فهرس الكتاب

الصفحة 463 من 1942

في هذه المرحلة كانت الثقافةُ الإسلاميةُ ومُثُلُها وقيمُها ونُظُمُها.. في قفص الاتهام! وأصبح الإسلام مُتَّهمًا، وتُثارُ حولَه كثيرٌ من الشُبُهات، وانبرى العلماءُ والمفكرون يدفعون عن الإسلام هذه الاتهامات، ويفنِّدون تلك الشبهات؛ فالإسلام ليس منافيًا للرُّقيِّ، ولا مانعًا من التطور، ولا معارضًا للعلم والعقل، وهذا ما يلاحَظ في مؤلفات الشيخ محمد عبده، وفريد وجدي، وأمثالهما [8] .

المرحلة الثانية (مرحلة: التوفيق بين الإسلام وغيره من المبادئ الغربية) :

وفي هذه المرحلة خرج الإسلام من قفص الاتهام، وأصبح يُقاس بمقاييس غيره، فالإسلام صالح لأنه يتفق مع (الديمقراطية) ، وهو متطور لأنه يتفق مع مبادئ الاشتراكية! وسببُ القياسِ على هذه المبادئ أن كثيرًا من المثقفين كانوا منبهرين بتلك المبادئ والنظم..

وفي هذه المرحلة أُلبسَت الأفكارُ الغربية أحيانًا لباسَ الإسلام؛ ليسهُل مرورُها واجتيازها إلى المجتمع الإسلامي! وأحيانًا يُلبَس الإسلامُ لباسَ الأفكار الغربية؛ ليسهل على العقول التي ألفت التفكير الغربي أن تستسيغه وتقبله!! وظهرت كتبٌ في هذه المرحلة، مثل كتاب (ديمقراطية الإسلام!) للعقاد، وكتاب (اشتراكية الإسلام!) لمصطفى السباعي [9] .

وكان لهذه المرحلة إيجابياتها وسلبياتها، فكانت سبيلًا للكشف عن كثيرٍ من جوانب عظمة الإسلام، كما كانت - أحيانًا - للانحراف والتعسف في تأويل نصوصه، وإلباسِه غيرَ ثوبه، وإقحامِ أفكارٍ غريبة عليه [10] .

وكان لهذه المرحلة عدة خصائص، من أبرزها ما يلي:

1-أنها كانت تقوم على أساسٍ نفسي، من الإعجاب بالغرب وإكباره، واستشعارِ النقص والضعفِ الفكري والثقافي.

2-أنها كانت تقوم على الأخذ بالمثل والقيم الغربية، واتخاذها مقاييس لتقويم مبادئ الإسلام ونظمه وقيمه.

3-تأثرُ المسلمين وانخداعُهم ببعض الأفكار والاصطلاحات، مثل: التقدمية، والتطور، والتجديد..

4-نقل المسلمين لمشكلات الغرب التي نشأت في ظروف تاريخية خاصة به، وإقحام تلك المشكلات في داخل المجتمع الإسلامي، على الرغم من اختلاف الظروف والملابسات!! مثل مشكلة الصراع بين الدين والعلم.

المرحلة الثالثة (مرحلة: ذاتية الإسلام وظهور تميزه على المبادئ الغربية) :

وفي هذه المرحلة بدأت تتضح صورةُ الإسلام الخاصة به، ومقاييسه الذاتية، وبدأت مرحلة وعي الذات وأنَّ ما تملكه الأمةُ من مبادئَ سامية ونظمٍ صالحةٍ أفضلُ مما هو موجود لدى الغرب، فقد وجد المسلمون بين أيديهم رصيدًا ثمينًا من المثل والقيم والمبادئ والنظم، واكتشفوا أن ما جاء به الإسلام نظامٌ كامل وشامل للحياة.

وفي هذه المرحلة بدأت تتضح عيوبُ وسلبياتُ النظم الغربية، وأصبحت تُوجَّه الانتقاداتُ إليها، فبدأت تتضح عيوبُ (الاشتراكية) و (العلمانية) و (الديمقراطية) ، وأن الشعوب لم تجد في تلك المذاهب والنظريات ما يحقق رُقِيَّها وسعادتَها [11] .

المطلب الثاني: تميز علم الثقافة الإسلامية، وأهمية تدريسها في الجامعات:

ويحوي هذا المطلب محورين:

المحور الأول: تميز علم الثقافة الإسلامية على غيره من العلوم:

من المؤسف أن ترى البعض يحمل تصوُّرًا خاطئًا عن علم الثقافة الإسلامية، بل يذهب بعضُهم إلى أنه ليس هناك حاجة إلى هذا العلم، وأن العلوم الإسلامية الأخرى تغني عنه! ولذا نحاول أن نشير هنا إلى تميزه عن العلوم الإسلامية الأخرى:

-فمِمَّا يميز علم الثقافة الإسلامية أنه علم يبحث في كُليَّات الإسلام، في نظم الحياة كلها، وهذا يخرِج العلومَ الأخرى، كعلم العقيدة، وعلم الفقه..؛ لأنها علوم تبحث في فروع الإسلام وجزئياته، وليس في كليات الإسلام [12] .

-إن علم الثقافة الإسلامية يتسم بالشمول، ويقصد به: التناول الكلي للموضوع باعتباره وحدةً مترابطة، سواء كان الموضوع قِيمةً أو نظامًا أو فكرًا، فالإسلام يُتَنَاوَل بوصفه منهجًا للحياة مترابطًا من جميع الجوانب؛ العَقَدية، والعِبادية، ولخلُقية، والاجتماعية، والاقتصادية .. إلخ [13] .

-ويتميز علم الثقافة الإسلامية بقيامه على منهجيةِ توجيهِ النقدِ إلى (الأيدلوجيات) والمذاهب الأخرى، ولا سيما في هذا العصر، الذي تتنافس فيه المذهبيات وتتصارع فيه الأفكار، فبواسطة النقد - بحديه الإيجابي والسلبي - يمكن بيانُ الجوانبِ الجيدةِ المتوافقةِ مع الإسلام في الفكر الإنساني، وكذلك بيانُ جوانبِ النقصِ والقُصورِ والانحراف التي تكشف عن حاجته إلى هداية الوحي [14] .

-ويتميز علم الثقافة الإسلامية باعتماده على منهج المقارنة، وذلك من أجل كشف كمال الإسلام، وفضله، وحاجة البشرية إليه [15] .

المحور الثاني: أهمية تدريس علم الثقافة الإسلامية في الجامعات:

تتجلى أهمية تدريس مادة الثقافة الإسلامية في الجامعات في معرفة أهدافِ تدريسها، وأبرزُ الأهداف لتدريسها ما يلي:

1-إبرازُ النظرةِ الشمولية للإسلام، بوصفه منهجًا شاملًا لجميع جوانب الحياة، أساسُه التوحيد، والتخلصُ من النظرة الجزئية للإسلام، التي تقصره على بعض جوانب الحياة.

2-تعميقُ انتماء الطالب إلى الإسلام، وربطُه بكتاب الله - عز وجل - وسنّة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وتبصيرُه بما في هذين المصدرين الرئيسين من أصول القيم الخلقية والحضارية، وذلك من أجل تحصينه - اعتقادًا وفكرًا وسلوكًا - ضد التيارات الفكرية المعارضة للإسلام.

3-تجليةُ مواقف الإسلام من قضايا العصر، خاصة في مجالات العلوم المختلفة، وحركات الفكر، ونظم الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية..، ونقدها من المنظور الإسلامي.

4-بيانُ تفوقِ الإسلام وتميزه على المذاهب الفكرية و (الأيدلوجيات) في كافة شؤون الحياة، وإظهارُ قدرتِه على تحقيق السعادة الإنسانية؛ في مقابل إخفاق تلك المذاهب و (الأيدلوجيات) .

5-إعطاء الطالب صورة وافية عما صنعته رسالةُ الإسلام العامَّةُ الشاملةُ في الحياة الإنسانية، من تحريرِها للبشر من الوثنيات والخرافات، وإنقاذِهم من التخلف الفكري، والتفكك الاجتماعي.

6-تشخيصُ حالِ الأمةِ الإسلاميةِ في مجالي الفكرِ والسلوكِ والحركةِ الحضاريةِ، وبيانُ مَواطن الخلل فيها ومنهج العلاج [16] .

اهتمام الجامعات بتدريس مادة الثقافة الإسلامية:

يعود الفضل في تدريس المادة إلى الأستاذ محمد المبارك - رحمه الله - حيث سعى بجهوده إلى تحقيق ذلك، وقد ذكر - رحمه الله - الخطوات التي قام بها في هذا المجال، وهي التالية:

* كانت البداية في جامعة دمشق، في كلية الشريعة، عام 1954م، حيث كان الأستاذ المبارك أحدَ أعضاء اللجنة التي وضعت خطةَ المناهج، وقام باقتراح إدخال مادة (نظام الإسلام) في منهج السنة الأولى؛ لإعطاء الطالب صورةً شاملةً للإسلام، وقُبِلَ الاقتراحُ، وقامَ الأستاذُ بتدريس تلك المادة.

* في عام 1961م اشترك الأستاذُ المبارك في لجان تطوير الأزهر، وقام بإدخال تلك المادة في مناهج جميع الكليات.

* ثم أدخلت المادة إلى مناهج الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.

* ثم أدخلت المادة في كلية الشريعة بمكة المكرمة.

* ثم أدخلت في جامعة أم دَرْمان الإسلامية بالسودان.

* ثم في جامعة الرياض (جامعة الملك سعود حاليًا) عام 1964م [17] .

* وكانت المملكة العربية السعودية سبّاقة في هذا المجال، حيث جعلت الثقافة الإسلامية أساسًا في التعليم، وجاء في السياسة التعليمية ما يلي: (العلومُ الدينيةُ أساسيةُ في جميع سنوات التعليم: الابتدائي، والمتوسط، والثانوي بفروعه، والثقافةُ الإسلاميةُ أساسيةُ في جميع سنوات التعليم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت