فهرس الكتاب
وفى بيان التلازم بين الإيمان القلبى ، والعمل البدنى ، يقول ابن تيمية: ( وإذا قام بالقلب التصديق به والمحبة له ، لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة ، والأعمال الظاهرة ، فما يظهر على البدن من الأقوال والأعمال هو موجب ما في القلب ولازمه ، ودليله ومعلومه ، كما أن ما يقوم بالبدن من الأقوال والأعمال له ايضا تأثير فيما في القلب ، فكل منهما يؤثر في الآخر ، لكن القلب هو الأصل والبدن فرع له ، والفرع يستمد من أصله ، والأصل يثبت ويقوى بفرعه ، كما في الشجرة التى يضرب بها المثل لكلمة الإيمان ، قال تعالى:( وضرب الله مثلًا كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتى اكلها كل حين بإذن ربها ) وهى كلمة التوحيد ، والشجرة كلمة قوى أصلها ، وعرق وروى قويت فروعها ، وفروعها ايضا إذا اغتذت بالمطر والريح اثر ذلك في اصلها (15)
لقد كان لاختلال مفهوم الإيمان وتسرب مقولات الإرجاء الى تصورات المسلمين ، ومن ثم انعكاسها على سلوكهم ، تأثير بالغ وكبير في انطفاء فاعليتهم ، وجمود حركتهم ، ويقوى ذلك ويزيده استقرارًا ورسوخًا ذلك النمط من المفكرين ذوى السوابق غير الإسلامية حينما يتحولون الى دائرة الفكر الإسلامى ، حيث انهم يسلمون فكريًا مع عدم التحرر الكامل من أصولهم الفكرية السابقة ، فيبقى إسلامهم مشوبًا بكدورات الماركسية والعلمانية واليبرالية ، أما إسلام العمل والإلتزام فغالبهم فيه من غلاة المرجئة.
مقولات الجبرية: ما دمنا نتحدث عن الإصابات والعلل التى أدت بهذه الامة الى واقع (القصعة) فإن الحاجة تبدو ملحة لإظهار الصلة الوثيقة بين عقيدة الجبر وما ترتب على انتشارها ، وتمكنها من قلوب عامة المسلمين من آثار شنيعة ، دفعت بالأمة الى حالة (اللافاعلية) الأمر الذى أسهم بقوة في إيصال الأمة الى حالة من الجمود والتراجع ، قد طالت وامتدت الى واقعنا المعاصر .
لقد عرف الشهر ستانى ( الجبر) بأنه: ( نفى الفعل حقيقة عن العبد ، وإضافته الى الله(16) فالعبد - عند الجبرية - مجبور في افعاله ، ويعتقدون انه لا فاعل على الحقيقة إلا الله ، وأما العباد فإن الفعل ينسب اليهم مجازًا !! وهذا القول أدى فيما أدى إليه الى القول بوحدة الوجود ، الى جانب إلغاء (قانون السببية) ، أى: ربط الأسباب بمسبباتها ، والنتائج بمقدمتها . وهذا الإلغاء هو علة قادحة وسوؤة ظاهرة تنافى عقيدة عقيدة الإسلام القائمة على هذا القانون ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: (فليس في الدنيا والآخرة شئ إلا بسبب ، والله خالق الأسباب والمسببات(17)
وفى توضيح ( قانون السببية) وتوكيده ، قال ابن القيم - رحمه الله: ( . . . والقرآن الكريم مملوء من تريتب الأحكام الكونية والشرعية ، والثواب والعقاب ، على الأسباب بطرق متنوعة ، فيأتى بباء السببية تارة ، كقوله تعالى:(كلوا وشربوا هنيئًا بما اسلفتم في الأيام الخالية ) ، ويأتى باللآم تارة ، كقوله تعالى: ( كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات الى النور بإذن ربهم) ويأتى بذكر الوصف المقتضى للحكم تارة ، كقوله تعالى: ( ومن يتق الله يجعل له مخرجًا) ، فالله تعالى اقتضت حكمته ربط المسببات بأسبابها (18)
إن مذهب (الجبر) الضال الذى ابتدعه الاجهم بن صفوان ، ما كان له أن يستقر في قلوب عامة المسلمين ، لولا وقوع الأمة زمن الإنحطاط والتخلف في حماة الفكر الأشعرى ، حين اصبح أئمة المسلمين هم ممن يحمل المنهج الأشعرى ، فاجتمع لهم قوة وسلطان ، والناس على دين ملوكهم ! .
لقد كان لمنهج الأشاعرة أسوأ الأثر في تشويه حقيقة التوحيد ؛ شرعية: إذ جاء بالإرجاء وقدريه: إذ قال ( بالكسب ) و ( الكسب) ليس سوى (الجبر) وإن ظهر في اللفظ وكأنه شئ آخر ، فمفهوم (الكسب) عند الأشاعرة مضطرب متباين التعريف بين منظرى الأشاعرة ، إلا أن قاعدته التعريفية العريضة تعنى: احترام وجود إرادة قلبية للإنسان ، لكنها لا تأثر لها ، ولا قيمة لوجودها !؟ إى أنها إرادة غير مؤثرة !
وهنا يظهر التوافق بين جوهر مقالة الجبرية ، ونظرية الكسب الأشعرية ، وإن بدا ان هناك اختلافا صوريا في اللفظ وتركيب العبارات ، فإن نظرية الكسب بدورها نفت اى قدرة او تأثير للعبد.
ولكشف صورة الاضطراب الملازم لأى بدعة ، نلقى الضوء على واقع الحيرة بين ائمة الاشاعرة ، في التفريق بين الفعل الاختيارى ، وبين الفعل الاضطراى للإنسان ، فقد ذهب الرازى في إيضاح الأمر الى القول: ( بأن الإنسان مجبور في صورة مختار) (19) أما الغزالى فقد انتهى الى: ( أن العبد مضطر في جميع افعاله ومشيئته ، وإنه مجبور على الاختيار ، وأنه محل لإرادة حدثت فيه جبرًا(20) ثم شبه أفعال المخلوقات بالدمى ، التى يراها الناظر وهى تتحرك فيظن انها تتحرك من تلقاء نفسها (21)
وكأى بدعة ؛ خضعت فكرة (الجبر) و (الكسب) للزيادة والنقصان ، والتعديل والتنميق لتكيف بحسب الواقع الذى توجد فيه ، والحالة التى يراد التطبيق عليها ، ولن يحرم صاحب ضلالة ما يستشهد به على ضلالته !
وقد وفق الله تعالى آئمة الهدى والسنى ، لرد عادية أهل الكلام والهوى ، فقاموا بتنفيذ مزاعمهم الباطلة ، إحقاقًا للحق ، وبقاءًا على العهد ، فإن كان الإنحراف قد طال الأمة ولا زال ، فإن نفرًا من الطائفة المنصورة في كل عهد ، اختصها في كل عهد ، اختصها الله للذب عن هذا الدين ، بالقلم واللسان والسنان ، ليبقى هذا الدين محفوظًا من الزوال ، قال ابن تيمية - رحمه الله - في بيان حقيقة القدرة والإرادة البشرية: ( الذى عليه السلف واتباعهم وأئمة اهل السنة وجمهور اهل الإسلام المثبون للقدر، المخالفون للمعتزلة: إثبات الأسباب ، وإن قدرة العبد مع فعله ، لها تأثير كتأثير سائر الأسباب في مسبباتها ، والله تعالى خلق الأسباب والمسببات ، بل لابد لها من اسباب أخر تعاونها ، ولها مع ذلك أضداد تمانعها ، والسبب لا يكون حتى يخلق الله جميع اسبابه ، ويدفع عنه اضداده المعارضة له ، وهو سبحانه يخلق جميع ذلك بمشيئته وقدرته كما يخلق سائر المخلوقات ، فقدرة العبد سبب من الأسباب ، وفعل العبد لا يكون بها وحدها ، بل لابد من الإرادة الجازمة مع القدرة ، وإذا أريد بالقدرة القوة القائمة بالإنسان فلا بد من إزالة الموانع كإزالة القيد والحبس ونحو ذلك، والصاد عن السبيل كالعدو وغيره(22) ومن أقوالهم الدالة على أن السبب إنما يستوجب مسببه عند تحقق شروط العمل بهذا السبب ، واستدعاءه لمسببه ، وأنه لابد من انتقاء الموانع المعيقة لهذا العمل ، قول الفقيه الشاطبى: ( وأما إذا لم تفعل الأسباب على ما ينبغى ، ولا استكلمت شرائطها ، ولم تنتف موانعها فلا تقع مسبباتها شاء المكلف أو أبى ، لأن المسببات ليس وقوعها أو عدم وقوعها لاختياره . . وايضا فإن الشارع لم يجعلها اسبابًا مقتضية لمسبباتها إلا مع وجود شرائطها وانتفاء موانعها ، فإذا لم تتوفر لم يستكمل السبب أن يكون سببًا شرعيًا ، سواء علينا أقلنا إن الشروط ، وانتفاء الموانع اجزاء أسباب ام لا ، فالثمرة واحدة(23) ، وقد حث أئمة اهل السنة على مباشرة الأسباب ، وعدم إسقاطها ، قال ابن القيم - رحمه الله: ( . . . والله أمر بالقيام بالأسباب ، فمن رفض ما أمره الله ان يقوم به فقد ضاد الله في امره ، وكيف يحل المسلم ان يرفض الأسباب كلها ؟(24)