فهرس الكتاب

الصفحة 1582 من 1942

إن الكتابة والأعمال التأليفية إن لم تسهما في توثيق عرى مشاريع النهضة والتغيير فما ثمرتها إذا ؟ هل ثمة حاجة حقيقة لكثير من الرسائل ، والكتب التى تخرج من رحم المطابع تباعًا ؟ إن ساحة العمل الإسلامى تفتقر الى دراسات نوعية ومؤلفات إبداعية ، وهى التى تتطلب طول نفس في البحث والدرس واطلاعًا واسعًا على المعلومات في مظانها ، يعجب المرء كثيرًا حينما يقرأ أو يسمع ان أحدهم كتب رسالة او كتابا في ظرف أيام لا تبلغ أيام الأسبوع !

كم هى القضايا والمسائل والإشكالات ، سواء منها القديم ( التراثى ) ، أو الحديث ( المعاصر) التى يقف امامها المسلم المعاصر حائرًا ، فما منهجية المعرفة ، أو ما هى ضوابطها ؟ وهل ثمة تعارض بين العقل والنقل ؟ وما هى الحدود التى يسمح للعقل التحرك فيها لدراسة النصوص ؟ لماذا لا نجد عقائد اهل السنة محررة بوضوح وتكامل ، حتى يتسنى للمنتسب لهم ان يتبنى عقائدهم دون كبير عناء وطول بحث وتنقيب ؟ وهل تغنى محاولات بعضهم - في هذا الصدد - التى تتخذ من تراث شيخ الإسلام ابن تيمية مرجعية تجيد العزو إليه ، وتحسن النقل منه ، بيد انها تقصر عن استيعابه ، وتمثله ، لافتقارها الى الآليات التى امتكلها ابن تيمية رحمه الله ، لأنه - على سبيل المثال - حينما تصدى للرد عل المنطقين ، واتجه لنقض المنطق ، كان عالمًا بالمنطق ، وبمبباحثه وموضوعاته ، ومتمكنًا من موضوعات الفلسفة ، ومذاهب الفلاسفة ، فكيف يتسنى لمن يروم والمعرفة ، ومن ثم إبطال عقائد المخالفين المبنية في كثير من اصولها ، وطرق الاستدلال عليها ، على المنطق اليونانى ، والفلسفة الإغريقية ، وليس له من المعرفة بالمنطق والفلسفة إلا السماع باسميهما ؟ . . . الخ

أين هى الدراسات التاريخية التحليلة والتفسيرية ، التى تقدم احداث التاريخ الإسلامى وفق رؤية منضبطة بأصول اهل السنة ؟ كيف يفهم المسلم المعاصر احداث الفتنة بين الصحابة رضى الله عنهم ؟ وكيف يسلم من مسالك الاتجاهات التى تجنح بعضها الى عصمة علىّ رضى الله عنه ! ويتجه الآخر منها الى تفسيق معاوية رضى الله عنه ! وكيف يقرأ الحركات المعارضة والخارجة على حكم الأمويين والعباسيين ؟ فما هى اسباب المعارضة ؟ وما هى عوامل الخروج ؟ . . .. الخ

أين يقف المسلم المعاصر من إشكالية الأصالة والمعاصرة ؟ فهل تستغرق دراسة ( التراث) ، والعناية به كل اوقاته ، وتستنفد جميع طاقاته ؟ فيعيش واقعه وهو غارق في الماضى ، فيصدق فيه حينذاك قول الشانئنين من العلمانيين بأنه ينتسب الى فكر ( ماضوى) منطقع الصلة بالواقع ، غائب عن همومه المعاصرة ، غير مكثرت بقضاياه الراهنة ، أم يتحرر من تلك الوشائج ، التى تربطه بالماضى ، وتصله بالجذور ، وينعتق من اصوله ، ويتنكر لتراث اجداده وأسلافه ، وتصله بالجذور ، بحق يعيش العصر بروحه ، ويتقن لغته ، ويجيد اساليبه ! !.

إن الأنموذجين السابقين جانحان عن جادة الصواب ، فالذين انغلقوا على الدراسات التراثية ، وتقوقعوا فيها ، وغابوا عن العصر وهمومه ، وانخلعوا من مشاكله وقضاياه ، ليسوا بمنأى عن القصور والتقصير ، كما إن الذى تضيق صدورهم بمطالعة ( الكتب الصفراء) ويعرضوا عن قراءة مؤلفات السلف الاقدمين ، ويحسبون انهم قادرون على مقاطعة التراث ، غارقون في الخيالات والأوهام ، ذلك أنه ( لا سبيل الى الانفكاك عن حقيقة التراث التاريخية ، ولو سعى المرء الى ذلك ما سعى ، لأنها ، وإن بدت في الظاهر حقيقة بائنة ومنفصلة بحكم ارتباطها بالزمان الماضى ، فهى في جوهرها حقيقة كائنة ومتصلة ، تحيط بنا من كل جانب وتنفذ فينا من كل جهة ، كما أنه لا سبيل الى الإنقطاع عن العمل بالتراث في واقعنا ، لأن اسبابه مشتغلة على الدوام فينا ، آخذة بأفكارنا وموجهة لأعمالنا ، ومتحكمة في حاضرنا ومستشرفة لمستقبلنا ، سواء أأقبلنا على التراث إقبال الواعى بآثاره التى تنمحى أم تظاهرنا بالإدبار عنه ، غافيلن عن واقع استيلائه على وجودنا ومداركنا(1)

لقد كتب في فقه الإختلاف وآدابه كتابات عديدة ، غير ان الرسالة لم تبلغ المعنيين ، فما زالت الحركية الاستعلائية عالية ، كما ان المنطق الدعوى الاحتكارى سائد قائم ، ودعاة الوعى السياسى يشمخون بوعيهم على غيرهم ، أولئك يرون أنهم الجماعة (الأم) ، والآخرون يعتقدون انهم ( الفرقة الناجية والطائفة المنصورة) وثالثتهم يشتط منهم من يرمى الأمة بالضلال المنهجى ، ذلك أنه لم يفهم الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام ، فهمًا عميقًا صحيحًا ، حتى نهض مؤسس حزبهم فأفقام الأمة على فهم سوى مستقيم !! الكل منهم يدعى انه يمتلك النهج الأصوب ، والطريقة الأكمل ، والعمل الأشمل ، ولو انصفوا وأقاموا موازين القسط والعدال في الحكم والتقييم والمراجعة ، لأدركوا بلا تردد ، وقرروا من غير تهيب ، أن ما ينقص كل طائفة منهم لا يقل عما حسبوه الأكمل والأصوب والأشمل.

تلك الاختلالات في التصورات ، والسلبيات في الممارسات ، ينبغى لكتابات ( النقد الذاتى) أن تتكفل بتصويبها ، مع تعميق المفهومات التى تسعى لتقرير (بشرية) مناهج العمل الإسلامى المعاصر ( وإنسانية ) اجتهادات الإسلاميين ، إذ أنها خاضعة للنقد ، لا تستعلى على الأخذ والرد ، وتكتسب الصواب والحق بموافقتها الأصول المعصومة من الكتاب والسنة ، وإجماع سلف الأمة.

تلك موضوعات ورد ذكرها للتقريب والتمثيل ، وثمة قضايا ومسائل أخرى توقع العقل المسلم في حيرة واضطراب ، ذلك ان مادتها متناثرة هنا وهناك ، كما ان الأقوال فيها متضاربة ، والإجتهادات بشأنها متباينة ، وهذا هو الحقل والميدان الذى يتوجب على حملة الأقلام من المفكرين والعلماء ان يلجوه ، ويقتحموا ساحاتة.

تسعى جمعية الكتاب والسنة من خلال سلسلة كتاب الإعتصام الى تبنى وانتقاء الدراسات والكتابات التى تصب بهذا الاتجاه ، وهى تهيب بالفقهاء والعلماء وطلبة العلم ان يمدوا لها يد العون العلمى ، بتقديم دراساتهم وأبحاثهم الجاهزة او التى يتفق على إعدادها وإنجازها ، لتقوم لجنة البحوث والدراسات الإسلامية في الجمعية بدراستها ، ومن ثم نشر ما يستوفى شروط ( السلسلة) منها ويحقق مقاصدها.

يتصدى الكتاب الأول من هذه السلسلة ، فاعلية المسلم المعاصر رؤية في الواقع والطموح للدكتور ابن عيسى باطاهر ، لمعالجة قضية لها ارتباط وثيق بمشاريع النهضة ، وتعلق مباشرة بمناهج التغيير ، ولا أحسب أننا نجانب الحقيقة ، أو نغرب في القول إذا ما قررنا أن محدودية إنتاجية تلك المشاريع ، وعجز المناهج إياها عن إحداث التغيير المنشود ، يعود الى جملة اسباب وعوامل ، يأتى في مقدمتها انطفاء فاعلية العاملين في ساحة العمل الإسلامى ، إذ ثمة ظاهرة بارزة تتمثل في تراجع الهم الدعوى ، وغلبة الهموم الذاتية والحياتية في اوساط آلئك العاملين ، كما أن الدوافع الإيمانية الرافعة للهمم ، والحاملة على العمل قد غشاها الضعف واعتراها الوهن.

إن الروح السلبية المستشرية في أواسط المسلمين ، والتى أنتجت حالة مزرية يتحلل فيها المسلم من أية التزامات تخدم عملية التغيير ، وتسهم في مشاريع إنهاض الأمة ، جاء بفعل شيوع وتحكم أنماط من التدين طغت في بلاد المسلمين ، كالفكر الإرجائى ، ومقولات الجبرية ، والتدين الصوفى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت