فهرس الكتاب

الصفحة 1772 من 1942

إن ميلاد الجماعة في التاريخ ، يعني من جهة ، ظهور فكرة جديدة ، داخل حركة المجتمع ، تكون مسنودة في كل الحالات بقيادة تغييرية ، ويعني من جهة أخرى ، بداية ظهور حركة وجود جديد ، ينزع إلى تحدي الوضع القائم ، ويسير بشكل معين ، لتحقيق غاياته ، ومضامين عقيدته ، من الناحية الواقعية . بمعنى أن الحركة الجديدة ، سوف تؤدي إلى (توليد نموذج تربوي) لبناء إنسان جديد ، يتبنى الفكرة الجديدة ، ويعمل من أجل تحقيقها في حياة الناس . وهذا مما سيؤدي إلى وضع نواة بناء اجتماع بشري ، يتميز بخصائص ثقافية معينة ، مازالت في حيز القوة . فميلاد الجماعة في التاريخ ، هو عنوان على بداية دورة حضارية ، ذات نزوع عقائدي ، مخالف لما هو موجود في لحظات ميلادها . فهذه الجماعة تقوم ، وتتحرك ، لأنها تشعر بضرورة ، وأهمية ، وإلزامية حركتها ، وذلك بغرض تغيير شرائط واقع ، لم يعد قادرًا على تقديم دوافع العيش لأفراده ، ومؤسساته ، وأفكاره المتقادمة ، التي تحتاج إلى تجديد ، كيما يرتفع وعيها إلى مستوى الأحداث ، التي يمر بها (الوعي الجماعي) للمجتمع في صلاته الداخلية والخارجية . ومصيبة (تخلف الوعي) ، عن فهم ومعايشة وقائع حركة العالم ، من الإصابات المنهجية ، التي تعيشها كثير من المجتمعات المعاصرة ، والتي منها المجتمع الإسلامي الراهن.

إن ميلاد الجماعة من الوجهة الثقافية ، دليل على ظهور منهج جديد للسلوك الاجتماعي ، وبروز اتجاه فكري ، يحمل قيمًا تهدف إلى إعادة بناء المجتمع القائم ، وطبعه بطابع آخر ، لمّا يتحول بعدُ إلى نظام ثقافي مُولِّد للسلوك ، والنشاط الاجتماعي . فعندما يصبح ثقافة اجتماعية فذلك إعلان ، على أن الجماعة قد بدأت رسالتها ، ودخلت بذلك إلى ساحة (العمل الحضاري) ، وفي هذه الحالة تكون القيادة التغييرية ، مطالبة بالتنزيل المستديم لمضمون عقيدتها ، ووجهتها الحياتية إلى عالم النفوس أولًا ، ثم إلى عالم المجتمع ، الذي ينقله بدوره إلى عالم الثقافة ، التي تقوم بتغذية جنين الحضارة ، وتمده بلوازم النماء ، والنمو ، والنضج ، والاستمرار . فهذا هو ميلاد الجماعة في التاريخ (ولكن عندما نتحدث عن ميلاد معين ، فإنا نعرفه ضمنًا"كحدث"يسجل ظهور شكل من أشكال الحياة المشتركة كما يسجل نقطة انطلاق لحركة التغيير ، التي تتعرض لها الحياة ، ويظهر هذا الشكل في صورة نظام جديد للعلاقات بين جماعة معينة .. الجماعة التي تغير دائمًا خصائصها ، بانتاج وسائل التغيير ، مع علمها بالهدف الذي تسعى إليه من وراء هذا التغيير) . فهذا النظام من العلاقات ، هو الذي يشكل المغزى الثقافي للجماعة ، التي تريد إنجاز عملية التغيير . (فالتوليد الجماعي المشترك للتاريخ) ليس عملًا عفويًا ، بمقدار ما هو جهد خاضع لسنن البناء الحضاري ، التي تحكم مقاييس السلوك ، داخل عالم الأفكار ، والأشخاص ، والأشياء . إذ (العمل التاريخي بالضرورة من صنع الأشخاص ، والأفكار ، والأشياء ، جميعًا ، ومعنى هذا أنه لا يمكن ، أن يتم عمل تاريخي إذا لم تتوفر صلات ضرورية داخل هذه العوالم الثلاثة ، لتربط أجزاءها في نطاقها الخاص ، وبين هذه العوالم ، لتشكل كيانها العام من أجل عمل مشترك .. وهذا الشرط يستلزم كنتيجة منطقية وجود عالم رابع هو شبكة العلاقات الاجتماعية) . ونحن نريد أن ندرس المغزى الثقافي لميلاد الجماعة التغييرية في هذا المستوى ، وذلك باستيحاء النموذج النبوي ، موضوع هذه الدراسة.

الترشيد النبوي ونموذج التغيير الرسالي:

كما أسلفنا القول: فإن أول عمل تؤديه (القيادة التغييرية) على طريق نفي (ا لخبث الحضاري) هو تحديد موقع المرض الاجتماعي ، باعتباره لازمة منهجية في علم التغيير الحضاري.

ومن هنا كان أول عمل أنجزته القيادة النبوية بدقة بارعة ، وإيجابية كاملة ، وبترشيد واعٍ ، هو إدراك طبيعة المشكلة ، التي كانت تعشش في النفسية الجاهلية ، وفي أعماق العالم الثقافي المعاصر للرسول صلى الله عليه و سلم . لقد أدركها عليه الصلاة والسلام بشكل مستوعب ، استوفى شروط التحديد المنهجي العميق، وهذا الأمر يتبدى لنا بجلاء في المواقف ، والسلوكيات ، التي كان يتخذها النبي في سياق ترشيده للعملية التغييرية ، وتعامله مع النفسيات ، والعقليات ، والثقافات، والمشكلات المطروحة عليه يوميًا . لقد فهم عليه الصلاة والسلام مشكلة المجتمع المنهك عقيديًا ، وثقافيًا، وأخلاقيًا ، ودبيًا ، وسلوكيًا .. ففي أعماق الواقع الجاهلي الذي كان مخربًا من الوجهة العقائدية - مما سمح بانتشار عبادة الأوثان ، والأصنام ، والمعبودات الأرضية المتنوعة (إثنوية ، ثالثية ، تعددية) - ومنهارًا من الناحية الاجتماعية ، والثقافية ، التي فتحت الطريق لظهور الزنى ، واللهو ، وشرب الخمر ، وإيتاء المحرمات ، ووأد البنات ، والرق ، والعبودية ، كما أنه متحلل من الناحية السياسية التي جسدت ( العقلية الفرعونية) . ومختل من الناحية الاقتصادية التي كرست ( الثقافة القارونية ) . ففي ظل هذا الوضع المتأزم ، كان الرسول صلى الله عليه و سلم يمارس عمليات الترشيد للعملية التغييرية ، ويتحرك بوعي لترسيخ معالم النموذج الحضاري الإسلامي

المنهج النبوي والنظرة الكلية للمشكلة

لقد قام النبي عليه الصلاة والسلام بمعاينة المريض الجاهلي ، وتشخيص أسقامه على مستويات متعددة ، نركز في هذه الدراسة على مستويين:

-المستوى الكوني ، أي مستوى الرؤية الكونية .

-والمستوى الاجتماعي ، أي مستوى المشروع الاجتماعي .

أولًا: الرؤية الكونية

لقد حدد النبي عليه الصلاة والسلام ، أزمة ( إنسان ما قبل الإسلام ) في مستواها الكوني عن طريق الوعي القرآني ، وأرجعها إلى ( مشكلة غياب الرؤية الكونية الصحيحة ) لقضايا الإنسان ، والكون ، والحياة ، وموضوع كل واحد منها وغاياته ، ووظائفه .

فلم يكن عليه الصلاة والسلام ، ليضع مكان المرض أعراضه ، ولا مكان الأعراض أسبابها ، ولا مكان الأسباب آثارها ، ولم يكن ليغير الواقع الاجتماعي المخرب ، قبل تغيير واقع أسبق منه منهجيًا هو (الواقع النفسي) .. ولم يكن ليغير الواقع النفسي ، قبل امتلاك نموذج تربوي للتغيير ، يستقيه من ( مذهبية كونية) .

فالنبي عليه الصلاة والسلام يتحرك في وسط بشري ، ولكنه موجه بتعاليم الوحي الأعلى ، الذي دوى صوته من لحظات اقرأ) العالمية التي نشرت صوت الرسالة الخاتمة . فتلك هي اللحظات التي طبعت وعي النبي صلى الله عليه و سلم للأشياء ، وحددت له وجهة التغيير ، ومنهجيته . كما صاغت فهمه للحوادث والأفكار ، وشيدت إدراكه للسنن الإلهية ، وفتحت له سبيل الرشاد ، والهداية . ومن هنا كانت حركته الترشيدية ، متصفة بالخصائص الثلاث ، التي أشرنا إليها في مدخل هذه الدراسة: الوعي المقاصدي ، والوعي البلاغي ، والوعي السنني . ففي سياق فهمه لطبيعة المرض على المستوى الكوني مثلًا ، رأى بأن المرض عقائدي متصل بأزمة غياب الرؤية الكونية الصحيحة ، التي تهدي نشاط الناس ، وتريهم الحق حقًا ، والباطل باطلًا ، وتسلك بطاقاتهم على طريق مشروع حضاري ، يخدم غاية تنفعهم في دنياهم وأخراهم.

فطبيعة الأزمة كونية ، وتصورية ، وهي نتاج لافتقاد النموذج الحياتي السليم ، والصحيح ، الذي يشكل للناس شرعة ، ومنهاجًا ، يحدد لهم معالم طريق الاستخلاف ، ويرسم لهم أبعاد المذهبية التوحيدية ، في مستوياتها الأربعة: الخالق سبحانه وتعالى ، والإنسان ، والكون ، والحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت