فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 1942

ان الله خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام ، وكانت حية شاعرة ثم خلق الأبدان بصورة الذرة ثم أسكنها الأصلاب، فإنتقلت من صلب إلى آخر حتى استقر كل ذر في رحم أمه، وأدخل في كل بدن بعد ان بلغ أربعة أشهر في الرحم روحه الخاصة به بسبب حكيم، وأخرجه إلى الدنيا ثم أماته فانتقلت الروح إلى مكانها معذبة أو منعمة حتى تعاد إليه مرة أخرى.. والفترة التي تمتد بعد الموت إلى حين البعث تعتبر فترة الهجعة والرقدة ذلك لأن الروح في الوقت التي تنفصل عن الجسم تبقى ذات علاقة به، تشبه علاقة الشمس بالأرض، تبعث إليها بالنور من دون ان تدخل فيها.

هنا تنكشف عدة أمور:

1-ان الأرواح كان لها وجود مستقل وسيبقى لها ذلك بعد انفصالها عن الأبدان ولها أعمال خاصة بها قبل وبعد ورودها في الجسم. وهذا يعني انها محدودة وبإمكانها القيام بأعمال مستقلة ، وقد كانت الفلسفة اليونانية تعتقد ان الروح مجردة عن المادة وليس لها مكان ولا زمان ولا حد ، ولكن الإسلام سفه هذه الفكرة وبين أن الأرواح مادية (1) تتشكل من أجزاء لطيفة وان لها حدودا وأعمالا.. فبالإضافة إلى وجدان كل منا بأن نفسه ليست مطلقة وإنما هي محدودة ضمن المكان والزمان فتكون هنا ولا تكون هناك.. وبالإضافة إلى شعور كل واحد منا بأن نفسه لم تكن ثم كانت، بالإضافة إلى هذا الوجدان فإن هناك دليلا واضحا على محدودية الأرواح ومحدودية إمكانياتها العملية بعد إنفصالها عن الجسم، وهو ما كشفت عنه الإتصالات التي جرت بطريق أو بآخر مع الأرواح بأساليب حديثة وسئلت عن إمكانياتها وخصائصها مما علم منها ان كل روح محدودة بحدود خاصة ولها أعمال خاصة منفصلة عن الجسم.

ومن هذا الواقع نعرف الرد على شبهة فلسفية حول المعاد تقول: ان الروح تبقى - على القول بالمعاد - معطلة، فلابد لها من الحلول في جسم جديد لكي لا تبقى معطلة.. ورد هذه الشبهة ان الأرواح تتمكن من القيام بأعمال مستقلة فإذا خرجت من الأجسام بدأت نشاطاتها الخاصة ولم تبق معطلة كما يقول صاحب الشبهة.

2-ان الأرواح قد تتذكر من عالمها السابق أشياء، فقد ثبت علميا ان الإنسان قد يعلم كثيرا من الأشياء بدون معلم. مثلا: يذهب إلى مدينة لأول مرة في عمره ثم هو يهتدي إلى أسواقها ومعالمها وشوارعها ويتذكر انه سبق له ان رأى هذه المدينة بكل تأكيد. وأغرب من هذا انه قد يتفق ان يرى الواحد منا رجلا لأول مرة في عمره ويحس بأنه صديق منذ الأزل بما يكن له من حب ومعرفة سابقة. ولا يكون هذا دليلا على أن الارواح كانت تعيش في أبدان سابقة ثم انتقلت إلى أبدانها الجديدة كما زعم القائلون بالتناسخ حديثا، وانما هو دليل على وجود مسبق للروح على الجسم.

3-ان حياة الجسم بالروح، وإن واقع الموت لا يعني سوى انفصال الروح عن الجسم وهو أشبه شيء بالنوم الذي تنفصل فيه الروح عن الجسم قليلا.. وكما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و آله: ( و الذي بعثني بالحق لتموتنّ كما تنامون، و لتبعثنّ كما تستيقظون.) (2) كما جاء في حديث آخر عن الامام الباقر عليه السلام: ( كان فيما وعظ به لقمان إبنه أن قال... و إنما النوم بمنزلة الموت، و إنما اليقظة بعد النوم بمنزلة البعث بعد الموت.) (3) وكما تعذب الروح في حالة النوم بالأحلام المزعجة ويتأثر البدن بذلك إيلاما وتنعم بالأحلام الطيبة فتنعكس آثارها على الجسم أيضا كذلك يكون بعد الموت..

الجبر والاختيار..

يتحدث الناس عما إذا كانوا مختارين في أعمالهم أم مجبورين من قبل الله عز وجل ومن قبل قوى الكون. وهناك موضوع آخر سيأتي تحت عنوان (القضاء والقدر) حيث يجري الحديث حول انه ما معنى ان الله قدر هكذا، أو قضى هكذا؟ أيمكن أن يكون معناه انه سبحانه يجبر الناس ويضطرهم على ما هم عاملون، أم له معنى آخر؟

ولابد لنا في الموضوع الأول ان نقول:

ان الوجدان الشخصي الذي هو أكبر شاهد على الحقيقة، يشهد بأن الإنسان عندما يقوم بأعماله العادية ، يكون متمتعًا بحرية تامة في الاختيار، ومعنى ذلك انه يجد نفسه حينذاك غير مكره على اختيار أحد الطرفين، وان له استطاعة تامة في ان يقدم أو لا يقدم، يعمل أو يترك، يختار هذا الطريق أو ذاك.. ألست ترى نفسك حينما تنتقل من وإلى البيت انك تخطو باختيارك، ولك ان ترجع؟ وحينما تقرأ كتابًا انك تقرأ بحريتك ولك ان لا تقرأ؟ ولكن هاهنا واقع يجب ان لا ننساه وهو ان هذه القدرة التامة على الفعل والترك بنسبة واحدة ليست من ذات الإنسان. هذه السلطة والإرادة الحرة، قوة يهبها الله للإنسان حينما يتردد بين الفعل والترك. فهي تماما مثل موهبة العقل وموهبة العلم، فبإستطاعة الله ان لا يعطي عبده هذه القدرة فيصبح لا إراديا أو مجنونا، ولذلك فإن العبد في الوقت الذي هو مختار بكل معنى الكلمة في ان يترك وان يعمل، فهو تحت سلطان الله المطلق، لأن اختياره هذا وقدرته هذه مستمدة وموهوبة من الله. فهو مختار في حدود صلاحياته الموهوبة له لذاته، لذلك فإن الله إذا أراد ان يمنعه من الحرية سلبه هذا الاختيار. وهذا جوهر كلام الإمام الصادق عليه السلام: (لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين) (4) ذلك لأن الجبر يعني ان الإنسان لا إرادة له ولا رأي مستقل، بل انه مضطر ومجبور من قبل الله أو بسبب القوى الطبيعية. وهذا يسلب الفرد تكاليفه ومسؤولياته تجاه أعماله ذلك لأن المجبور لا تكاليف له ولا عقاب عليه.

والنصوص التالية تشرح هذا الواقع وتشهد له:

1-عن الإمام الرضا عليه السلام، قال أحد أصحابه: سألته فقلت: الله فوض الأمر إلى العباد؟

قال (ع) : الله اعز من ذلك، قلت: فأجبرهم على المعاصي؟ قال: الله أعدل و أحكم من ذلك. ثم قال: قال الله عزوجل يا بن آدم انا أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيئاتك مني، عملت المعاصي بقوتي التي جعلتها فيك (5) .

ومثال بسيط يكفي معنى هذا الحديث فلو وهبت لصديقك وهو رجل عاقل دينارا فذهب واشترى به متاعا حسنا فمن الذي ينسب إليه شراء المتاع، انت ام هو؟. طبعا أنت لأنه لولا أنك اعطيته الدينار لم يستطع من شراء المتاع.. ولو انه اشترى به مسدسا وقتل به نفسه فمن المسؤول، أنت أم هو؟. طبعا هو لأنك أقدرته على المال ولم تجبره على شراء المسدس أو قتل نفسه.. وهكذا الله حينما أعطانا القدرة على اختيار الحسنات كان أولى بها، وحينما اخترنا -بتلك القدرة- السيئات كنا أولى بها.

2-عن الإمام الصادق عليه السلام: (الناس في القدر على ثلاثة أوجه: رجل زعم ان الله عز وجل أجبر الناس على المعاصي، فهذا قد ظلم الله عزوجل في حكمه وهو كافر. ورجل يزعم ان الأمر مفوض إليهم فهذا وَهَّنَ الله في سلطانه فهو كافر، و رجل يقول: إن الله عزوجل كلّف العباد ما يطيقون، ولم يكلفهم مالا يطيقون، فإذا احسن حمد الله، و إذا اساء استغفر الله، فهذا مسلم بالغ) (6) .

شبهات وردود

(1) - حين نقول (مادية) لا نقصد بها انها مثل المواد المحسوسة، ولكن نقصد انها مخلوقة ومحدودة وذات كثافة من نوع مختلف عن كثافة ما نراه من المواد.

(2) - بحار الانوار، ج7،ص47 ،ح31 .

(3) - المصدر ،ص42،ح13 .

(4) - بحار الانوار، ج5 ،ص11 ،ح18 .

(5) - المصدر، ص 15 ،ح20 .

(6) - المصدر ،ص9 ،ح14 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت