فهرس الكتاب

الصفحة 259 من 1942

أي أن القيادة الإسلامية يجب أن تكون مطاعة إلى درجة أن الإنسان حينما يقصر في واجباته الدينية، ولا يطبق برامج هذه القيادة، لا يكفيه أن يستغفر الله وحده، وإنما عليه أن يأتي إلى القيادة ويستغفر الله عندها، حتى يستغفر له القائد من تلك الذنوب، وعند ذلك يكون احتمال الغفران واردًا. فحتى مغفرة الذنوب والتي تنبع من فضل الله سبحانه ورحمته، يربطها القرآن بالقيادة. ولكن الطاعة المطلوبة ليست الطاعة القشرية والخارجية فقط، وإنما يجب أن تكون نابعة من قناعة نفسية، ومن رضا القلب:

?فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ ? أي ضعفا وقلقا وعدم رضا ? وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ? تسليما نفسيا لأوامر القيادة

ثم إن الطاعة للقيادة يجب ألا تكون في القضايا البسيطة فقط، ولا تكون فقط في تنظيم طاقاتك التي فجرتها حتى الآن في نفسك وأعطيتها من ذاتك، وانما يجب أن تكون من أجل تفجير طاقات إضافية كامنة في نفسك ومن أجل بلورة شخصيتك، ومن أجل القيام بالأعمال العظيمة التي لا يمكنك القيام بها لوحدك، وإنما تتشجع بأمر القيادة على تنفيذها. يقول الله سبحانه ?وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا?.

هذا هو مستوى طاعة القيادة، فالقائد لو قال لك ضحِّ بنفسك في سبيل الله، أو اخرج من بلدك من أجل هدف سامٍ، فلا تتردد، وان الذين يترددون عن تطبيق الأعمال العظيمة التي تأمرهم بها القيادة، يعبرون بذلك عن إهتزازهم وضعف شخصيتهم وفي نهاية أمرهم سيصابون بالشر والضر. وأما الذين يتبعون القائد حتى في الأوامر الصعبة التي تحتاج إلى أقصى حدود التضحية فإن عاقبتهم ستكون خيرا، ?لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا?.

ثم يبين لنا القرآن جانبا آخر:

?وَإِذًا لاَتَيْنَاهُم مِن لَدُنَّآ أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَاُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ اُولئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا? .

بالتدبر في هذه الآيات نعرف إن هذا المستوى من الطاعة للقيادة سوف يحقق للمجتمع ثلاثة مكاسب:

أولا:

حينما يكون المجتمع بهذا المستوى من الطاعة فإنه سوف يتقدم، ويشمله من الله سبحانه وتعالى فضل كبير: ?لاَتَيْنَاهُم مِن لَدُنَّآ أَجْرًا عَظِيمًا? .

ثانيا:

إن هذا المجتمع سوف يكون على الطريقة السليمة، وسيكون وعيه وعلمه ومعرفته في مستوى من النضج والبلورة بحيث تعصمه من الإنزلاق والإنحراف: ?وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا? .

ثالثا:

هذا في الدنيا أما في الآخرة فإن هذا المجتمع سيحشر ?مع الذين أنعم الله عليهم من النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ اُولئِكَ رَفِيقًا? .

رابعا:

ثم يذكرنا القرآن الحكيم في الآية الأخيرة بأن مستوى الطاعة ليست بالإدعاء وإنما هي قضية يعلمها الله سبحانه وتعالى ?ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا?.

الحيوية والطاعة

نستوحي من هذه الآيات الكريمة الإجابة على السؤال الذي طرحناه في بداية البحث وهو:

ما هي العلاقة بين فاعلية المجتمع وحيويته، وبين الطاعة التامة للقيادة؟

حيث نستلهم من القرآن الكريم ، أن هذه العلاقة تنبع من الأمرين التاليين:

أولا: تكامل الطاقات

إن كثيرا من طاقات المجتمع تذهب هدرا، لعدم وجود تنظيم لها. وحتى مع وجود العاملين المخلصين الذين يقدمون أقصى ما لديهم في سبيل المصلحة العامة، فإن المجتمع غالبا لا يجني ثمار جهوده بشكل حسن لأنه يفتقر إلى تكامل وتنظيم طاقاته المبعثرة.

وقد جنت البشرية نتائج هامة لهذا التكامل والتنظيم للطاقات في عصرنا الراهن، ذلك ان الحضارة الحديثة مبنية على أساس هذين العاملين، فمن دون التكامل لم يقدر أن يشترك ثلاثمائة ألف عالم في صنع المركبة الفضائية (أبولو) التي حملت الإنسان إلى القمر، ولولا التنظيم الذي هو نتيجة الطاعة لما تكاملت جهود هؤلاء العلماء وعلومهم.

إن القيادات الإسلامية توفر للمجتمع الإسلامي المطيع لها تكامل الجهود والطاقات التي تذهب هدرا في الصراعات الإجتماعية، فالكثير من طاقات المجتمع تذهب هباء بسبب تحول التنافس البناء إلى صراع عدواني، فترى كل جناح وكل جبهة وكل حزب يحاول إيقاف مسيرة الجناح والجبهة والحزب الآخر.

وما يؤسف له هو أننا إذا نظرنا إلى واقع العالم الإسلامي اليوم، وإلى المجتمعات التي توصف بأنها إسلامية، لوجدنا كم هي الطاقات التي تبدد في الصراعات الداخلية، سواء الصراع الذي يبدأ بين زميلين في المدرسة، أو في العمل، أو بين زوج وزوجته، أو الصراع الذي يكبر ويكبر ليصبح بين تيارين إجتماعيين أو بين دولتين.

إن الصراعات الإجتماعية تبدأ صغيرة، تبدأ بسبب نفوس متوترة، ثم تتفجر ضمن صراعات إجتماعية كبيرة، والإسلام يريد أن يقضي على جذور الصراع الهدام ويحوله إلى تنافس بناء.

يقول تعالى:

? فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ? أي فيما اختلفوا فيه، وبعدما حكمت يسود هناك جو من الراحة النفسية والسكينة القلبية ?ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا? .

إن جهود المجتمع الإسلامي الذي يتمتع بهذا المستوى الرفيع من الطاعة للقيادة، لا تتناقض مع بعضها البعض، وانما تتحول صراعاته إلى تنافس بناء متكامل، وهذا يوفر للمجتمع المزيد من الطاقة، وحينما تتوفر هذه الطاقات وتحفظ من التشتت، فإنها تكون قادرة على بناء حضارة رسالية.

ثانيا: تركيز الطاقات

الطاعة للقيادة توفر حالة من التركيز الشديد القادر على إختراق أعتى المشاكل والعقبات التي تحول بين المجتمع وانطلاقاته الحضارية.

إن نور الشمس الموجود في كل مكان، لا يستطيع أن يشعل الحرائق، ولكن إذا تم تركيز هذا النور بتمريره عبر عدسة، فإنه يولد حرارة كبيرة، وهكذا، فإن تركيز أي شيء يسبب نتائج غير النتائج المتسببة من نفس الشيء في غير حالة التركيز.

إن بلادنا المتخلفة لا ينقصها شيء من الطاقات والموارد، ولكن الذي ينقصها هو عدم وجود تلك القدرة القيادية التي تستطيع أن تعبئ طاقات الأمة في لحظة واحدة وفي اتجاه معين، وتتغلب بها على العقد الحضارية التي نعيشها، والتي أشبه ما تكون بالحلقة المفرغة حيث لا ندري ماذا نعمل، فالأمور متشابكة ومرتبطة بعضها بالبعض الآخر، فمثلا.. نحتاج إلى مهندسين، وهذا يجعلنا بحاجة إلى كليات لتربيتهم، وهذا بدوره يحتاج إلى المال اللازم لتمويلها، وبالتالي فنحن نحتاج إلى مصدر لتوفير الأموال، وبما أن البلد زراعي، لذلك نتجه إلى تحسين الزراعة، ولكن تحسين الزراعة بدوره يحتاج إلى أدوات زراعية، ثم إلى المصانع التي تنتجها، والتي تحتاج إلى المهندسين لإدارتها.. وهكذا ندور حول أنفسنا ونراوح في مكاننا ولن ينقذنا إلا دفعة قيادية هائلة تتكون من قائد كفوء وشعب مطيع، حتى ننفلت من هذا الطوق، وننطلق في مسيرتنا الحضارية إلى الأمام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت