كما أنّ رشيد رضا صاحب"مجلّة المنار"التي استمّرت في الصدور بين عامي 1899-1935، وقد صدر منها خمسة وثلاثون مجلّدا ضخما ، وهو شريك الشيخ محمّد عبده في تفسير المنار والذي صدر منه اثنا عشر مجلّدا ، وله العديد من المؤلفات المختلفة الأخرى: وأهمها في مجال السلطة السياسية كتابه المشهور"الخلافة"- والذي نسجه على منوال كتب الكلام والأحكام السلطانية التراثيّة - وهذا بدوره يحمل تحديّا آخر للباحث: وهو استقصاء أراء وأفكار رشيد رضا في المراجع السابقة كلها ، وتحليلها ، وتجميعها ، وإعادة ترتيبها وبنائها لاستخلاص رؤية رشيد رضا المتكاملة والمترابطة لمفهوم السلطة .
من أجل ذلك كان لابد من حسن اختيار المنهج الذي يتناسب مع طبيعة كل مرجع من المراجع السابقة ، حيث تعتمد الدراسة على منهج تحليل النصوص - خاصّة نصوص رشيد رضا - ودراستها دراسة متأنيّة وفاحصة ، وقراءتها عدة قراءات ، تستنطق كل ما تستطيعه من النص ، لكن مع منهاجين ضابطين ومكملين لهذا المنهج وهما: المنهج التاريخي ؛ والذي يضع نصوص رشيد رضا كلّ في سياقه التاريخي ، وإكراهاته الواقعية ، وبالتالي يمكن التمييز بين ما هو رؤية ثابتة مستقرة وبين ما هو رؤية متغيرة مرتبطة بالأحداث في أفكاره ، ويتطلّب هذا الأمر دراسة عميقة متأنية ، واستحضار الظروف التاريخية والسيرة الذاتية له في كافة فترات الدراسة .
أمّا المنهج الآخر الضابط فهو المقارن؛ والذي يبيّن أوجه التوافق والاختلاف بين رشيد رضا وبين غيره من المفكرين سواء على مستوى الفكر الإسلامي أم الفكر الغربي ، ويستطيع القارئ بذلك معرفة أين يقع رشيد رضا في أرائه في موضوع السلطة من غيره من المفكّرين ؟ ، وما هي أوجه الإيناع في فكره السياسي؟ .
وبناء على هذه الاحتياطات المنهجيّة ، والمدخلات النظرية تسير الدراسة في تتبع مفهوم السلطة في فكر رشيد رضا ، ويمكن القول: إنّ أهم القضايا والخلاصات التي تحتويها الدراسة ما يلي:
1.إنّ السلطة السياسية في الإسلام هي سلطة مؤسسية وليست شخصيّة ، تتأسس على مبدأ سلطة الأمة في ظل الشريعة الإسلامية ، وبالتالي فالسلطة عنده تستمد شرعيتها من الأمة ومن إرادتها ، وليست سلطة ثيوقراطية (دينية) كالتي سادت في أوروبا في القرون الوسطى.
وأهم مؤسسات السلطة مؤسستان رئيستان هما: أهل الحل والعقد ، والإمامة .. وهنا يبدو تأثر رشيد رضا في الفكر السياسي الغربي الحديث ؛ حيث يعتبر أهل الحل والعقد بمثابة السلطة التشريعية ( لكن في ظل الشريعة الإسلامية) والإمام بمثابة رئيس السلطة التنفيذية ، ويحاول رشيد رضا في هذا السياق"تطعيم"المفاهيم الإسلاميّة بمضامين معاصرة تكسبها تطبيقا حيويا في النسق الحضاري الإسلامي .
2.إنّ إقامة السلطة واجبة شرعا وعقلا على الأمة ، وليست واجبة على الله (كما ذهب إلى ذلك الفقه السياسي الشيعي) .
3.إنّ من أبرز خصائص السلطة السياسية في الإسلام:
أ- أنها وسطيّة تجمع بين مصالح الناس في الدنيا والآخرة، و توازن في ممارستها بين احتياجات الإنسان الروحية والمادية ، وأنّ فلسفتها و المبادئ التي تتأسس عليها تأتي لتتماشى مع هذه الحقيقة.
ب- أنّها مدنية من حيث: سيادة الشرع (القانون) ، ليست ثيوقراطية -بالمعنى الكنسي-، مؤسسية ، قائمة على الانتخاب والاختيار .
ج- أنها شورية وليست استبدادية ، ويرى رشيد رضا في هذا السياق أنّ الشورى من أسس الحكم الإسلامي ومرتكزاته، وليست أمرا مندوبا بل هي واجبة على الأمة والحاكم في الممارسة السياسية الإسلاميّة .
