فهرس الكتاب

الصفحة 305 من 1942

"يروى أنه كان عند يونس بن عبيد حلل مختلفة الأثمان ضرب قيمة كل حلة منه أربعمائة ، وضرب كل حلة قيمتها مئتان . فمر إلى الصلاة وخلف ابن أخيه في الدكان ، فجاء أعرابي وطلب حلة بأربعمائة ، فعرض عليه من حلل المئتين ، فاستحسنها ورضيها واشتراها ، فمضى بها ، وهي على يديه ، فاستقبله يونس ، فعرف حلته ، فقال للأعرابي: بكم اشتريت ؟ فقال: بأربعمائة . فقال: لا تساوي أكثر من مائتين ، فارجع حتى تردها ! فقال: هذه تساوي في بلدنا خمسمائة وأنا ارتضيتها . فقال يونس: انصرف ، فإن النصح في الدين خير من الدنيا بما فيها . ثم رده إلى الدكان ، ورد عليه مائتي درهم وخاصم ابن أخيه في ذلك ، وقال له أما استحييت ! أما اتقيت الله ! تربح مثل الثمن وتترك النصح للمسلمين ! فقال: والله ما أخذها إلا وهو راض بها . قال: فهلا رضيت له بما ترضاه لنفسك ؟" (56) .

( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ) .

"لقد اختار النبي صلى الله عليه وسلمل لنفسه ولأهل بيته معيشة الكفاف ، لا عجزًا عن حياة المتاع ، فقد عاش حتى فتحت له الأرض ، وكثرت غنائمها ، وعم فيؤها ، واغتنى من لم يكن له من قبل مال ولا زاد ! ومع هذا فقد كان الشهر يمضي ولا توقد في بيوته نار . مع جوده بالصدقات الهبات والهدايا . ولكن ذلك كان اختيارًا للاستعلاء على متاع الحياة الدنيا ورغبة خالصة فيما عند الله . رغبة الذي يملك ولكنه يعف و يستعلي ويختار .. ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكلفا من عقيدته ولا من شريعته أن يعيش مثل هذه المعيشة التي أخذ بها نفسه وأهل بيته ، فلم تكن الطيبات محرمة في عقيدته وشريعته ؛ ولم يحرمها على نفسه حين كانت تقدم إليه عفوا بلا تكلف ، وتحصل بين يديه مصادفة واتفاقا ، لا جريا وراءها ولا تشهيا لها ، ولا انغماسًا فيها ، ولا انشغالا بها .. ولم يكلف أمته كذلك أن تعيش معيشته التي اختارها لنفسه ، إلا أن يختارها من يريد ، استعلاء على اللذائذ والمتاع ، وانطلاقًا من ثقلتها إلى حيث الحرية التامة من رغبات النفس وميولها ."

"ولكن نساء النبي صلى الله عليه وسلم كن نساء ، من البشر ، لهن مشاعر البشر . وعلى فضلهن وكرامتهن وقربهن من ينابيع النبوة الكريمة ، فإن الرغبة الطبيعية في متاع الحياة ظلت حية في نفوسهن . فلما أن رأين السعة والرخاء بعدما أفاض الله على رسوله وعلى المؤمنين راجعن النبي صلى الله عليه وسلم في أمر النفقة . فلم يستقبل هذه المراجعة بالترحيب ، إنما استقبلها بالأسى وعدم الرضا ، إذ كانت نفسه صلى الله عليه وسلم ترغب في أن تعيش فيما اختاره لها من طلاقة وارتفاع ورضى ، متجردة من الانشغال بمثل ذلك الأمر والاحتفال به أدنى احتفال ، وأن تظل حياته وحياة من يلوذون به على ذلك الأفق السامي الوضيء المبرأ من كل ظل لهذه الدنيا وأوشابها . لا بوصفه حلالا وحراما - فقد تبين الحلال والحرام - ولكن من ناحية التحرر والانطلاق والفكاك من هواتف هذه الأرض الرخيصة ."

"ولقد بلغ الأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم من مطالبة نسائه له بالنفقة أن احتجب عن أصحابه . وكان احتجابه عنهم أمرًا صعبًا عليهم يهون كل شيء دونه . وجاءوا فلم يؤذن لهم . روى الإِمام أحمد - بإسناده - عن جابر رضي الله عنه قال: أقبل أبو بكر رضي الله عنه يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس ببابه جلوس ، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس فلم يؤذن له . ثم أقبل عمر رضي الله عنه فاستأذن فلم يؤذن له . ثم أذن لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فدخلا والنبي صلى الله عليه وسلم جالس وحوله نساؤه وهو صلى الله عليه وسلم ساكت . فقال عمر رضي الله عنه لأكلمن النبي صلى الله عليه وسلم لعله يضحك . فقال عمر رضي الله عنه يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد - امرأة عمر - سألتني النفقة آنفًا فوجأت عنقها ! فضحك النبي صلى الله عليه والسلام حتى بدت نواجذه ، وقال:"هن حولي يسألنني النفقة"! فقام أبو بكر رضي الله عنه إلى عائشة ليضربها وقام عمر رضي الله عنه إلى حفصة كلاهما يقولان: تسألان النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده ؟! فنهاهما الرسول صلى الله عليه وسلم فقلن: والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا المجلس ما ليس عنده .. قال: فأنزل الله عز وجل الخيار ، فبدأ بعائشة رضي الله عنها فقال:"إني أذكر لك أمرًا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك"قالت: ما هو ؟ قال فتلا عليها ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ .. الآية ) قالت عائشة رضي الله عنها: أفيك أستأمر أبويّ ؟ بل أختار الله تعالى ورسوله . وأسألك ألا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت ! فقال صلى الله عليه وسلم:"إن الله تعالى لم يبعثني معنفًا ، ولكن بعثني معلما ميسرًا . لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتها""

"ونحب أن نقف لحظات أمام هذا الحادث نتدبره من بعض زواياه ."

"إنه يحدد التصور الإِسلامي الواضح للقيم ، ويرسم الطريق الشعوري للإِحساس بالدنيا والآخرة ، ويحسم في القلب المسلم كل أرجحة وكل لجلجة بين قيم الدنيا وقيم الآخرة ؛ بين الاتجاه إلى الأرض والاتجاه إلى السماء . ويخلص هذا القلب من كل وشيجة غريبة تحول بينه وبين التجرد لله والخلوص له وحده دون سواه ."

"هذا من جانب . ومن الجانب الآخر يصور لنا الحادث حقيقة حياة الرسول صلى الله عليه وسلم والذين عاشوا معه واتصلوا به . وأجمل ما في هذه الحقيقة أن تلك الحياة كانت حياة إنسان وحياة ناس من البشر ، لم يتجردوا من بشريتهم ومشاعرهم وسماتهم الإِنسانية . مع كل تلك العظمة الفريدة البالغة التي ارتفعوا إليها ، ومع كل هذا الخلوص لله والتجرد مما عداه . فالمشاعر الإنسانية والعواطف البشرية لم تمت في تلك النفوس ولكنها ارتفعت ، وصفت من الأوشاب . ثم بقيت لها طبيعتها البشرية الحلوة ، ولم تعوق هذه النفوس عن الارتفاع إلى أقصى درجات الكمال المقدر للإِنسان" (57) .

من هذه النماذج المتفرقة التي تجمع بين البطولات النادرة ولحظات الضعف العارض .. تتبين لنا صورة من المجتمع المسلم الذي عاش فيه المسلمون الأوائل ، في ظل إدراكهم الصحيح لمفهوم الإسلام ، وأخذهم الأمور أخذًا جادًا كما ينبغي للمؤمنين بهذا الدين ، الذين يقدرون معنى الإِيمان ، ويقدرون التبعات التي يلقيها على عاتقهم وجودهم الإِنساني الصحيح .

نعم .. ليست المسألة فرائض يفرضها هذا الدين على الناس بلا موجب . إلا رغبة التحكم في العباد !

إنما هو الوجود الإنساني الصحيح .. إذا رغب الإِنسان أن يكون إنسانا حقًا .. لا مجرد كائن يأكل ويشرب ، ويقضي أيامه على هذه الأرض كيفما اتفق ، وكيفما شاءت له نزوة اللحظة التي يعيش فيها .. بلا تقدير لنواميس الكون ، ولا لموضع الإِنسان المتميز في هذا الكون كله .. بوصفه خليفة الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت