فهرس الكتاب

الصفحة 1525 من 1942

إذًا هذا المسار من شأنه تحديد المنعطفات التي تنساب حركة الأمة عبرها بَدْءًا من القاع أو"اللا حضارة"إلى تلك القمة . إن هذا المسار يكشف للحركات الإصلاحية ومن ثَّم للأمة أيَّ فضاء من أرض الحضارة تقف عليه ، ليكون ذلك الكشف منطلقًا ضروريًا - منطقًا وواقعًا - لاستئناف السير أو مواصلته في ذلك المسار بالاستعانة بالبوصلة الحضارية ولكن أيُّ شيء تُغنيه تلك البوصلة إن كانت الأمة تائهةً في درب بل دروب الحضارة ؟!

ولقد خلصْتُ إلى نمْذَجة ذلك المسار فلسفيًا في إطار ما أفهم أنه يشّكل مركّبنا الحضاري ،وذلك بعرضه عبْر نموذج يَجهد لأن يكون ذا صبغةٍ تفسيرية تنبُّئِية ، يفسر الحدث الحضاري الماضي ويتنبًّأ بالآخر المستقَْبَلِيّ .

فِقْهُ الإقلاعِ الحضارِيّ:

* تنقدح شرارة الإقلاع الحضاري للأمة من جراء عامليْن اثنيْن يسبق أولهما ثانيهما في الأغلب:

إشراقُ فكرةٍ مُبْهِرَةٍ ذاتِ صبغة دينية عبر مصلح ديني ، في مُناخ ثقافي مناهض للفكرة ، مما يعيّش ذلك المصلح وأتباعه واقعًا مُعْضِلًا ، ويولّد شعورًا عميقًا لديهم بالتحدي . وهذه الإشراقة تُحدث انقلابًا داخليًا في النفوس يفي بشروط ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) .

تتمحور الجهود الإصلاحية العملية في تلك المرحلة حول الجانب الروحي - العقدي .

ويترتب على نبوغ الفكرة المبهِرة مقاومةُ الحضاراتِ الأُخرى والقوى المناهضة لسبب أو لآخر لهذه الفكرة؛ فتشتعل روحُ العداوةِ والبغضاء فيما بين الأمة الآخذة بالتقدم الحضاري وفرقائها ، فيتمخّض عن ذلك تحدٍ يسفر عن مدافعة الأمة لفرقائها، أو ما يمكن تسميته بـ ( روح الجماعة ) ( النموذج جرى على الأغلب ولذا فقد رتّب كلًا من الاستعداء والواقع المعضل على الفكرة المبهرة فليُتَفَطَّنْ لذلك ) .

لدينا الآن تحديان: الواقع المعضل والاستعداء يقودان - بجانب ما تفرزه الشرارة من شعور - إلى استجابة ( وَفْقًا لنظرية التحدي والاستجابةلِ"توينبي") تتمثل بما أسميه بـ ( اهتزاز الكيْنونة الحضارية ) .

ولنا هنا أن نتساءل عن سر هذه الكيْنونة وعن اهتزازها ، هل هي اهتزازة فرديّة أم جمْعية وما تخلّفه من آثار ؟

الكيْنونة الحضارية في رأيي: هي الوعاء الذي يختزن ذلك المركب الحضاري المعقد الذي ينتظم المفردات العقدية والقيمية والأخلاقية والفكرية والتاريخية مع خليط ناضج من الأفكار والفلسفات المستقاة من مُرَكب الحضارات الأخرى . إنه -بعبارة أخرى- ( اللاشعور الحضاري ) .

وهذه الاهتزازة تحدث من جراء ما يفرزه هذان التحدِّيان وما تُشِعُّه تلك الشرارة مما يمكننا تشبيهه بالتموجات التي تحرك البندول ... إذًا تموجات حضارية تهز الكينونة الحضارية، لا لآحاد الناس وإنما للنُّخبة الناضجة المؤثرة ، لينتقل ذلك المركب بتلك الاهتزازة من حيِّز اللاشعور إلى الشعور الحضاري في لحظة زمنية تُؤْذِنُ بحدوث اليقظة وتتسع دائرة اهتزاز الكينونة- بمرور الوقت- لتشمل أفواجًا من الناس بحسب درجة نُضْجهم وعمقهم من جهة ، ودرجة حماس وفاعلية النُّخبة في هز كينونات الجماهير عبر طرح ناضج ملائم من جهة أخرى .

* تأخذ يقظة حضارية بالتشكُّل بفعل تلك الاهتزازات العجيبة ، وتعد المراحل السابقة إرهاصًا لظهور:

-قادة إصلاحيين ينشَطون للعمل في ضوء مركبهم الحضاري القابع في شعورهم ( وليس في لا شعورهم ) . ويغلب على هؤلاء النهج الإصلاحي مع قدرة فائقة على القيادة الفكرية ، وبذلك ينتزعون اعترافًا واسعًا من قبل الجماهير بريادتهم الفكرية وقدراتهم القياديَّة .

-إرادة نافذة وهمة عالية مخلصة من أجل إحداث التغيير المنشود بعد التعرف على مواطن الداء ومكامن الوَهَن ، فيشرع أولئك القادة في محاولاتهم الإصلاحية التي تتعدى الجانب الروحي - العَقَدِيّ عَبْر قوالبَ متعددةٍ ، إلا أن أولئك القادة مع ذلك يفتقدون في بكور اليقظة إلى الشموليّة - تنظيرًا أو تطبيقًا - ، وبذلك نراهم يركزون جهودهم على بعض الجوانب الحضارية دون غيرها . تستمر هذه الإصلاحات فترة من الزمن وتتكامل وتنضَج فكريًا بمرور الوقت ، كما يتبلور في هذه المرحلة طريقة تتسم بقَدْر كبير من النُّضج للتعامل مع الحضارات القائمة والإفادة منها من خلال آليات متنوعة ، فتتضح معالم الشخصية الحضارية للأمة ويتعاظم الالتزام بها ...

* وفي هذه المرحلة تتراكم أكداس من الأفكار، غير أنها لا تُسْتثمر بصورة كبيرة ، لأن هذه المرحلة من طبيعتها أنها تختزن ( طاقة وَضْع ) تتشكّل بعد فترة ( كطاقة حركة ) "5... وهذه المحصلة أو النتيجة تُدرَكُ بداهةً ... كطفل يلتهم سَمَاعًا بأذنه كلماتٍ لاتعدو أن تكون رموزًا وإشاراتٍ مُبهمَةً ، لتتحدَّر إلى عقله فيهضمها بعد أن تغمرها الخبرة المتراكمة بأنزيماتها ، لتستحيل بعدُ إلى كلمات ومصطلحات ذات مغزى تبعث عقله على تفكير منتج يثمر سلوكًا محددًا ... ومن رامَ وصولَ الأمةِ إلى طاقة الحركة دون المرور بطاقة الوضع فهو كَمَنْ رامَ طفلًا رضيعًا مُكَلِّمًا للناس في مهده !!"

* تتخمر تلك المحاولات الإصلاحية لتثمر عن تولُّد قناعة ببلورة مشروع حضاري متكامل ويكون مصحوبًا ببروز نوع من الإصلاحيين يمتازون بالنَّْزعة الإبداعية أكثرَ من النزعة القيادية الفكرية ، وهم -غالبًا- أكثر عددًا من سابقيهم ( القادة الإصلاحيين ) وأقلُّ منهم ظَفَرًا باعتراف الجماهير بقيادتهم الفكرية . ويأخذ الإصلاحيون المبدعون على عاتقهم إكمال المسيرة الإصلاحية ولكنهم في هذه المرحلة يتبَنَّوْن بلورة مشروع حضاري في إطارهم الثقافي ، ليكون بمثابة الخُطَّة الحضارية الاستراتيجية التي يؤمنون بأنها سبيلهم القاصد صوْب إقامة صرحهم الحضاريّ المنشود .

* يتمكن الإصلاحيون المبدعون من إنضاج مشروعهم الحضاري ، ويشرعون بخُطُوات تطبيقية تزداد مع الوقت كمًّا وتنضَج كيْفًا ، مع استغراقه وقتًا طويلا ً بلورةً وتنفيذًا .

وإِبَّان مرحلَتَيْ اليقظة والمشروع ، وخصوصًا المشروع ، تزداد جذوة الصراع بين الأمة وفرقائها ، ليصل لهيبها إلى كافة الميادين ، بسبب تنامي شعور الآخر بأنّ ثَمَّةَ مَنْ جعل يتطلع إلى نهوضٍ وتمدُّدٍ على بساطة ، لتتحقق بذلك جزمًا نبوءة السُّنة الإلهية في ( التدافع والتداول الحضاريِّيْن ) التي تفضح كذِبَ نبوءة ( نهاية التاريخ ) لِ"فوكوياما"وتبين تفاهتَها ، قال الله تعالى:"قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيُروا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ( 137 ) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلِْمُتَّقِينَ ( 138 ) ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إنْ كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ( 139 ) إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْك الأَيَّامُ نُداَوِلهُا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ والله لا يُحبُّ الظَّالِمينَ ) . [آل عمران ] ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت