لقد تميزت كتب التاريخ العام، التي ظهرت خلال الفترة المحصورة بين القرنين السابع والثامن عن سابقاتها من عيون كتب التاريخ العام، كاليعقوبي والطبري والمسعودي والمقدسي ومسكويه، بميزات منهجية فقط فقد أضافت مادة جديدة إلى موادها أخذتها من كتب التراجم، حتى ظهرت هذه وكأنها ذيل متمم لمادة القسم الإسلامي منها، كما وضعت في نهاية حوادث كل سنة بابا للوفيات، حيث دمج المؤرخون منذ أواخر القرن السادس تاريخ الرجال مع الأحداث فالتقى في مدوناتهم فرعا التاريخ الأحداث، والتراجم (25) .
ثانيا: الطبقات والتراجم.
كانت السيرة النبوية التي عني بجمعها وتدوينها فقهاء ومحدثون كعروة بن الزبير وشرحبيل بن سعد وأبان بن عثمان، مثالا يحتذى لدى المؤرخين، نسجوا على منوالها سير الخلفاء فيما بعد، وإن كانت كتاباتهم قد تضمنت قيما ومثلا جديدة، كسيرة الخليفة العادل عمر ابن عبد العزيز .. كما كانت الحروب الصليبية والنجاحات التي تمخضت عنها، حافزا لكتابة سير بعض السلاطين والزعماء الذين تصدوا لهذا الخطر، فالذين كتبوا سير مودود وعماد الدين زنكي، ونور الدين محمود، وصلاح الدين الأيوبي، إنما انطلقوا من دور هؤلاء البارز في التصدي للعدوان الصليبي، ولهذا ظهرت ما يمكن تسميته (بالسير الملكية) (26) .. أما الطبقات والتراجم فقد ظهرت منذ زمن مبكر في الأدب العربي، وتعتبر من إبداعات الحضارة العربية الإسلامية، كما وتعد فنا فريدا من فنون التاريخ لا نجد لها شبيها في آداب أية أمة من الأمم الأخرى إلا في عصرنا الراهن (27) .. ظهر فن التأليف في الطبقات والتراجم، نتيجة لحاجة العلماء المعنيين بتدوين الحديث معرفة سير رجال الأسانيد أو رواة الحديث، بهدف التحقق من صدقهم طبقا لمنهج (الجرح والتعديل) ، الذي اتبعه المحدثون، فظهرت في البداية طبقات المحدثين (28) .
بعد ذلك تنبه بعض العلماء إلى وضع تراجم أخرى لطبقات الرجال الذين تتفق توجهاتهم وتخصصاتهم، فتتوحد في لون واحد من العلم، فظهرت كتب طبقات الصحابة، وطبقات المفسرين، وطبقات القراء، وطبقات النحاة، وطبقات الشعراء، وطبقات الأطباء، وغيرهم (29) .
ولابد من الإشارة إلى اختلاف غايات أصحاب كتب الطبقات والتراجم، فبعضهم كما سنرى ألف تبعا لغاية دينية، وآخرون من وجهة نظر دنيوية، بينما نرى عند آخرين أن تآليفهم تجئ تحت إلحاح غايات مذهبية .. وأقدم كتب الطبقات هي:
كتاب"الطبقات"لخليفة بن خياط (ت:240 هـ) ، الذي وضع فيه ابن خياط الصحابي كبطل صانع لحوادث التاريخ، وهذا هو منطلق خليفة الحضاري (30) .. أما ابن سعد (ت: 230 هـ) ، فقد جعل السابقة في الإسلام أساس التمايز بين الصحابة، ففي كتابه (الطبقات الكبرى) جعل البدريين الطبقة الأولى، ومن له إسلام قديم وهاجر إلى الحبشة أو شهد أحدا، ومن أسلم قبل فتح مكة جعلهم الطبقة الثانية، وهكذا (31) .
هذا وقد أصبحت طبقات خليفة بن خياط وطبقات ابن سعد، أنموذجا سار على منواله واعتمد عليه البخاري (ت: 256 هـ) في كتابه (التاريخ الكبير) ، وابن عبد البر (ت: 463 هـ) في كتابه (الاستيعاب لمعرفة الأصحاب) ، وأبو نعيم (ت: 430 هـ) في كتابه (حلية الأولياء) ، وقد بقي هذا التقليد شائعا حتى منتصف القرن الثامن الهجري، حيث يمثل الذهبي (ت: 748 هـ) أبرز من اهتم بنظام الطبقات وخاصة في كتابه (المجرد في أسماء رجال كتاب ابن ماجه) (32) .
كذلك فإن هذا التقليد في ترتيب الصحابة والمحدثين إلى طبقات قد امتد إلى كتب التراجم الأخرى، كطبقات الشعراء لمحمد بن سلام الجمحي (ت: 232 هـ) ، وطبقات القراء لخليفة بن خياط (ت: 240 هـ) ، وطبقات الصوفية لأبي عبد الرحمن السلمي (412 هـ) ، وطبقات الفقهاء لأبي إسحاق الشيرازي (ت:476 هـ) وغيرهم (33) .
ومما تجدر ملاحظته أن المنظور الحضاري لمعظم مؤلفي كتب الطبقات والتراجم، قد انطلق من منطلقات دينية أو ثقافية.
فالسلمي (ت: 412 هـ) في كتابه (طبقات الصوفية) يعكس منظوره الحضاري النظرة الدينية، لأن المتصوفة في نظره هم (أرباب حقائق التوحيد) (34) ، كذلك نجد هذه النظرة الدينية في منظور أبي نعيم الأصبهاني (ت:430 هـ) في كتابه (حلية الأولياء وطبقات الأصفياء) (35) .
ويستمر المنظور الحضاري في منطلقاته الدينية في بعض التراجم، التي قد تبدو لنا لأول وهلة أن صلتها بالناحية الدنيوية الاجتماعية أكثر من صلتها بالدين، كالأنساب مثلا، في حين نجد أنه حتى في مثل هذه التآليف، فإن منطلقات مؤلفيها دينية، فمثلا نلاحظ في كتاب (جمهرة أنساب العرب) أن ابن حزم (ت: 456 هـ) ، عني بالأنساب، لأنه يرى أن دراسة الأنساب فرض كفاية أيضا: (فأما الغرض من علم النسب، فهو أن يعلم المرء أن محمدا صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله تعالى إلى الجن والإنس بدين الإسلام، هو محمد بن عبد الله القرشي الهاشمي، الذي كان بمكة ورحل إلى المدينة) (36) .
وهكذا يكتسب النسب في منظور ابن حزم قيمته الدينية التي تفوق قيمته الاجتماعية .. كذلك نجد هذا المنظور الديني واضحا لدى ابن عبد البر (ت: 463 هـ) ، في كتابه (الاستيعاب في معرفة الأصحاب) (37) ، حيث يعتبر الصحابة هم أولى الناس بالمعرفة، لأنهم هم الذين نقلوا سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ووعوها، وهي الركن الثاني بعد كتاب الله في قيمتها التشريعية والدينية (38) .
أما ياقوت الحموي (ت: 626 هـ) فعلى الرغم مما يوحي به كتابه (معجم الأدباء) (39) ، من نزعة ثقافية دنيوية، فإن ياقوت يغوص في أبعاد العلم، ليجد فيه الجانب الديني قائما واضحا، فيقول عن كتابه إنه جمع فيه:"أخبار قوم عنهم أخذ علم القرآن المجيد، والحديث المفيد، وبصناعتهم تنال الإمارة .. وبعلمهم يتم الإسلام، وباستنباطهم يعرف الحلال من الحرام" (40) .
وما وجدنا عند ياقوت وجدناه عند ابن أبي أصيبعة (ت: 868 هـ) في مصنفه عيون الأنباء في طبقات الأطباء (41) ، فهو أيضا أسير النظرة الدينية، فصناعة الطب في نظره (من أشرف الصنائع وأربح البضائع، وقد ورد تفصيلها في الكتب الإلهية والأوامر الشرعية، حتى جعل علم الأبدان قريبا لعلم الأديان) (42) .
ويقدم ابن خلكان (ت: 681 هـ) رأيا آخر في عنايته بالسير، ولا يرجع ذلك إلى أية نظرة دينية، بل مرد اهتمامه بسير بعض المتقدمين هو ولعه الشخصي بالاطلاع على أخبار النابهين، فالنباهة والذكاء والفطنة التي تميز بها بعض الناس، هي التي جعلت ابن خلكان يضع مصنفه (وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان) (43) .. كذلك تقوم نظرة السبكي (ت: 771 هـ) في كتابه (طبقات الشافعية الكبرى) (44) ، إذ أصبح العالم في نظره يحتل مكانة أرفع وأعلى من مكانة أصحاب التيجان.
وعلى منوال السبكي سار كل من محمد بن شاكر الكتبي (ت: 764 هـ) في كتابه فوات الوفيات، وصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي (ت: 764 هـ) في كتابه (الوافي بالوفيات) (45) .
وإذا كان ابن خلكان قد ترجم للنابهين، وتابعه في ذلك إلى حد ما الكتبي، الذي أضاف على تراجم ابن خلكان بعض التراجم للخلفاء والمميزين الذي أغفلهم ابن خلكان، غير أن هذه النظرة الشمولية استمرت في تراجم بعض المؤلفين اللاحقين، كالسخاوي (46) والسيوطي (47) ، فصارت تشمل المشهورين من الناس إلى جانب آخرين لم يكونوا على حظ وافر من الشهرة في التاريخ، استنادا إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم:"أنزلوا الناس منازلهم" (48) .
ثالثا: التواريخ المحلية والإقليمية والمنظور الحضاري