التاريخ اصطلاحا
أما التاريخ اصطلاحا فقد تنوعت تعاريفه وتعددت، بتنوع ثقافات ومشارب وأهواء وانتماءات ومذاهب الذين ولجوا موضوعه، فتراءت لهم تعاريفه من طبيعة مهمته، ومن دوره الذي يقوم به ضمن إطار الثقافة العربية الإسلامية، على ضوء المنظور الثقافي والفكري والمذهبي لكل مؤرخ .. فالتاريخ يعني (الوقت) ، يقول خليفة بن خياط:"وبالتاريخ عرف الناس أمر حجهم وصومهم وانقضاء عدد نسائهم ومحل ديونهم، يقول الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) (البقرة: 189) " (25) .
والكافيجي يعرفه بأنه:"هو تعيين الوقت لينسب إليه زمان مطلقا، سواء كان قد مضى أو كان حاضرا أو سيأتي .." (26) ، ثم يعطي الكافيجي بعدا حضاريا للتاريخ ضمن استطراده لتعريف التاريخ، فيقول:"وقيل: التاريخ تعريف الوقت بإسناده إلى أول حدوث أمر شائع، كظهور ملة، أو وقوع حادثة هائلة، من طوفان أو زلزلة عظيمة" (27) .
وإذا كان في تعريف الكافيجي شيء من البعد الاجتماعي (كظهور ملة) ، فإن في تعريف السخاوي للتاريخ مسحة ثقافية واجتماعية واضحة، فهو يقول:"وفي الاصطلاح التعريف بالوقت الذي تضبط به الأحوال، من مولد الرواة والأئمة ووفاة وصحة، وعقل وبدن، ورحلة وحج، وحفظ وضبط، وتوثيق وتجريح، وما أشبه هذا مما مرجعه الفحص عن أحوالهم في ابتدائهم وحالهم واستقبالهم …) (28) ."
وتتسع هذه المسحة الثقافية والحضارية عند ابن خلدون، عندما يتحول التاريخ إلى الإخبار عن كل ما يتعلق بجيل من الأجيال، فيقول عن التاريخ بأنه: (ذكر الأخبار الخاصة بعصر أو جيل) (29) .
ويبدو أنه كلما تقدمنا باتجاه الحاضر، فإن تعاريف التاريخ تقترب أكثر فأكثر من الجوانب الاجتماعية والحضارية، ففي تعريف حاجي خليفة (30) ، وطاش كبرى زاده (31) ، يكاد التاريخ يتحول إلى ما يمكن نعته (بالتاريخ الحضاري) ، ويتبين هذا من خلال التعريف التالي لكليهما للتاريخ: (هو معرفة أحوال الطوائف وبلدانهم ورسومهم، وعاداتهم وصنائع أشخاصهم، وأنسابهم، ووفياتهم، إلى غير ذلك ..) أفليس تغطية الجوانب المتعلقة بالمجتمعات (الطوائف) ، وبلدانها وعاداتها ورسومها (نظمها) وصنائعها، إلا أبرز الجوانب التي يعكف على دراستها علماء تاريخ الحضارات؟
وفي تحديد موضوع التاريخ، فإن السخاوي يحدد الموضوع الذي يتناوله التاريخ، على أنه الإنسان والزمان (32) ، وبهذه الدقة والشمولية في تحديد موضوع التاريخ كما يراها السخاوي، فإن الحضارة هي الموضوع الرئيس للتاريخ، لأن الإنسان بفطرته التي فطره الله تعالى عليها كائن حضاري، مبدع، صانع، مفكر، متغير ومتحول، وهو بهذا تميز على الحيوان.
ولا يفوتنا الوقوف على تحديد طاش كبرى زاده لموضوع التاريخ، لأن موضوعه، من وجهة نظره، ينطق بالمفردات الحضارية من خلال العينات التي يحددها موضوعا للتاريخ، فيقول:"وموضوعه أحوال الأشخاص الماضية، من الأنبياء والأولياء والعلماء والحكماء والشعراء" (33) .
هو إذن يدرس النبوات والأولياء والعلوم ورجالاتها، والفلاسفة في محاوراتهم ومطارحاتهم، والفنانين وفنونهم، والأدباء والشعراء، ونتاجهم، وليس تاريخ ملوك وساسة وقادة يلهون ويتحاربون، كما يشاع عند بعض الناس.
إن موضوع التاريخ كما نراه عند السخاوي وعند طاش كبرى زاده، هو تاريخ أمة أو مجتمع، بكل ما في الأمة من أفكار وعقائد وعلماء وفلاسفة وشعراء، فهو دراسة للعناصر الحركية في حياة المجتمع: النبي، والحكيم، والعالم، والفيلسوف، والشاعر، والصانع.
الخبر والتاريخ
"الخبر: واحد الأخبار … وخبر الأمر: علمه … والخبر بالضم وهو العلم بالشيء .. والخبير: العالم" (34) .
والخبر كان أحد علوم العرب قبل الإسلام، مثل الفقه، والأيام، والأنساب، والشعر، فكانت للعرب أخبار في مرحلة ما قبل الإسلام (35) .
كان الخبر وسيلة لمعرفة الحدث أو الشيء، ويعد التعبير عن فكرة التاريخ قبل الإسلام، أي أنه كان يعني مضمون التاريخ، لأن العرب لم يتداولوا التاريخ أو يؤلفوا فيه قبل الإسلام، مثلما تداولوه وألفوا فيه في الإسلام (36) .
لذلك فإن الخبر أسبق من التاريخ عند العرب، وعرفوه قبل أن يعرفوا التاريخ بمدلوله الاصطلاحي.
ويتميز الخبر قبل الإسلام بارتباطه بالرواية الشفوية، بمعنى أنه لم يظهر بمظهر كتابي إلا في النقوش، وذلك يعود إلى قلة التدوين وشيوع الأمية في الحياة العربية، واعتماد العرب على الذاكرة في الحفظ، حتى لم تتوفر لأي شعب أو أمة ما كان لهم، وما عرفوا به من قوة الذاكرة (37) .
فلما جاء الإسلام، أصبحت الأخبار ترتبط بالإسلام .. والظاهر أن رسالة الإسلام وخاصة في عصر الرسالة والراشدين، قد شغلت العرب عما كان لهم في جاهليتهم من أخبار، فصارت الأخبار في خدمة الإسلام، وخاصة فيما يتعلق بالحديث النبوي الشريف (38) .
وبسبب قدم الخبر على الإسلام، أي على الحديث النبوي الشريف، فقد ظل للخبر كيان خاص به، حتى في أيام الأمويين والعباسيين، فظل يعرف بعلم الأخبار، وعرف رواة الأخبار ونقلتها بالإخباريين (39) ، حتى إن بعض المصنفات المبكرة في التدوين التاريخي أخذت عناوين ابتدأت بـ (الإخبار) أو (إخبار) مثل: (الأخبار الطوال لأبي حنيفة الدينوري(ت: 282 هـ) ، و (أخبار العلماء بأخبار الحكماء) لابن القفطي.
ظل الخبر في الثقافة العربية الإسلامية، يتمتع بأهمية كبيرة، على الرغم من أن التاريخ -بالمفهوم الذي تعنيه الكلمة الإنكليزية (Historiography) التي يقصد بها كتب التاريخ، أو التدوين التاريخي- قد حجب الخبر وحجمه إلى حد ما (40) .
فها هو التاريخ في تعاريف بعض فحول مؤرخي الإسلام، عبارة عن خبر أو أخبار، رغم التطور الذي شهدته الكتابة التاريخية، فالمسعودي يعرف التاريخ بأنه: (علم من الأخبار) (41) ، وابن خلدون يعرفه بأنه: (ذكر الأخبار الخاصة بعصر أو جيل) (42) ،
ولأحد الباحثين المعاصرين تصور دقيق عن فاعلية الخبر ودوره المتميز في الثقافة العربية الإسلامية، فالتاريخ على حد تعبيره، ليس علما للواقع بل معرفة بخبر عن الواقع، فكتابة التاريخ إخبار وإعلام عن الحادثات الماضية (43) .
ولأن التاريخ خبر، فهو يشابه الفقه والحديث والشعر، لأنها هي الأخرى أخبار، غير أن الفرق بين التاريخ كونه خبرا، وبين الأطر الأخرى في الثقافة العربية الإسلامية باعتبارها أخبارا كالفقه والحديث والخراج، هو في (تعيين الوقت) لحادث من الحوادث .. فالخبر التاريخي يحدد أو يعين زمن وقوع حدث أو شيء بالنسبة لشيء حدث قبله ضمن إطار تقويمي معين (44) .
وانطلاقا من اعتبار الخوارزمي علم الأخبار أحد العلوم العربية الستة وهي: علم الكلام، وأصول الفقه، والنحو، والشعر، والأخبار، والكتابة (45) ، فإن إدماج التاريخ في هذا الإطار الأوسع للخبر (أعني الفقه والحديث .. إلخ) ، يتمخض عنه (إدماج سوسيولوجي"اجتماعي"ثقافي للفاعلية التاريخية في الأطر الأوسع للثقافة العربية الإسلامية) (46) .
وإذا كان التاريخ قد حجب الخبر إلى حد ما، فمن الممكن التمييز بين الاثنين، فالخبر يعد مادة ساذجة، فهو الحدث أو الواقعة، أو العلم المباشر بحدوث شيء، أما التاريخ فهو موضوع يتضمن عدة أخبار، مع ضرورة توفر الإحساس لدى المؤرخ وفهمه لتلك الأخبار، والتعاقب المرتبط بها .. إضافة إلى أن التاريخ عكس الخبر، (فإنه يستحسن ألا يكون التاريخ هو المعرفة المباشرة للنظر فيه) (47) .
ولكن متى حل التاريخ محل الخبر؟