرض على القتال في سبيل الرسالة التي يحملها وآمن بها ، ولم يعرف عنه نكوص في معركة ولا فرارفي موقعة ، بل نجده في معركة أحد - وقد انهزم أكثر المسلمين - ثابت الجنان يتلى سهام الأعداء وهو واقف يقاتل ويناضل . وفي معركة حنين إذ فر عنه أكثر الناس وقف على بغلته وهو يقول:"أنا النبي لا كذب أنا ابن عبدالمطلب".

وفي شجاعته يقول علي رضي الله عنه وهو البطل المقدام: كنا إذا احمرت الحدق ، وحمي الوطيس ( أي اشتدت الحرب ) نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه .

حرصه على آداء رسالته:

لم يترك رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيله لتبليغ رسالته إلى الناس إلا سلكها ، ولم يترك خصومه وسيلة لحمله على ترك دعوته إلا سلكوها ، ولكنه ثبت رغم كل إغراء وتهديد بالقتل والاغتيال ،وقال لعمه أبي طالب قولته المشهورة:"والله يا عم ! لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته". ولما شج وجهه صلى الله عليه وسلم في معركة ( أحد ِ) وكسرت رباعيته ( السن المجاور للناب ) قيل له لو دعوت عليهم ؟ ... فقال:"إني لم أبعث لعانًا ، ولكني بعثت داعيًا ورحمة ، اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".

الرسول الكامل:

ذلك نمط من أخلاقه صلى الله عليه وسلم نلمح منها حقيقة شخصيته ، ولسنا نفيض في بقية أخلاقة ، من وفائه وأمانته ، وحيائه ، وإخلاصه ، وصدقه ، وعفافه ، وحسن سياسته وجميل جواره ، وفصاحته ، وغير ذلك مما فاضت به كتب السيرة والتاريخ . فنحن هنا - كما قلت نضرب الأمثال ولا نستقصي ، ولكني أختم هذا الحديث بالإشارة إلى ما كان لهديه في إرشاد قومه من أثر في توجيههم نحو الخير والحق والكرامة والسعادة .

الرسول المعلم:

حياة الرسول صلى الله عليه وسلم كلها إرشاد وهداية وتعليم ، وخاصة ما كان من أقواله عليه الصلاة والسلام التي قصد بها التشريع والهداية ولذلك كانت خصائصه وصفاته التي ذكرنا طرفًا مها آنفًا مدرسة يتعلم فيها أصحابه طرازًا جديدًا من الحياة ، ومقياسًا جديدًا من المفاهيم كان له أكبر الأثر في قيام الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي ونشوء الفرد المسلم ً في الجو الاشتراكي الذي أوضحنا معالمه في كتابنا"اشتراكية الإسلام".

ونحن هنا نريد أن نذكر نموذجًا من تعليمه لأصحابه نعلم منه كيف كان يوجه ذلك المجتمع الجديد العهد بالإسلام ، والقريب العهد بالجاهلية ، توجيهًا بناء إيجابيًا نحو الاشتراكية العاملة العابدة المتعاونة البارة الكاملة ..

1.جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريد الجهاد ،فقال:"أحيّ والداك ؟"فقال: نعم ، فقال له الرسول:"ففيهما فجاهد".

2.قَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي ، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالس فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلت منهم أحدًا ، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال:"من لا يَرحم لا يُرحم".

3.جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يارسول الله ! إنا لا نقدر عليك في مجلسك فواعدنا يومًا نأتك فيه فقال ِ:"موعدكن بيت فلان"فجاءهن لذلك الوعد ، وكان فيما حدثهن:"ما منكن امرأة يموت لها ثلاث من الولد فتحتسبهم إلا دخلت الجنة"فقالت امرأة: واثنان ؟ قال:"واثنان".

4.كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه فقال لهم:"أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله ؟"قالوا: يا رسول الله ! ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه فقال صلى الله عليه وسلم:"مالك ماقدمت ، وما وارثك ما أخرت".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت