5-المسعودي (ت: 346 هـ) : عرف أبو الحسن علي بن الحسين ابن علي بن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، بكثرة رحلاته وتنقلاته بين أطراف الدولة العربية الإسلامية، بل وتعداها إلى سيلان (6) ، مما أعطى لمعلوماته قيمة كبيرة باعتبارها حصيلة المشاهدة والمعاينة التي توفرت للمسعودي .. ترك المسعودي عدة كتب، أشهرها (مروج الذهب ومعادن الجوهر) .. ويمكن تلمس دور البطل في الحركة التاريخية لدى المسعودي، فقد يكون البطل نبيا، وبالتالي فإن سعيه لإقامة مجتمع يسود فيه العدل والرخاء، أو ملك متجبر طاغية .. فمنظور المسعودي ديني، يؤكد ويقوم على الجوانب الحضارية، فهو يحاول تعليل سبب سكنى العرب وبعض الأقوام الأخرى للبوادي، ويعطي أسبابا لهذه الظاهرة، أحدها هو الأنفة وطلب العزة (7) ، ثم يتكلم المسعودي عن حضارة أهل الهند، ويورد معلومات مهمة عن أديانهم وفلسفاتهم وعاداتهم وتقاليدهم، وكذلك في حديثه عن حضارة أهل الصين والترك (8) ، الأمر الذي يوضح اهتمام المؤرخين المسلمين المبكر بالجوانب الحضارية للشعوب، أكثر من مجرد العناية بملوكها.
ومن المؤرخين الذين ألفوا في التاريخ العام:
-حمزة الأصفهاني ( ت: 350 هـ) ، الذي ألف كتاب (تاريخ سني ملوك الأرض، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام) ، وقد قرن حمزة بين الملكية والنبوة في أن الحضارة لابد أن تكون صنيعة إحداهما (9) ، وقد أظهر حمزة اهتماما بالجوانب الثقافية ،كحرق الأسكندر لكتب الفرس، ونقله ما احتاج إليه من علوم الفرس إلى اللغة اليونانية، وبداية ظهور عبادة الأصنام والأوثان، مما يضفي على الكتاب مسحته الحضارية (10) .
-المقدسي، المطهر بن طاهر ( ت:390 هـ) ، صاحب كتاب (البدء والتاريخ) ، حيث قسمه إلى فترتين، الفترة السابقة للإسلام والفترة الإسلامية.
والمنظور الحضاري للمقدسي ينحصر أيضا في رؤيته لوحدة الرسالات السماوية، لهذا فهو يسرد تاريخا للنبوة يبتدئ بذكر آدم مرورا بنوح وإبراهيم عليهم الصلاة السلام، وينتهي بخاتم هؤلاء محمد صلى الله عليه وسلم .. كذلك فإن المقدسي في رؤيته للحضارة، يجدها من صنع الملوك والأنبياء، غير أن كلا منهم ينظر إليها بمنظار خاص، فبينما هي بمنظور الأنبياء تشاد بالتوحيد والتناهي عن الظلم والتسلط والجبروت، نجدها في رؤى الملوك في الأعم الأغلب تقوم على العبودية والتعسف واغتصاب حقوق الآخرين (11) .
كذلك فهناك مؤرخون آخرون كتبوا في التاريخ العام مثل:
-مسكويه (ت:421 هـ) : وهو صاحب كتاب (تجارب الأمم وتعاقب الهمم) .. كان مسكويه قد اشتغل بالكيمياء، ودرس الفلسفة، الأمر الذي ظهر واضحا على دراساته للتاريخ، فقد أصبحت دراسة التاريخ في نظره تحوي فائدة مهمة، وهي فائدة العبرة والاتعاظ، وهذا ما سوغ تسمية مؤلفه ب (تجارب الأمم وتعاقب الهمم) ، بمعنى أن التاريخ صار يمثل تجربة أممية عالمية (12) .
لم يؤرخ مسكويه للأنبياء مطلقا، رغم أن كتابه من الناحية المنهجية مقسوم إلى قسمين، فترة ما قبل الإسلام والفترة الإسلامية (13) ، بل إنه حذف التاريخ الديني للرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، واقتصر على تدوين التاريخ السياسي، وهذا أمر له مغزاه، فقد سبق وأن أشرنا إلى أن الأنبياء والملوك يتبادلان الدور في صنع الحضارات، ويبدو أن مسكويه أراد أن يجعل الملوك وحدهم أصحاب الدور القيادي في البناء الحضاري، وذلك كي يجعل التاريخ معينا للتجارب الإنسانية السياسية، التي يمكن أن يستفاد منها عبرا أخلاقية، لذا فإنه يقول:"وإني تصفحت أخبار الأمم وسير الملوك، وقرأت أخبار البلدان وكتب التواريخ، وجدت فيها ما يستفاد منه تجربة في أمور لاتزال يتكرر مثلها، وينتظر حدوث شبهها وشكلها، كذكر مبادئ الدول ونشئ الممالك، وذكر دخول الخلل فيها بعد ذلك، وتلافي من تلافاه وتداركه .." (14) .
وإذا كانت التجارب هي فعل بشري، يقع في حدود الطاقات والإمكانات البشرية على أرض الواقع، فإن أعمال الأنبياء لا يمكن أن تكون تجارب قابلة للخطأ والصواب، لأنها معجزات إلهية، ومسكويه الفيلسوف يخضع الفعل الإنساني للعقل .. أما المعجزات فهي خارج إطاره، ولهذا يقول:"ولهذا السبب بعينه لم نتعرض لذكر الأنبياء صلوات الله عليهم، وما تم لهم من السياسات بها، لأن أهل زماننا لا يستفيدون منها تجربة فيما يستقبلونه من أمورهم، اللهم إلا ما كان منها تدبيرا بشريا لا يقترن بالإعجاز" (15) .
ومن هنا، فإن التاريخ بنظر مسكويه، مسرح للنشاط الإنساني، ومستودع لتجارب العقل البشري على مر الأزمان.
ومن المؤرخين المسلمين في حقل التاريخ العام:
-أبو منصور الثعالب: (ت: 429 هـ) : صاحب كتاب (تاريخ غرر السير، المعروف بكتاب غرر أخبار ملوك الفرس) ، وهنا نجد المنظور الحضاري التاريخي للثعالبي يتمحور حول الملك صانع الحضارة، حيث يقول:"فإن الناس بالزمان، والزمان بالسلطان، والسلطان بعد الله للملوك الذين استرعاهم أمور عباده، وملكهم أزمة بلاده، فلا دين إلا بهم ولا دنيا إلا معهم" (16) . على أن الثعالبي لا يستبعد الأنبياء من تصدرهم في بعض الأحيان لقيادة المسيرة الحضارية لمجتمعاتهم، وهو هنا يشير إلى أن هناك ملوكا أنبياء كآدم ويوسف، وداود وسليمان وذي القرنين ومحمد صلوات الله عليهم (17) .
ويبدي الثعالبي شيئا من الأصالة في القسم المتعلق بملوك الفرس، أما في القسم الإسلامي من تاريخه فهو عالة على الطبري (18) .
على أن هذا الكتاب يعتبر إيذانا بتوقف تجربة التاريخ العالمي منذ بداية القرن الخامس الهجري ولمدة قرنين (19) ، إذ كان لضعف الخلافة العباسية، وتسلط القوى الأجنبية عليها، وانفصال بعض الولايات عنها، والاقتصار على الارتباط بها ارتباطا واهيا، أدى إلى ظهور وازدهار ما يعرف بالتواريخ المحلية، وبدأ الأمراء المستقلون يشجعون الفقهاء والعلماء وأهل الأخبار في مجالسهم، وأصبحت حواضرهم تكاد تكون صورة ربما مصغرة عن بغداد (20) .
ومع ذلك فإننا نجد عودة لكتب التاريخ العالمي، تعود مرة أخرى منذ أواخر القرن السادس ومنتصف القرن الثامن ممثلة بـ:
(المنتظم) لابن الجوزي (ت: 517 هـ) : وهذا الكتاب لا يعطينا صورة دقيقة لمؤلف في التاريخ العام رغم ضخامته، وخاصة في نصفه الثاني المطبوع، إذ أنه أعطى التراجم حجما أوسع من الأحداث، كما أنه يفتقد الشمول فيمن تحدث عنهم، فلم يكد يتجاوز بغداد وأحداث رجال العراق الذين ترجم لهم (21) .
أما المؤلف الثاني فهو:
(الكامل في التاريخ) لابن الأثير (ت: 630 هـ) : وهذا الكتاب يعتبر أكثر انسجاما مع الخط العام في التواريخ العالمية، وهو يسلك مسلك الطبري من حيث تقسيم الكتاب إلى قسمين: ما قبل الإسلام، والقسم الإسلامي، غير أنه اختلف عن منهج الطبري، وذلك بتجاوزه للإسناد الذي اتبعه الطبري في تاريخه (22) .
ولا يختلف (مرآة الزمان) لسبط بن الجوزي (ت: 654 هـ) عن (الكامل في التاريخ) ، إلا في أنه يضع في نهاية حوادث كل عام -عندما يتحول الحديث إلى الفترة الإسلامية- أسماء من توفي من الأعيان والأعلام (23) .
وضمن هذا الخط، خط التاريخ العام، نلتقي أبا الفداء، الحافظ ابن كثير الدمشقي (ت: 774 هـ) ، وهو من المعاصرين لابن خلدون، وكتابه (البداية والنهاية) لا يختلف في منهجيته عن الذين سبقوه من المؤرخين المسلمين من حيث تقسيمه الكتاب إلى فترتين: ما قبل الإسلام، والفترة الإسلامية .. وهو منساق أيضا وراء فكرة (وحدة الرسالات) ، وفكرة (البطل) ، اللتين تعدان جوهر منظوره الحضاري (24) .