فهرس الكتاب

الصفحة 1583 من 1942

يقوم الفكر الإرجائى في قاعدته الأساسية على الاعتقاد بانه لا يضر مع الإيمان شئ ، وأن الإيمان إقرار باللسان ، وتصديق بالجان ، مع إخراج العمل مع مسمى الإيمان وقد ساهم هذا الفكر بشكل سئ في توسيع دائرة التفلت مع الإلتزام الشرعى ، والتحلل من تكاليف الإيمان ، والتغافل عن مقتضيات التوحيد ، وقديما أنكر أئمة السلف على من أخرج العمل من الإيمان إنكارًا شديدًا ، وجعلوه من الأقوال المحدثة المردودة على اصحابها ، يقول سفيان الثورى - رحمه الله: (هو رأى محدث أدركنا على غيره ) (2) ، يقول الإمام الأوزاعى - رحمه الله: ( وكان من مضى من السلف لا يفرقون بين العمل والإيمان(3) ، وقيل لسفيان بن عينية - رحمه الله: ( إن قومًا يقولون: الإيمان كلام ، فقال: كان هذا قبل ان تنزل الأحكام ، فأمر الناس ان يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا دمائهم وأموالهم ، فلما علم الله صدقهم امرهم بالصلاة ففعلوا ولو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار(4) . . فذكر الأركان الى ان قال: فلما علم الله ما تتابع عليهم من الفرائض وقبولهم قال: ( اليوم اكملت لكم دينكم . . . ) (الآية) ، فمن ترك شيئًا من ذلك كسلًا او مجونًا أدبناه عليه وكان ناقص الإيمان ، ومن تركها جحودًا كان كافرًا (5) ، وكتب عمر بن عبد العزيز الى عدى بن عدى ( عامله على الجزيرة) : ( إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودًا وسننًا ، فمن استكملها استكمل الإيمان ، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان . . .(6) ، ويقول ابن تيمية: ( والسلف اشتد نكيرهم على المرجئة لما أخرجوا العمل من الإيمان ، وقالوا إن الإيمان يتماثل الناس فيه ، ولا ريب ان قولهم بتساوى إيمان الناس من أفحش الخطأ ، بل لا يتساوى الناس في التصديق ، ولا في الحب ، ولا في الخشية ، ولا في العلم ، بل يتفاضلون من وجوه كثرة(7)

حقًا إن دراسة حياة الصحابة رضى الله عنهم ، والتابعين ؛ توصل الى نتيجة يقينة بأنهم لم يكونوا يفرقون بين الإيمان والعمل ، بل أن صدق الإيمان وعمق اليقين ، الذين استقرا في قلوبهم ، اطلقا جوارحهم بالعمل البناء المثمر ، وجعلهم يسطرون بفاعليتهم وحركيتهم صفحات في ميادين الفضيلة ، ودروب البر والخير.

فما الذى حمل حنظلة (غسيل الملائكة) - رضى الله عنه - على مفارقة فراش زوجه الوثير ، في ليلة عرسه ؟ وهو القادر لو شاء أن يلتمس من الأعذار ما يعفيه من اللحاق بقافلة المجاهدين ؟ .

وما هى الدوافع التى حملت ألئك الكرام على التسابق في الإنفاق ، والتنافس في البذل والعطاء ؟ يقول عمر - رضى الله عنه: ( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق ، فوافق ذلك مالًا عندى ، فقلت: اليوم اسبق ابا بكر إن سبقتة يومًا ، فجئت بنصف مالى ، وأتى ابو بكر بكل ما عنده ، فقال له النبى صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك ؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله(8) .

وما الذى حدا بأبى طلحة حينما وقف على قوله تعالى: ( انفرا خفاقًا وثقالًا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله . . . ) [التوبة: 41] ، أن يقول لأبنائه: أرى ربما استنفرنا شيوخًا وشبانًا ، جهزونى يا بنى ، فقال بنوه: يرحمك الله ، قد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات ، ومع ابى بكر حتى مات ، ومع عمر حتى مات ، فنحن نغزو عنك ، فأبى ، فركب البحر فمات ، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد تسعة ايام ، فلم يتغير ، فدفنوه بها (9) .

وهذا الصحابى عمرو بن الجموح - الأعرج شديد العرج - كان له أربعة بنين - شباب - يغزون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا ، فلما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أحد ، أراد ان يتوجه معه ، فقال له بنوه: إن الله قد جعل لك رخصة ، فلو قعدت ونحن نكفيك ، وقد وضع الله عنك الجهاد ، فأتى عمرو بن الجموح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا رسول الله ، إن بنى هؤلاء يمنعونى أن أخرج معك ، والله إنى لأرجوا ان استشهد ، فأطا بعرجتى هذه الجنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أنت فقد وضع عنك الجهاد ، وقال لبنيه: وما عليكم أن تدعوه ، لعل الله عز وجل أن يرزقه الشهادة ، فخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل يوم أحد (10)

إن الإيمان قوة دافعة ومحركة ، وحينما يفهم على أنه مصدر إشعاع ، ومفجر للطاقات ، فإن رياحه حينما تهب تأتى بالأعاجيب ، وتغير مجرى التاريخ ، وتحدث انعطافًا حادًا في مسيرة الزمن ، ( فإذا هبت ريح الإيمان جاءت بالأعاجيب في العقيدة ، والأعمال ، والأخلاق ، ورأى الناس روائع من الشجاعة واليقين ، والعفة والأمانة ، والإيثار وهضم النفس ، وروح التطوع والإحتساب ، والتواضع في المظاهر ، وكبر النفس ، وسمو النظر ، ورأوا آيات من العدل والرحمة ، والمحبة والوفاء ، كادوا ينسونها ، ويقطعون منها الرجاء(11) .

وماذا يبقى للإيمان من دور فاعل في الحياة ، حينما يحصر في التصديق والإقرار ؟ وهل ثمة إيمان قلبى تام لا يلازم عمل بدنى ظاهر ؟ ثم أليس الإيمان القلبى يستلزم الأعمال الظاهرة ؟ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ( فأصل الإيمان في القلب وهو قول القلب وعمله ، وهو إقرار بالتصديق والحب والانقياد ، وما كان في القلب فلابد ان يظهر موجبه ومقتضاه على الجوارح ، وإذا لم يعمل بموجبه ، ومقتضاه دل على عدمه أو ضعفه ، ولهذا كانت الأعمال الظاهرة من موجب إيمان القلب ومقتضاه ، وهى تصديق لما في القلب ، ودليل عليه ، وشاهد له ، وهى شعبة من مجموع الإيمان المطلق ، وبعض له . . . ) (12)

كيف يتحقق الإيمان ؟ وكيف يظهر صدق ذلك ؟ أيتحقق الإيمان بتصديق قلبى مع امتناع الجوارح عن العمل ؟ أم بإقرار لسانى مع مقارفة جميع المنكرات ، وموافقة كافة الموبقات والمهلكات ؟ يقول ابن تيمية: ( والله سبحانه في غير موضع يبين ان تحقيق الإيمان تصديقه بما هو من الأعمال الظاهرة والباطنة ، كقوله:( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون . والذين يقيمون الصلاة ووما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقًا ) ، قال: ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصدقون) ، وقال تعالى: ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا) (13) .

ويقول رحمه الله: ( فلا يجوز ان يدعى أنه يكون في القلب إيمان ينافى الكفر بدون أمور ظاهرة ، ولا عمل وهو المطلوب - وذلك التصديق - وذلك لأن القلب إذا تحقق ما فيه أثر في الظاهر ضرورة ، لا يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر ، فالإدارة الجازمة للفعل مع القدرة التامة توجب وقوع المقدور ، فإذا كان في القلب حب الله ورسوله ثابتًا استلزم موالاة أولياته ، ومعاداة أعدائه ،( لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله . ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ) ، ( ولو كانوا يؤمنون بالله والنبى وما أنزل إليه ما أتخذوهم أولياء ) فهذا اللازم أمر ضرورى (14)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت