* لتصل الأمة- بعد ذلك المشوار المضني- إلى نهاية المسار الحضاري الذي تقيم على ضفافه صرحها الحضاري لتؤسس بذلك مجتمعًا إنسانيًا مدنيًا متماسكًا سعيدًا منتجًا في إطار مِنْ عقيدتها وقيمها وأخلاقها ، ولتنعم البشرية كافةً بذلك .وهنا لا بدَّ من الإشارة إلى أن الأمة قد تتعثر في مسارها في مرحلتي اليقظة والمشروع بشكل يُعجِزُها عن المواصلة ، فتحدث انتكاسة حضارية تعيدها إلى الوراء لتُصابَ بعدُ بوَهَنٍ تختلف حِدته بحسب قوة الفيروسات الحضارية، وسرعةُ نفاذها وتغلغلها في جسدها ، وهذا يؤكد على الدور الخطير الذي يلعبه قادة العلم والفكر في تطبيب الأمة حضاريًا بالوقاية تارة وبالعلاج تارة أخرى والذي يتطلب- جزما-ً إنزالَ مِبْضَعِ الِجراحة على الأورام الحضارية في عمليات جريئة قد تكلف الطبيب كثيرًا كثيرًا ... لتعاود الأمة سيرها بعد أن تلتقط أنفاسها وتتعافى من وَعْكتها ...
وما دام الحدَثُ ظل شادًا لأنظارنا صوْبَ سيْرورة الأمة من القاع إلى القمة في ثنايا المسار الحضاري ، فلا بأس- حينئذ- بالتفاتةٍ عَجْلى نلقي من خلالها شيئًا من الضَّوْء على السيرورة المعاكسة ، سيرورة الأمة صوب القاع بعد أن تبلغ القمة ... بإيماءة خاطفة. أقول:إن المشروع الحضاري يجسّد في حقيقته الماء والسَّماد والهواء التي تتضافر لإنبات بذرة الحضارة فتأخذ بالنمو إيراقًا وإظلالًا وإثمارًا... وتبقي الشجرة طيبةً مثمرة ما بقيت عوامل نموها ، ولعلي هنا أُلَمِّح إلى أنَّ مادة لحائها هو أول ما تفقده هذه الشجرة ،والمتمثل بالبعد العَقَدِيّ والأخلاقي ، لتتيبّسَ شجرةُ الحضارة وتتخشّب من ثم - كما يقول"شبنجلر"في تعبير رائع -عن المدنية ..."تتحول فيها الأمة إلى عمال في مصنع كبير .. يُهَرْوِلون ، يلهثون ، يأكلون في جو مُفْعَم باللهو والشَّهَوات والبؤس والشقاء ثم ما تلبث أن تهوي حطامًا تذروه رياح التغيير وتختزنه - وربما- تبتلعه ذاكرة التاريخ !"
* وحيث إن الأمة -في نظري- قد حطت رحالها منذ فترة في رحاب اليقظة الحضارية وما تزال تمد رُواقها في تلك الرِّحاب ، فإننا ننتظر أن تلملم نفسها وتجمع متاعها عبر عملية شاقة طويلة لِتَغُذَّ السير صوب بَلْورة مشروعها الحضاري ... تلك المرحلة المضنية التي تستغرق وقتًا طويلًا وتستلزم جهدًا مخلصًا متواصلًا وإبداعًا خلّاقًا ...
المشروع الحضاري: خُطَّةٌ لأُمّةٍ آخذةٍ بالتَّحَضُّر عقب استيعابنا الناضج لموقع الأمة الإسلامية الراهن في المسار الحضاريّ بمتغيراته الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، يمكننا الولوجُ في مناقشة أَقْصَدِ السبل لبلورة مفردات مشروعنا الحضاري ومن ثم تنفيذه . أجزم أننا لا نطيق إلى ذلك سبيلًا إلا بعد أن نسعى عبر تفاعلاتنا البحثية الصادقة وتأملاتنا الفلسفية الناضجة لإحداث حفْرياتٍ فلسفية متعمقة في بنية المسألة الحضارية ، مستكشفين ماهيّة الحضارة ومكوناتها ،متلمسين سنن التغيير الحضاري وشروطه ومعوقاته ، على أن تتم هذه الحفريات بمعاولنا نحن لا بمعاول غيرنا وفي محيط فكرنا الإسلامي الرحيب ، لنكون قادرين حينذاك على جلب لَبِناتٍ صالحة وكافية لتشييد صرحنا الحضاري الراشد .
والمشروع الحضاري ببساطة ووضوح يجسد خطة حضارية واقعية - في سياق المسار الحضاري - تنتظم أهدافًا محددة مربوطة بوسائل تحقيقها في ضوء معطيات الواقع ومؤشرات المستقبل تمهيدًا لاستغلال الطاقات المتاحة وتجاوز المعوقات الحضارية . ومثل هذا المشروع الضخم لا يمكن أن تنهَض به اجتهاداتٌ فرديةٌ بل لا بد من جُهْد جماعي تكاملي ناضج ليتشكل لَبِنَةً لَبِنَةً ليشمَخَ البناء وتطيبَ الثمرةُ .
وبات جليًا- مما سبق- أنه يتعين انبثاق ذلك المشروع من مركّبنا الحضاري ، مع تفعيل الأدوات العصرية واستيعاب كافة المتغيرات . وهي مسألة يكاد يُجْمَع عليها ، غير أن مسألة أخرى متعلقة بذلك المشروع هي أخطر من سابقتها وأكثر إلحاحًا في المرحلة الحضارية الحرجة التي تمر عبرها أمتنا ، وهذه المسألة يتعذر الزعم بانعقاد الإجماع عليها في الحاضر ، بل قد يصعب نيْله في المستقبل القريب ، وهي مسألة كيفية مناقشة وإنضاج المشروع بأدوات منهجية تحليلية نقدية ؛ بحيث تتمخض عن بلورةٍ ناضجة لمفردات ذلك المشروع ، بلورةٍ تأخذ طريقها نحو التنفيذ والتحقق وجني الثمار .
ولهذا فقد آن لنا مجافاةُ الخطابية العاطفية والإنشائية الفارغة في تناولنا لمشروعنا الحضاري، لنصل إلى تبني آلية تتسم بقدْرٍ كبير من العمق والنُّضْج مع تلبُّسها بمضمون واقعي وتدثرها بديباجة يمكن ترجمتها إلى لغة نخبوية وأخرى جماهيرية وإثر سلسلة من التأمل الطويل لهذه المسألة وبعد مدارسة الإسهامات المتنوعة خلصْتُ إلى أنَّ من أفضل السُّبل لبلورة ذلك المشروع تبني ما يسميه البعض بـ ( الأفكار المحورية ) التي تنتظم مجموعة كبيرة من الأفكار الجزئية (6) ، ليصبح الإيمان بالفكرة المحورية سبيلًا إلى الإيمان بتلك المجموعة ، وهذه الأفكار المحورية يجب أن تتصف بالشمول والتكامل كيما تكون صالحة بمجموعها لتمثيل المشروع الحضاري الذي يمثل بدوره الإسلام عقيدة وشريعة وفلسفة إزاء الكون والحياة والإنسان ... ولذا فمثل هذه البلورة مهمة شاقة عسيرة ، غير أنني في هذا البحث المتواضع أزمعت المضيَّ قُدُمًا بُغيةَ الإسهام في اقتحام هذا السبيل المحفوف بالصعوبة والغموض ...
وقُبَيْل الشروع في تناول الأفكار المحورية التي أعتقد أنها تفي بمتطلبات بلورة المشروع الحضاري ، أُلمح- في عُجالة- إلى أنه لا يكفي بلورة الأفكار المحورية نظريًا ، بل يتوجب إذابتُها لا في بوتقة العمل الإصلاحي الحضاري فحسب ، بل يتعين انسيابها من الإصلاحيين أنفسهم ؛ من حركاتهم وسَكَنَاتهم ، في رخائهم وشدتهم ، وأن تُترجم في أهدافهم وبرامجهم ، بيوتهم وأعمالهم ، وفي أفعالهم قبل أقوالهم ، لتستحيل تلك القضايا والأفكارُ إلى أكسجين منبعثٍ في فضاء الإصلاح يتنفسه كل أحد ... يتنفسه الرائح والغادي .. القريب والبعيد .. الصديق والمعادي ... أي أننا نطالب بأن يكون المشروع الحضاريُّ روحًا ينفخ الإصلاحيون فيه الحياةَ بتمثلهم مفرداتِهِ ، وسعْيهم من أجل نشره وتنفيذه بكل إخلاص وإبداع وإتقان ...
ومن أهم الأفكار المحورية التي تسهم في بلورة ذلك المشروع ما يلي:
1-التوحيدُ الخالصُ العمليّ: أساسُ الحضارة .
2-الإسلامُ: دينٌ وتشريعٌ وحياةٌ .
3-لِيَكُنِ القرآنُ هاديًا: فهمًا ومعايشةً وتطبيقًا .
4-انبثاقٌ من الكتاب والسنة: توحُّدٌ في المنطلقات .
5-فعاليتُنا الروحيةُ: وَقُودُنا للتغيير .
6-تحسينُ طرائق التفكير: مفتاحُ التغيير الحضاريّ الفكريّ .
7-"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم": مفتاحُ التغيير الحضاريّ العملي .
8-إرادة التغيير ( إنّ إبراهيمَ كان أمةً ) : رجل بأمة .
9-العلم: بمجالاته وتراكميّته وترابطه .
10-تكريمُ الإنسان: معيارُ تفوقِ الحضارة .
11-تنميةُ الإنسانِ أولًا: مؤشرٌ لفقهِ الأولويّات الحضارية .
12-العدالةُ: ركيزةُ البناءِ الحضاريّ .
13-الموضوعيّةُ: البحثُ عن الحقيقة .
14-الحريّة: في إطار مُنْضَبِط .
15-النقدُ: عمليةٌ بنائِيّةٌ .
16-الإبداعُ: مقوماتٌ وبيئةٌ .
17-نهجٌ إداريٌ فاعلٌ: إنجازُ التَّميُّز وتميُّزُ الإنجاز .
18-الوقتُ: فضاءُ الإنجاز والعطاء .
19-الفاعليةُ والإتقانُ: قيمُ العملِ المنتجِ .