وكلمة القضاء (متخذة من مادة قضى - يقضي- قضاءً) تعني إمضاء التدبير. فبعد أن قَدّرَ الله الأشياء أجرى هذا التقدير في عالم الكون. فمثلا يقدر الله ويحدد إعطاء ولد لزيد ثم يقضي بذلك بأن يعطيه الولد فعلا ، فهنا يكون قدر وقضاء حيث قدر الله ذلك أولا ثم قضى ما قدره ، وهذا المعنى للقدر والقضاء معترف به دينيا وعقليا الا انه لا ينافي حرية الإنسان إذ انه هو في حدود الاقدار المقضية.
وهناك معنى آخر للقدر وهو العلم، فقدر الله يعني: علم الله بالأشياء كيف تقع منذ الأزل. وقد سبق ان علم الله بالأمور لا يؤثر أيضا في اختيار العبد لها وقدرته على تركها وفعلها جميعا بنسبة متساوية ، وفي الحديث المروي عن حمدان بن سليمان قال: كتبت إلى الإمام الرضا عليه السلام أسئله عن أفعال العباد مخلوقة ام غير مخلوقة؟ فكتب (ع) : (أفعال العباد مقدرة في علم الله عز وجل قبل خلق العباد بألفي عام(1) .
2-أما القضاء والقدر بمعناهما الاصطلاحي فيعني ان كل عمل للعباد مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ الذي ينظر إليه الأنبياء والملائكة والصالحون فيعرفون ما سوف يجري في المستقبل. ولكن ما كتب في هذا اللوح يتبدل بإرادة الله حيث قال: [يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ اُمُّ الْكِتَابِ] (الرعد 39) .
3-ان كل عمل يجري من العبد - فهو انما يقدر من قبل الله ، أي بما أعطاه الله من قوة وبما وفر له من ظروف مواتية.. وجاء في الحديث عن البيزنطي قال: قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام: ان أصحابنا بعضهم يقولون بالجبر وبعضهم يقولون بالاستطاعة؟. فقال عليه السلام: (أكتب: قال الله تبارك وتعالى: يا بني آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء ما تشاء، وبقوتي أديت الي فرائضي، وبنعمتي قويت على معصيتي، جعلتك سميعا بصيرا قويا، ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك، وذلك أني أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيئاتك. وذلك أني لا اُسئل عما أعمل وهم يسألون(2) .
وفي حديث آخر عن الحسين بن علي عليهما السلام: سمعت أبي علي ابن ابي طالب عليه السلام يقول: (الأعمال على ثلاثة أحوال: فرائض، وفضائل، ومعاصي. فأما الفرائض فبأمر الله تعالى وبرضا الله وبقضائه وتقديره ومشيئته وعلمه. وأما الفضائل فليست بأمر الله ولكن برضى الله وبقضاء الله وبقدر الله وبمشيئة الله وبعلم الله. وأما المعاصي فليست بأمر الله ولكن بقضاء وبقدر الله وبمشيئة الله وبعلمه، ثم يعاقب عليها(3) .
(تقدير الله يعني: تحديده للأشياء.. وقضائه: تهيئة الوجود للأشياء.. ومشيئة الله .. نعمته بهذا الاعطاء أولا.. وعلم الله: انه كان يعلم منذ الأزل) هذا وان واحدا من هذه لا يخالف الاختيار إذ ان الله شاء ان يكون العبد مختارا ثم قدر، وقضى ذلك بإعطائه الاستطاعة فكان صدور الفعل منه بالاختيار وبقضاء من الله يعني: ان الله لم يمنعه بل اذن له في ذلك. فلو انه كان يسلب القدرة في اللحظة الأخيرة لم يتمكن من الفعل أبدا ولكنه لم يفعل.
وبصورة موجزة ان للقدر ثلاثة معانٍ:
1-ان الله عالم من الأزل بما هو كائن.
2-ان الله كتب ما يجري في اللوح المحفوظ وله تبديله متى شاء وهو المعبر عنه (بالبداء) .
3-ان كل شيء يقع في الأرض أو السماء، فإنه يقع تحت سلطان الله، وبما يعطي الله العباد من القوة والقدرة لحظة بعد أخرى.
ومن الواضح ان أيا من هذه لا تؤثر في اختيار العبد، إذ ان العلم تابع لما يقع، وان اللوح -وهو نوع آخر من العلم - فيه البداء. وأما ان كل شيء من الله فلا يؤثر في ان يكون العبد مختارا بتلك القدرة الموهوبة التي أعطاها الله له.
الغاية من الخلق
ما هي الغاية من الخلق؟
سؤال يفرض نفسه على الإنسان ليوفق مسيره طبقا للغاية التي جاء من أجلها.. الغاية ليست اللعب والعبث تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . أيلعب أو يعبث الحكيم الذي ملأت آثار حكمته السموات والأرض؟ وليست الغاية حاجته إلينا ليدفع ضرا أو يجلب نفعا، وهو القادر القاهر الغني المتعال. والواقع انه بتواتر النعم وتوالي الآلاء، وما سخر لنا من الشمس والقمر والنجم والشجر، وما كرمنا به من العقل والقدرة ، وما فضلنا به على كثير ممن خلق تفضيلا، بذلك كله نعرف: ان الغاية من خلقنا هي الرحمة بنا ، بيد انه لما نرى ان النعمة في الدار الدنيا تمتزج بالنقمة، وان الراحة يعقبها التعب، وان في العالم ظلما فاحشا وفسادا ظاهرا، نهتدي بذلك الى ان الله لم يجعل هذه الدار التي نعيش فيها دار الرحمة التي لأجلها خلقنا، وان كان قد اسبغ علينا فيها بالنعم والآلاء.. فلا بد إذًا ان نبحث عن مكان آخر غير الدنيا فيه الراحة الكاملة التي تناسب وكمال الله سبحانه فما هو ذلك المكان؟ انه الآخرة التي وعدنا بها، فالغاية من الخلق السعادة في الآخرة . هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لا ريب في ان الدنيا تنطوي على خير وشر، ولا يمكن ان يكون الشر فيها نعمة أيضا، وبما ان الله متعال عن الشر الذي ينافي الرحمة الواسعة التي لا حدود لها، فلابد من القول بأن الله تعالى انما جعل الخير والشر في الدنيا ليختبرنا بهما، إذ انه كلفنا بأن نختار بحرية أحدهما. والى هذه الحقائق تشير الآيات التالية:
1- [وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ] ( الدخان 38) ، [مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ] ( الدخان 39) .
2- [أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ] ( المؤمنون115) .
3- [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( الذاريات 56) .
4- [.. وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ..] (أي للرحمة) . (هود 118-119) .
5- [وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ اَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا] (هود7) .
من الآية الأولى يظهر ان الله لم يخلق الخلق لعبا بل خلق السماوات و الارض بالحق ، ويظهر من الآية الثانية انه لم يخلقهم عبثا. فلماذا خلقهم؟ لكي يعبدوه (كما في الآية الثالثة) . ولماذا يعبدوه؟ يظهر من الآية الرابعة انها لكي يرحمهم؛ أي ان العبادة انما فرضت لتكون وسيلة لرحمة الله تعالى. وأين يرحمهم؟ ليس في الدنيا لأنهم جاؤوا هنا ليبلوهم أيهم أحسن عملا، (كما في الآية الأخيرة) بل يرحمهم في الآخرة.
وجاء في السنة الشريفة:
قال الراوي سألت الصادق عليه السلام فقلت: له لم خلق الله الخلق؟ فقال (ع) :(ان الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقه عبثا ولم يتركهم سدى بل خلقهم:
1-لإظهار قدرته.
2-وليكلفهم طاعته فيستوجبوا بذلك رضوانه.
وما خلقهم ليجلب منهم منفعة ولا ليدفع بهم مضرة، بل خلقهم لينفعهم ويوصلهم إلى نعيم الأبد) (4) .
وعن الإمام الحسين عليه السلام قال: (أيها الناس! ان الله جل ذكره ما خلق العباد إلاّ ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة ما سواه(5) .
وسأل أحد الكفار الإمام الصادق (ع) فقال: لأي علة خلق الخلق وهو غير محتاج اليهم ولا مضطر إلى خلقهم ولا يليق به العبث بنا؟
(1) - بحار الانوار ،ج5،ص29،ح35 .
(2) - فقه الرضا، ص349 ،ب93 ، القدر و المنزلة بين المنزلتين .
(3) - بحار الانوار ، ج5 ، ص29، ح36 .
(4) - بحار الانوار ،ج5،ص313،ح2 .
(5) - المصدر ،ص312،ح1 .