فهرس الكتاب
فإذا نظرنا للحضارات السابقة على الإسلام فنجدها وقد عرفت كل الحواجز التي أقامتها بين الفئات المختلفة من رعاياها، فالحضارة الرومانية فرَّقت في الحقوقِ بين سكان روما وسكان سائر إيطاليا، ثم بين الرومان وسائر رعايا البلاد المفتوحة، وبين الذين خضعوا للإمبراطوريةِ ومن كانوا خارجها الذين دعتهم (برابرة) ، أما حضارة الإسلام فقد أزالت الحواجز النفسية والمكانية بين أبنائها في مختلف أنحاء العالم فكانت بحق إنسانية عالمية.
-متماسكة في مواجهة التحديات
تماسكت الحضارة الإسلامية وثبتت أمام التحديات التي لو واجهتها أية حضارة أخرى لانتهت إلى زوال؛ فقد بنى المسلمون هذه الحضارة الإسلامية وصنعوا التاريخ الإسلامي في ظل أشرس التحديات، فلقد حرَّرت فتوحاتهم الإسلامية الأولى الشرق من القوى الاستعمارية القديمة.. الفرس والروم، ثم قهر المسلمون أطماعَ الحروب الصليبية التي دامت قرنين من الزمن، وعلى أيديهم تمت الهزيمة الأولى للمغول الذين أبادوا الأخضرَ واليابسَ، بل استطاعوا أن يُدخِلوا كثيرًا منهم في الإسلام، وفي العصر الحديث قهروا أطماع أوروبا الاستعمارية، واليوم يصنع المسلمون تاريخًا من الصمود والمقاومة ضد أحلام الإمبريالية الأمريكية في العراق وشريكتها الصهيونية في فلسطين ساعين إلى إلحاقها بمصيرِ الغزاةِ والمستكبرين.
وسر هذا التماسك في القرآن الكريم.. هذا الكتاب الخالد جمع الأمةَ الإسلاميةَ على مرِّ العصور، ومهما ضعفت فإن الله يقيِّض لها على رأس كل قرن من يجدِّد لها دينَها طالما كان بينهم كتاب الله، يقول تعالى ?إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92) ? (الأنبياء) ففيه القوة الجامعة لشتاتها"تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنتي".
ومن هنا حرص أعداء الإسلام على أن يطعنوا الأمةَ في موقعِ قوتها، وذلك بعزلها عن كتاب الله، ففي البلاد التي تتكلم بلغته حاولوا عزلها عن التطبيق لمفاهيمه وتحويله إلى شعائرَ تُتْلى في المآتم. أما البلاد التي تتكلم بلغات أخرى وكانت حروفها عربيةً فقد حرصوا على تبديل الحرف العربي الذي يربطها بالقرآن وإدخال حروف أجنبية تمهيدًا لعزلها عن مصدر (الشخصية الجماعية لأمة القرآن) .
-حضارة معطاءة
إنها حضارة معطاء؛ أخذت واقتبست من الحضارات والثقافات الإنسانية التي عرفتها شعوب العالم القديم، وأعطت عطاءً زاخرًا بالعلم والمعرفة والفن الإنساني الراقي وبقيم الخير والعدل والمساواة والفضيلة والجمال، وكان عطاؤها لفائدةِ الإنسانية جمعاء، لا فرق بين عربي وعجمي، أو أبيض وأسود، بل لا فرق بين مسلم وغير مسلم، سواء أكان من أتباع الديانات السماوية والوضعية، أم ممَّن لا دين لهم من أقوام شتَّى كانوا يعيشون في ظل الحضارة الإسلامية.
-حضارة باقية
إنها حضارة باقية بقاء الحياة على وجه الأرض، تستمد بقاءَها من الإسلام الذي قامت على أساس مبادئه، وقد تكفل الله تعالى بحفظ الدين الحنيف، وهي بذلك حضارةٌ ذات خصوصيات متفردة، فالحضارة الإسلامية لا تشيخ لتنقرض، لأنها ليست حضارةً قوميةً، ولا هي بعنصرية، ولا هي ضد الفطرة الإنسانية، والإسلام لا يتمثَّل في المسلمين في كل الأحوال، لأن المسلمين قد يضعفون ويقل نفوذُهم ويتراجع تأثيرُهم، ولكن الإسلام لا يضعف ولا يقل نفوذُه ولا يتراجع تأثيرُه، وهي بذلك حضارة دائمة الإشعاع تتعاقب أطوارها وتتجدَّد دوراتها.
-ذات وحدة في الروح والطابع
أول ما يتجلَّى لنا عند النظر إلى حضارة الإسلام بصورة عامة هو وحدتها أي تشابهها في الروح والخصائص المميزة لها أيًّا كان ميدانها، فسواء نظرنا إلى الفقه أو الشريعة أو الفلسفة أو الطب أو الصيدلة أو العمارة فإننا نحس أن بينها وعلى اختلافها في الطبيعة الخاصة بكل منها خيطًا رفيعًا رابطًا يحس به الإنسان لأول وهلة، وهذا الخيط غير المنظور هو الذي يُشعرنا بأنَّ هذه كلها ميادين من حضارةٍ واحدة، ويرجع ذلك في نهاية الأمر وبدايته إلى الإسلام، الذي هو عقيدة وشريعة ونظام إجتماعي وخط سلوكي وحضارة، وهذه هي القوائم التي قامت عليها بناء الحضارة الإسلامية في شتى صورها وأشكالها، وهذه الوحدة في الروح والطابع هي التي أعطت المجتمع الإسلامي هذه الوحدة.
-حضارة متوازنة
وازنت الحضارة الإسلامية بين الجانب الروحي والجانب المادي في اعتدال، فلا تفريط ولا إفراط ولا غلو، هذه بعض سمات حضارتنا الإسلاميةلماذا تقدموا ولماذا تخلفنا / 4 / الحضارة الاسلامية بين الواقع والمأمول
مدخل اول:
ما الفرق بين الحضارة والثقافة؟
الفرق دقيق الى حد اننا قد نلتبس فيه. لكنه في الوقت ذاته كبير. فالحضارة انجاز تاريخي لأمة او مجموعة بشرية تساهم فيه في المسيرة الانسانية نحو عالم افضل في المعرفة والتقنية والرفاهية.
الثقافة جزء من كل فهي وجه من الوجوه المتعددة للحضارة. انها منظومة من الافكار والقيم والتقاليد التي تراكمت مع الزمن في البيئة والتراث لتكون الحالة الذهنية والنفسية و العقلية السائدة في مجتمع ما.
والحضارة هي الثابت الذي يسهل رصده في تاريخ الامة ، لان الحضارة في موتها او تواصل عطائها تشكل الصرح المادي والظاهر الذي لا يمكن تجاهله.
اما الثقافة فهي المتحول والمتغير في الحضارة اى عندما تضمحل الثقافة ولا تتفاعل مع الواقع التى تحيا فيه - بما انها المتحول والمتغير في الحضارة - تؤدى الى موت الحضارة - ويظهرهذا واضحا - لانها تمثل الصرح المادى والملموس
مدخل تانى
: انتهاء الحضارة الاسلامية بسبب الانطفاء التدريجى للعقل العربى
اى عندما نحاول ان نثبت ان الحضارة الاسلامية التى كانت موجودة في الماضى والتى ابدعت في شتى المجالات واخرجت الينا علماء مثل ابن الهيثم والفارابى اصبحت الان جثة هامدة , ذلك لان الثقافة المسيطرة على العقول العربية والاسلامية ما هي الا ثقافة الخوف , ثقافة سد الذرائع , ثقافة التكفير
لقد شهدت بدايات الالفية الميلادية الثانية الانطفاء التدريجي الجدلي والثقافي للعقل العربي باعلان المذاهب السنية والشيعية خاتمة الاجتهاد في التفسير الديني. ولعل الدافع الى ذلك هو خوف فقهاء السنة والشيعة، على الاسلام الملتزم بالتفسير الصريح والبسيط للقرآن الكريم والحديث النبوي، من المذاهب والبدع التي ذهبت في الاجتهاد .
غير ان حالة الانطفاء الفكري ما لبثت ان تحولت الى حالة موت للعقل العربي والاسلامي في القرون الوسيطة. وهذه المرحلة الاجتماعية والثقافية الخاملة مهمة للغاية، لانها شبيهة بالموت الحالى للعقل العربي الذى ينتشرهذه الايام المجتمعات العربية والاسلامية.
مدخل ثالث
: صعوبة عودة الحضارة الاسلامية لاستحالة تغيير ثقافتنا
الإسلام دين شامل متفاعل مع واقع زمانه ومع الإنسان، صنع للعرب دولة هي السياسة بعينها، وأقام اقتصادا مركزيا للقبائل المتشرذمة، وأنشأ الفنون والثقافة والعلوم، وتحاور مع الأديان والثقافات الأخرى.
ولكن الأزمة في التمسك بغير الصحيح من الدين وإضفاء القدسية على حلول ومواقف قدمها الإسلام في ظرف وزمان محدد بالواقع المحيط وجعلها حلولا ومواقف صالحة لكل زمان ومكان، برغم أن الزمان والمكان مختلفان تماما