د - أنّها سلطة المستبد العادل في ظروف حضارية معينة ، وفي هذا السياق يتناول الباحث مفهوم المستبد العادل عند رشيد رضا مقارنة بأستاذيه ( الأفغاني ، وعبده ) وأبعاده الوظيفيّة.
4.إنّ شرعية السلطة السياسية عند رشيد رضا تنطلق من مبدأ الاختيار: فأهل الحل والعقد تختارهم الأمة ، وهم بدورهم يرشحون الحاكم الذي تقوم الأمة برفضه أو قبوله ، من خلال فكرة البيعة في النظام السياسي الإسلامي.
من هنا يرفض رشيد رضا سلطة التغلب التي يأتي فيها الحاكم إلى الحكم من خلال القوة ، ويطالب الأمة وعلى رأسهم أهل الحل والعقد بالثورة عليه وعدم القبول بسلطته .
كما يشترط موافقة الأمّة على عهد الإمام لمن خلفه في حالة ولاية العهد ، ويقر رشيد رضا العديد من الشروط - أسوة بعلماء السنة - لمن أراد الوصول إلى سلطة الحل والعقد أو الإمامة .
5.ويستنتج الباحث من خلال نصوص رشيد رضا عدة ضوابط رئيسة في ممارسة السلطة أهمها:
* المقاصد العامة للشريعة الإسلامية: ويتناول الباحث في هذا السياق موضوع المصالح الشرعية التي تقوم عليها السياسة الإسلامية ، وخصائصها ، ويتطرّق إلى إشكالية النص والعقل في العملية التشريعية ، والممارسة العامة ، وإلى مفهوم المصلحة المرسلة وتحديد رشيد رضا له .
* القيم السياسية الإسلامية: إذ يبيّن الباحث أنّ القيمة الجماعية العليا عند رشيد رضا وغيره من المفكرين الإسلاميين ، والتي تظلل باقي القيم السياسية الأخرى وتضبطها هي قيمة التوحيد ، ويستعرض الباحث أهم أبعاد هذه القيمة في فكر رضا على المستوى السياسي ، وغيرها من القيم الإسلامية ، مقدّما خصائص القيم الإسلامية في فكر رشيد رضا ، مقارنة في الفكر الغربي ، ويقارن الباحث بين القيم السياسية الرئيسة الثلاث في فكره: العدالة، الحرّية ، المساواة . مقارنة بالليبرالية والماركسية .
* السنن الكونية: ويتعرّض الباحث في هذا السياق إلى أكثر الموضوعات التي أولاها رشيد رضا اهتمامًا ، وأعطاها دورًا كبيرًا في الموضوع الذي استحوذ على كتاباته ، بل وتفكيره وهو: نهضة الأمة وتقدّمها ، إذ كان وما يزال السؤال الذي يؤرق المفكر المسلم"لماذا تأخر المسلمون وتقدّم غيرهم ؟والسنن الكونية هي القوانين الاجتماعية التي تفسّر أسباب التقدم والتأخر ، وهي التي لابد للسلطة السياسية أن تفهمها و تراعيها في ممارستها العامّة ."
6.تقوم السلطة السياسية عند رشيد رضا - كما يتتبّع الباحث - على ثلاث وظائف أساسية هي:
* العقدية ( التي تتناول المهمات الدينية للسلطة السياسية ) وفي هذا السياق يبرز تمايز الفكر الإسلامي عن غيره من الأفكار وفقًا لعبارة محمّد عبده الشهيرة"السلطة الإسلاميّة سلطة مدنيّة بوظائف دينيّة ."
* الاستخلافيّة والتي تنطلق من وظائف السلطة في إعمار الأرض ، وبناء الحضارة الإسلامية ، ويبين الباحث - هنا - أركان مفهوم الاستخلاف في فكر رشيد رضا ومرتكزاته .
* الاتصالية والتي تتعلق بنشر الدعوة والتربية والتعليم والإعلام ، والمحافظة على المثالية السياسية الإسلامية في المجتمع والدولة ، ودور عناصر الرابطة السياسية في ذلك ( الأمة ، أهل الحل والعقد ، الإمام ) ، وعواقب الخروج على الشريعة على المستوى السياسي والاجتماعي . الوظيفة الجزائية ( بما تشتمل عليه من أراء رشيد رضا في قضايا العقوبات والحدود .. ) .
7.وأخيرا يستعرض الباحث رؤية رشيد رضا لضوابط السياسة الخارجية للسلطة الإسلاميّة ، وتحليله لطبيعة العلاقات الدولية ، وتفسيره للحروب ، والمقارنة بين آرائه وبين المدارس المعاصرة في العلاقات الدولية وروادها7. وأخيرا يستعرض الباحث رؤية رشيد رضا لضوابط السياسة الخارجية للسلطة الإسلاميّة ، وتحليله لطبيعة العلاقات الدولية ، وتفسيره للحروب ، والمقارنة بين آرائه وبين المدارس المعاصرة في العلاقات الدولية وروادها.