هناك بعض الشبهات انتحلها بعض المنكرين، ممن قالوا بالجبر، لابد من التعرض لها. ولكن قبل ذلك يجب ان نعلم انه حين عرفنا بوجداننا ان لنا كامل الحرية بأن نترك أو نعمل أي شيء، بعد هذا لا بد ان نتحقق عن واقع الاستطاعة هذه. الإسلام يقرر ان كل عمل اختياري لابد له من عامل، ولابد لهذا العامل من ان يملك القدرة التي يرجح بها أحد الطرفين على الآخر.. وهذه القدرة هبة من الله للنفس التي تريد أن ترجح، وهي لا تتأثر بأية دوافع خارجية.. وبكلمة أخرى فإن الاستطاعة عند الإسلام نور يفيضه الله على النفس حين العمل فتصبح كل العوامل متساوية بالنسبة اليها وتفقد كل قوتها أمام تلك الومضة الإلهية التي تعطي النفس القوة الكاملة على الفعل والترك. هكذا يقرر الإسلام واقع الاستطاعة، وعليه فالقوة الإرادية تأتي من الله حين العمل، فبمشيئة الله وقوته يستطيع العبد ان يختار هذا الجانب أو ذاك.. وهذا ينافي التفويض، إذ التفويض يعني ان العبد يختار بعيدا عن مشيئة الله. إذًا فلا جبر، إذ الجبر يعني ان تختار للنفس أحد الجانبين قوة خارجة عن ذات الإنسان. ولا تفويض لان ذلك يعني امتلاك الإرادة بصورة ذاتية وهذا مما يخالفه الإسلام. ولنعرج على الشبهات للرد عليها وبيان تفاهتها:
1-إن الإنسان مفطور على حب ذاته وحب مصلحته الخاصة، فهو يسير بصورة طبيعية وراء ما ينفعه. والمصالح المختلفة هي التي تحددا تجاهه في الواقع وفقا لملابسات نفسه فهي إذًا الرائدة للإنسان نحو ما تقتضيه من اتجاه.. ومن هنا ظهرت الجبرية الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي قال بها كل من: ماركس، دركهايم، فرويد.
والجواب: صحيح ان النفس تهوى ذاتها بصورة طبيعية، وان الإنسان يحاول دائما ان يجلب إلى نفسه النفع ويدفع الضرر، ولكن هذا لا يعني ان النفس مجبورة على اتباع هذا الهوى وهذا الحب.. ان النفس تملك - بإذن الله - قوة فوق قوة الحب وهي قوة الرأي وقوة الإرادة، فتختار حينا ما تحب النفس فتتبع بذلك هوى النفس، وتختار حينا آخر ما تكره النفس وخلافا لما تحب. وبعبارة شاملة: ان هناك فرقا واضحا بين ان تكون حركة الإنسان وراء مصالحه حركة لا إرادية وجبرية - كحركة الشمس حول الأرض - وان تكون إرادية بمعنى ان بإستطاعة البشر ان يتوقف عن السير ولا يستمر في جلب المنافع، لا يأكل ولا يكتسب ولا ينكح تماما كما يفعل الزهاد وبعض الثائرين..
والوجدان شاهد على ان للبشر مقدرة كافية في مخالفة النفس بالسير في اتجاه آخر، وهذا هو الشرف الإنساني الذي يتميز به عن كل حي آخر. كما ان باستطاعة الإنسان ان يخالف تقاليد الاجتماع وان سبب له ذلك ضررا كبيرا وان يغلب حالته النفسية بإتجاه معاكس.
2-و يقولون: أليس الله يعلم ان عباده يذنبون علما سابقا على وجود ذنبهم؟ ثم أليس الله عليم ولا يجهل ولا يمكن ان يخطأ؟ إذًا فلو علم الله اني أكذب فإني لا اقدر على أن لا أكذب، إذ لو لم أكذب إذًا لزم ان يكون علم الله جهلا؟
الجواب: بالرغم من ان هذه الشبهة تعتبر قوية في الأوساط الفلسفية فإن جوابها واضح وبسيط يُعرف بعد ان نفهم واقع العلم، ولنأت له بمثل:
انك تعلم ان أخاك سوف يموت بعد مئة سنة علما يقينا فماذا يعني هذا العلم ، و ما هو تأثيره في الحدث؟ ان يعني الواقع الخارجي الذي يحدث بعد مئة سنة قد انكشف لك بصورة واضحة، وهل هناك شيء آخر يؤثر في الواقع؟ طبعا لا، حيث ان علمك لا يؤثر في الواقع الخارجي فلست انت الذي تقتل أخاك، بل ان لموته سببا خاصا، و أنت فقط تعلم انه سيموت. فالعلم ليس الا معرفة الواقع كما هو وليس سببا في صنع الواقع.. وإليك مثلا آخر:
تعلم ان زيدا سوف ينتحر غدا بصورة إرادية واختيارية، فهل يعني هذا: أنك قتلته؟ أبدًا، ذلك لأنه انما انتحر بإرادته الخاصة ووفقا لدواعي مخصوصة، ولست أنت الا عالما بما سوف يجري. فالعلم لا يؤثر في صنع الأمر والواقع، بل في كشفه. ولدى مقايسه العلم بالمستقبل بالعلم بالماضي يصبح الأمر أكثر وضوحا، لو انك علمت بأن زيدا مات أمس فهل يعني هذا ان لعلمك تأثيرا في هذا الموت؟ وبما ان حقيقة العلم واحدة في الماضي والمستقبل فليس هناك مجال للقول بتأثير العلم في الواقع، وعلم الله بالأشياء لا يعني انه هو الذي يفعلها مباشرة. فإنه يعلم مثلا ان زيدا سوف يختار الكفر بحريته وإرادته على الإيمان، وليس معنى هذا انه تعالى يجبره على ذلك.
