فهرس الكتاب

الصفحة 1825 من 1942

وسوف نعود لأثر القرآن الكريم والسنة في نشأة علم التاريخ الإسلامي عند الحديث عن بدايات التدوين التاريخي، بعد الانتهاء من الوقوف على تعريف التاريخ، لغة، واصطلاحا، وأصالة، وزمن ظهوره في ثقافتنا العربية الإسلامية.

تعريف التاريخ

في البحث عن المعنى لأي مصطلح أو علم، لابد من الرجوع إلى اللغة التي ظهر فيها هذا المصطلح، كجزء من ثقافتها، فما هو تعريف التاريخ في لغتنا؟.

التاريخ لغة: يقول الرازي: ("التاريخ"و"التوريخ"، تعريف الوقت. تقول: أرخ الكتاب بيوم كذا، و"ورخه"بمعنى واحد) (4) .

ولا يعدو هذا الفرق الإملائي بين الكلمتين (تاريخ) و (توريخ) ، أكثر من كونهما نطقا لمعنى واحد للهجتين عربيتين، لهجة بني تميم ولهجة قيس، فبنو تميم يقولون:"ورخت الكتاب توريخا"، وقيس تقول:"أرخته تأريخا" (5) .

ويتفق الكافيجي والسخاوي مع الرازي في هذا التعريف، فالتاريخ عند الكافيجي هو (تعريف الوقت) (6) ، وعند السخاوي هو (الإعلام بالوقت) (7) .. والتاريخ والتوريخ: (تعريف الوقت) ، عند الجوهري، ولكنه يلتمس له اشتقاقا فيقول:"وقيل اشتقاقه من الأرخ يعني بفتح الهمز وكسرها، وهو صغار الأنثى من بقر الوحش، لأنه شيء حدث كما يحدث الولد" (8) .

غير أن هذا التعسف في اشتقاق الكلمة كان مثار اعتراض من قبل بعضهم، لعدم وجود صلة أو علة بين صغار بقر الوحش وبين التاريخ (9) .

وقيل: إن أصل الكلمة (تاريخ) جاء من الكلمة السامية: (أرخو) التي تعني في الأكدية (القمر) ، وفي العبرية (يرح) أو (ياريح) ، التي تعني القمر أيضا (10) .

إلا أن الشك يكتنف هذه الرواية، لعدم قيام أي دليل على استعمالها في اللغة العربية، إضافة إلى ذلك فإن احتمال استعارة اللغة العربية لهذه الكلمة من الأكدية مستبعد، كما أن وجود الحرف (ي) في الصورة العبرية والآرامية لهذه الكلمة، يجعل الافتراض ليس محتملا، باستعارة الكلمة من العبرية أو الآرامية (11) .

وفي بحثه عن أصل كلمة تاريخ في العربية، يستبعد روزنثال أن تكون هذه الكلمة مأخوذة من الإثيوبية، إذ لو كانت كذلك لبقيت الكلمة في اللغة الإثيوبية لحد الآن ..كما أنه يستبعد أن تكون الكلمة قد استعملت أو كانت مستعملة في اللهجات العربية الشمالية قبل الإسلام، لعدم وجود مراكز ثقافية متقدمة في تلك الفترة، مما جعله يخلص إلى تغليب الظن باحتمال أن يكون أصلها من العربية الجنوبية (12) .

ويرجح شاكر مصطفى أن يكون جذر الكلمة (ورخ) جذر سامي، ولكنه مأخوذ من لغة اليمن الجنوبية وليس من كلمة (يرح) أو (ياريح) ، العبرية أو السريانية (13) .

وهناك رأي آخر مفاده بأن الكلمة (التاريخ) ، جاءت عن (ماه روز) الفارسية، والتي تعني حساب الشهور، ثم عربت فقالوا: (مورخ) ، وجعلوا مصدرها (التاريخ) (14) .

غير أن العديد من الباحثين، قد تنبه إلى خطل هذا الرأي كالشرقاوي (15) ، والعروي (16) ، وروزنثال (17) .

يصر العروي على عروبة مصطلح التاريخ، فيقول:"إن تأليف التاريخ الإسلامي من إبداع العرب، لقد فشلت المحاولات للعثور على مؤثرات خارجية، يونانية أو فارسية، على غرار ما كشف عنه المنقبون من مؤثرات أجنبية في الفلسفة وعلم الكلام .. ليس التاريخ الإسلامي نقلا أو اقتباسا أو استعارة من الغير .. إن كلمة (تاريخ) كلمة عربية، والكلمة الأجنبية (اسطوريا) التي كان من الممكن استعارتها، استعملت فعلا، لكن في معنى آخر للتعبير عن القصص الخيالية والميثولوجية التي لا تخضع لقوانين المراقبة والفحص والتدقيق، كحوادث التاريخ القريبة أو البعيدة" (18) .

ويستطرد العروي وبشيء من العاطفة لدعوة العرب في أن يفخروا"إنهم وحدهم شعب تاريخ، والشعوب الأخرى تملك نمطا فقط حكايات، لا يجد اليقين إليها سبيلا .. يحق لنا أن نضع التاريخ في مقام النحو، أي في ميدان أظهر فيه عرب القرون الأولى أصالة وقوة على الخلق والإبداع لا شك فيهما" (19) .

ظهور المصطلح:

أما عن ظهور مصطلح التاريخ في ثقافتنا العربية الإسلامية، فقد نسب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وضع التاريخ، فقد رفع إليه أبو موسى الأشعري:"أنه تأتينا من قبل أمير المؤمنين كتب لا ندري على أيها يعمل، قد قرأنا صكا محله شعبان، فما ندري أي الشعبانين، الماضي أم الآتي …" (20) .

هذا النص يشير إلى أن التاريخ، بمعنى الوقت، كان معروفا ومعمولا به أيام عمر رضي الله عنه، ولكنه يقصر على الشهر دون السنة التي هي المعلم أو البداية في التاريخ، لعدم وجود بداية متفق عليها، فاقتصر التاريخ على الشهر فقط (شعبان) ، كما ورد في رسالة أبي موسى لعمر رضي الله عنهما.

ويذكر السخاوي في موضوع وضع عمر للتاريخ: أن أبا يعلى ابن أمية هو أول من أرخ، وكان عاملا لعمر على اليمن، فكانت كتبه ترد إلى عمر في المدينة، فاستحسن عمر هذا واستشار أصحابه في وضع التاريخ، ولكن ينبغي الاتفاق على اختيار البداية أو المناسبة، فاقترح بعضهم مولد الرسول صلى الله عليه وسلم ، واقترح آخرون سنة وفاته، غير أن الآراء اجتمعت أخيرا على سنة هجرته، لما فتح الله على الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين من خير، فقامت الدولة الإسلامية وأعز الله الإسلام وأهله، ودخلت الجزيرة العربية جميعا في الإسلام .. واستبعدت سنة مولده عليه السلام، لعدم وجود اتفاق على تحدد مولده بدقة، كما استبعدت سنة وفاته، لأنها مناسبة غير سارة في نفوس المسلمين (21) .

من هذا يتبين لنا أن كلمة تاريخ، بدأت حياتها كتعبير فني، بعد ظهور التاريخ الهجري الذي وضعه عمر رضي الله عنه، أما قبل ذلك فاستخدموا العد في معنى التاريخ، فقد روى البخاري في صحيحه قول الصحابي سعد بن سهل في التقويم الهجري:"ما عدوا من بعث النبي ولا من وفاته .. ما عدوا إلا من مقدمه المدينة" (22) .

مرت كلمة التاريخ بتطورات عديدة في ثقافتنا، فقد بدأت بمعنى التقويم والتوقيت في صدر الإسلام، واستعملت فترة بهذا المعنى، ثم صارت بمعنى آخر وهو تسجيل الأحداث على أساس الزمن، وكان الخبر يقوم مقامها في معنى هذه العملية التاريخية، ثم أخذت كلمة التاريخ تحل محل الخبر تدريجيا، وصارت تطلق على عملية التدوين التاريخي، وعلى حفظ الأخبار، بشكل متسلسل، متصل الزمن والموضوع، للدلالة على هذا النوع الجديد من التطور في الخبر والعملية الإخبارية، منذ منتصف القرن الثاني الهجري .. ومنذ ابتداء القرن الثالث الهجري، صارت كلمة التاريخ تطلق على العلم بأحداث التاريخ وأخباره، وأخبار الرجال، والكتب التي تحوي ذلك، وحلت كلمة التاريخ محل كلمة الخبر والأخباري، اللتين انحطت قيمتيهما العلمية قبل أن تختفيا من الاستعمال في القرن الرابع الهجري (23) .

أصبحت كلمة (تاريخ في العربية) ، تحمل خمسة معاني (24) .

* سير الزمن والأحداث، أي التطور التاريخي، كالتاريخ الإسلامي، وتاريخ اليونان .. إلخ .. The History of .

* تاريخ الرجال ..The Biography.

* عملية التدوين التاريخي، أو التاريخ، مع وصف لعملية التطور وتحليله وتقابل: istoriography.

* علم التاريخ والمعرفة به، وكتب التاريخ، ويقابل:History.

* تحديد زمن الواقعة أو الحادثة، باليوم والشهر والسنة:Date.

والخلاصة، فإننا نتفق مع القائلين بأن كلمة تاريخ كلمة عربية، دخلت الثقافة الإسلامية من اليمن، للصلات الثقافية والحضارية والتاريخية بين اليمن والحجاز، ونستبعد صحة تلك الروايات التي ترجعها إلى أصول غير عربية، بحيث يبدو التعسف واضحا للعيان في محاولة اشتقاقها ثم في تعريبها بعد ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت