فمجرد اقتناء فرد لشيء جديد، وبإعلان هذا في مجتمع الشخص القريب ـ نتيجة مرض اجتماعي آخر اسمه التباهي ـ تبدأ عملية الاقتناء للشيء نفسه تنتشر نتيجة مرض آخر اسمه التقليد. والإنسان يبحث عن حضارة تقنية ثابتة، راسخة، ومتطورة، يريد أن يقيمها بما صنعت يداه لابد أن يلتفت التفاتا عظيما لهذه المشكلات الأخلاقية؛ لأنها في الحقيقة جزء أساسي من مشكلات النهوض الحضاري، فالإنسان في غياب ضميره الأخلاقي، ينحط لعالم غريزي، جبل على التكاثر، يستكثر من الأشياء، حتى إذا ملها بحث عن شيء جديد.. ولن يوقف حركة نفسه الهابطة في عالم الأشياء، إلا الانتقال إلى عالم الخلود (1 ) .
وإذا كان ثمة فائدة من اليقظة الفجائية، والرغبة العارمة في التغيير، فإنها بدون ريب وضعتنا في مواجهة مباشرة مع مأزق التخلف، بعد أن زالت عنا الغشاوة، وها نحن نحاول أن نلملم الشتات، لنكشف أن من أهم العمد الرئيسة للحضارة الغربية المهيمنة، هي التقنية، فكان أن أخذنا منتوجات الحضارة وانبهرنا بثمراتها، وسعينا إلى اقتناء حاجاتها في شكل سلع وأدوات.
ولما تراكمت لدينا المنتجات الحضارية، وتكدست، ظننا أنها الطريق إلى النهضة والتحضر، وإذ بنا نفاجأ مرة أخرى أنها ليست هي، وأن الفجوة التي تفصلنا عن الغرب المتطور تتسع، والمشكلة تزداد تعقيدًا، إذن فمن أين نبدأ؟ وكيف؟
فلسفة البدء
يسبق البدء في أي أمر، تحديد فلسفته التي يقوم عليها، وتوجهاته التي يرنو إليها، وأهدافه التي ينوي تحقيقها. ونحن المسلمين، نحتاج اليوم أكثر ما نحتاج، إلى عبق النبوة الأولى، في طيبة الطيبة، حيث نجد كيف كان المجتمع المسلم الأول حريصا على أن يصل إلى أعلى درجات التطور التقني بمقياس عصره، فمنح أولوية قصوى للصناعات الحربية، وركز عليها، وأغفل الصناعات الأخرى للمقتنيات الترفيهية. في ذلك المجتمع وعلى قمته، كان يجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوجه، ويرشد، ويعلم، ضرب المثل الأعلى بنفسه، في الإعراض عن عالم الحاجات الترفيهية، إذ كان يقول لسامعيه، عندما يستغرب بعض أصحابه من إعراضه عن مقتنيات الترف، وهو القادر على امتلاك الدنيا، وما فيها لو أراد. كان يقول لهم: (( إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد في مكة ) )، ليذكرهم بنفسه قبل أنفسهم؛ حتى يتعظوا، وعندما يقترح بعض الصحابة سريرا للنبي العظيم عليه السلام، لينام عليه، يرفض، ويؤثر أن يظل على حاله، ينام على حصير، يترك أثرا في جنبه، ويدعوا الله: (( اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين ) ).
تلك هي فلسفة البدء الحضاري، أما الترف فهو طابع الختام الحضاري، وأمة تريد البدء لا يمكن أن تنطلق من عالم الحاجات، حيث قتلها الترف من حيث بدأت.
إن طريق النهوض الحضاري، الذي ترتجيه الأمة، يفرض عليها شروط لابد من تحقيقها، ويحدد مسارات لابد من السير فيها، لإكمال المشوار المبتغى. فإن كان التسابق الاستهلاكي، واللهث خلف عالم الأشياء، هو الطريق المرتجى، فإنه يقود بلا شك إلى إخلاد الأفراد إلى ترفٍ، من شأنه أن يعوق عملية النهوض ذاتها، ولا يساعد على قيام قوة إنتاجية محلية، تعتمد على الإحلال المتصل، والإبدال المستمر للطاقة البشرية المستقدمة بطاقة بشرية وطنية. فالترف بطبعه يثبط الهمم عن التعلم والتدرب، ويهبط بالاستعداد الوطني في هذه المجالات إلى أسفل الدرجات.
وإن كان الطريق المؤمل لنهضة شاملة وحقيقية، هو ترسيخ الاعتماد على الذات، والمزاحمة على عالم الغد، بكل ما يحمله ذلك العالم من مفاجآت وتحديات، فإنه يفرض علينا الدعوة إلى تنمية تقنية نوعية، ترتكز على إعداد، وتدريب، وتأهيل الطاقة البشرية؛ لأن أي اتجاه للنهوض والتطور، لا يركز على الإنسان، وسوف يجد نفسه في دائرة مغلقة، يظل المجتمع بإنسانه داخلها دائمًا أسير عالم الأشياء، الذي يتجدد دومًا، وتتجدد معه الحاجة إلى طاقة بشرية قادمة معه، ولن يخرج المجتمع من هذه الدائرة المغلقة، إلا بموقف أخلاقي يتحدد في أمرين.
الأول ـ أن تعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا.
الثاني ـ وأن تعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا.
كما هو وارد في الأثر، مما يمكن أن نعتبره مبدءًا للنهوض الحضاري، ونبراسًا للتنمية الإنشائية المنتجة.
والاختيار بين الطريقين: طريق التسابق الاستهلاكي، وطريق البناء الحضاري،واضح ومحدد، ولا يحتاج إلى تفسير، ولهذا دعونا نسير عليه بتؤدة ورسوخ، ولنبدأ المشوار
في ظروف محدودية الإدراك التقني المتطور، بل والأساسي أيضا في كثير من بلداننا الإسلامية، وتزاحم الأولويات يشعر المشتغلون بالتنمية التقنية أنهم يعملون تحت ضغوط نفسية غاية في التعقد عندما يجدون أنفسهم ومجتمعهم معهم في مواجهة حضارة تقنية باسقة الزروع، ما تكاد تنتهي من دور تقني، حتى تنتقل إلى حال جديد، وحال مجتمعاتهم مازالت تفصله عنها عصور البخار، والكهرباء، والحسابات الآلية، هذا إذا لم نقل: ثورة المعلومات، وعالم الفضاء، في فجوة ذات ديناميكية معقدة، لم نصل بعد إلى فهم واضح لطبيعتها، وكيفية تجاوزها؛ في مثل هذه الظروف، يلجأ مخططوا التنمية، إلى زيادة حجمها المرجو، زيادة كبيرة، على أمل اللحاق بركب الحضارة التقنية المسرع في خطاه، وفي إغلاق الفجوة التقنية التي تزداد مع الأيام اتساعًا.
التقنية زاد الطريق
إذا كانت التقنية مطلبًا أساسيًا للدول الآخذة في النمو، للخروج من وهدة التخلف، والقفز فوق الفجوة، التي تفصلها عن العالم المتقدم ، فهي بالنسبة للمسلمين ضرورة لتأكيد الذات، التي تنبع من امتداد طبيعي لحضارة إسلامية عريقة، كان العلم التجريبي دعامتها، وبدأت بكلمة حق، أوحى، بها الله سبحانه وتعالى إلى النبي العربي محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، فغرسها في النفوس لترتفع بها رايات الحق والهدى، وينتشر بها العلم، ويعم النور، وتقوم الحضارة.
إن التقنية الحديثة في العالم المتقدم نشأت من تزاوج العلم والْحٍرفة، ومن إصرار المجتمع على هذا التزاوج في صورة مراكز تطوير الصناعات المختلفة.
واقع التقنية في مجتمعاتنا
كانت الصناعات والحِرف قديمًا في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، راسخة الأسس، وواضحة المعالم، تضمها منظومة مهنية، وتحكمها تقاليد حرفية، وتتحكم فيها اعتبارات عملية، وكان الأبناء يتوارثون الصناعات والحرف من خلال تلك المنظومة عن الآباء، بالمحاكاة، والتقليد، كما كانت دكاكين أهل الحِرف والصناعات تمتلئ بالصبية، الذين ينفقون صباهم كله تحت رعاية معلميهم، يتدربون على أيديهم بصبر ويتعلمون منهم بدون ضجر.