وبتعبير آخر: ان زيدا يختار بين الكفر والإيمان، ولابد انه يختار بحريته التامة، فأيا منهما يختاره؟ انا لا أدري. ولكن الله يعلم بأنه سوف يختار - بكل حرية وإرادة- الكفر لا الإيمان. وهذا لا يعني سوى انه يعلم بنتيجة الاختيار لا انه هو الذي أجبر عليها صاحبها. أترى لو أنك عرفت ان لو خيرت إبنك بين دينار وبين متاع جميل قيمته نصف دينار، وعلمت بأنه سوف يختار المتاع - بكل حرية- فهل معناه انك أجبرته على اختيار المتاع؟ طبعا لا. انما أنت عالم فقط.
3-و يقولون: ان طينة كل فرد قد خلقت بشكل خاص.. فالشقي شقي في بطن أمه، والسعيد سعيد في بطن أمه.. وولد الزنا لا ينجب إلى سبعة بطون.. ومن انعقدت نطفته في حرام لا ينجب.. وهكذا الجينات الوراثية تؤثر على تعيين سلوك الفرد فهو مضطر إلى اتخاذ نوع خاص من السلوك فهو إذًا مجبور وليس بمختار كما يزعمون.
الجواب: ان الطينة (متخذة من لفظ الطين باعتبار ان أول الخلق كان طينا لازبا) ؛ تعني خلق جوهر النفس. وهذا الجوهر قد يكون صالحا يرغب في الصالحات، وقد يكون طالحا فيهوى الخطيئات.. الناس بطبعهم الأولي على قسمين: فريق يحب الخير بذاته، وفريق يهوى الشر بذاته (كل يعمل على شاكلته) و (كل حزب بما لديهم فرحون) .. بيد ان هناك شيئا آخر يثبته الإسلام غير حب النفس وغير هواها، ذلك هو الرأي. تلك هي القدرة التي توهب للإنسان وتجعل الفعل والترك سواء عندها، تلك القدرة التي نطلق عليها اسم (الإرادة) .. وأنها ليست مخلوقة مع النفس حتى تتأثر بالطينة، بل انها كالعلم موهبة إلهية. فولد الزنا مثلا يحب الشر بذاته ولكن حينما يعمل الشر لا يعمله لأنه يحبه بل لأنه أراد ذلك بحيث لو انه كان يريد خلافه - وان كان صعبا عليه - كان يستطيع ان يأتي به أيضا.
مثال ذلك: من تعود على التدخين يحب هذا العمل كثيرا، ويصعب عليه تركه ولكن لا يعني هذا انه مجبور على ذلك، بل بإمكانه التغلب على هذه الصعوبة وترك التدخين.. فالطينة والعادة وأكل مال الحرام وما أشبه تحدث حالات نفسية تهوى جانبا من جانبين، ومن الصعب مخالفته باختيار الجانب الآخر. ولكن بما ان الإرادة ليست من النفس فإنها حاكمة على هذا الحب والهوى وباستطاعة الإنسان بها ان يختار الجانب الآخر. وبعبارة وجيزة: الطينة تسبب الحب والهوى، وللنفس فوق الحب إرادة ترجح ما تحب النفس وقد ترجح ما تكره.
القضاء والقدر
1-كلمة القدر (المتخذة من مادة قدر - يقدر - تقديرا) تعني: التحديد والتنظيم والتدبير.. فالله قدر كل شيء تقديرا. فالشمس مقدرة ، فلا تقترب ولا تبتعد عن الأرض أكثر من المدار المقرر لها ولا تبعث الضوء خارجا عن المنطقة المحدودة له ، وهكذا القمر مقدر بمداره ، ومقدار نوره ، وكل شيء مقدر بتحديد وتدبير.