فهرس الكتاب

الصفحة 1585 من 1942

وفيما يتصل بالأثر الحاصل نتيجة إسقاط الأسباب والإعراض عنها ، فإنه يمكننا تصوير حالة المسلم المنكوب بهذه العقائد الفاسدة ، بإنسان يعتقد ان من تمام التوكل على الله ، ألا يحمل الزاد في سفره فيدخل الصحراء بلا زاد ولا ماء !؟ وصورة أخرى تتجلى في مسلم امتلآ قلبه بحكايات الأولياء ، الذين ساروا على الماء ، وطاروا في الفضاء ، وبلغوا أعلى الدرجات ، ونالوا الكرامات ، لأنهم ما تدنسوا بمخالطة الناس ، ولأنهم كانوا أحلاس بيوتهم وزواياها !؟ . يتسامران مع الأموتا ، ويقيموا الحضرات بحضرة الأنبياء ! . . . وصورة أخرى لمسلم يتعب نفسه في طلب شئ من العلم ، يعزل نفسه به ترفعًا عن المجتمع الذى يعيش فيه ، بدعوى ( أن من السياسة ترك السياسة) وأن ( أقم دولة الإسلام في قلبك تقم على أرضك) !

إن من أسباب تمكين عقيدة (الجبر) السالبة للإنسان قدرته على الفعل والتغيير ، والمجمدة لفاعلية الأمة ، تلك الأفكار ، والدعوات التى ينادى بها علماء ومشايخ ، حيث يقول قائلهم: ( إن مصائر الأمة ومقاليدها صارت الى ايدى أعدائها ، وإنها لذلك لا تملك لنفسها معهم نفعًا ولا ضرًا) !!.

أليس مؤدى هذه الأفكار والمقولات هو حمل الأمة بعلمائها ودعاتها ومفكريها ومجموع أبنائها على الاستسلام ، والرضوخ للواقع الآليم ؟ وهل اصبحت مهمة العلماء المعاصرين او غدى واجبهم تنويم الأمة ، وقتل إرادتها ، وشل حركتها ، وتكريس خضوعها لما يريده اعدائها منها ؟!.

إننا أمام هذه الأفكار ، والمقالات ، نستذكر طودًا شامخًا ، وعلمًا سامقًا ، من أعلام العلم والفكر ، والحركة والجهاد ، يستحضره المعاصرون في جزيئات العبادات وفروزع المسائل ، ويغيبونه في الأصول وجليل المواقف ، وعظيم التضحيات، لقد نشأ شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في عصر علا فيه سلطان التتار الغزاة علاى امصار بلاد الإسلام ، فهل كان موقفه متخاذلًا مثبطًا مرجفًا ؟ ينادى في الناس ان استكينوا واستسلموا للقضاء والقدر ، فإن مصائركم ومقاليد اموركم صارت الى أيدى أعدائكم ، وأنتم أعجز من أن تملكوا لأنفسكم معهم نفعًا أو ضرًا ؟ ! لقد تولى الشيخ مهمة التحريض على القتال ، وحث المسلمين على الثبات ، وعدم الفرار من دمشق امام التتار ، وسافر الى مصر لحث السلطان على المجئ ، وإرسال الجيش ، وقد اثمرت جهوده ، وآتت أكلها ، ونفع الله به وبجهاده وحركته الإسلام والمسلمين ، وأمام كل هذا نتساءل: لماذا يغيب نفس شيخ الإسلام الثائر على الظلم والظالمين ، المستنهض لهمم الحكام والعلماء ، والمحرض لأبناء الأمة للتصدى للأعداء الغازين ، ومجابهتهم بهمم عالية ، ومجاهدتهم بنفوس شامخة ؟

أني جهود علماء الأمة في مواجهة مقولات الجبر التى تسربلت حديثا في جبرية معاصرة تروم تسكين الأمة وتخذيلها امام اعدائها وإشاعة روح اللآمبالاة تجاه مظاهر الظلم والإنحراف والتسلط والإستبداد ؟ إن الأمة بأمس الحاجة الى نمط مميز من العلماء والفقهاء ، ينفضون عن واقعها روح اليأس والقنوط ، ويحمونها من تأثير مقولات دعاة الجبرية المعاصرين ، الذين حملهم سوء فهمهم للقدر على الاستكانة والتخاذل.

التدين الصوفى: اختلف الناس كثيرًا بشأن الصوفسة والتصوف ، كما أن المكتبة الإسلامية أتخمت بدراسات وكتابات عديدة ، منها ما تمتدح الصوفية وتثنى عليها ، وتجتهد في دفع شبهات خصومها ، والاتجاه الآخر ؛ رأى في الصوفية شرًا كبيرًا ، وخطرًا عظيمًا ، يتهدد المسلمين في عقائدهم وعباداتهم ، فكثف خطابه في مجابهتها ، وكشف زيفها ، وبيان ضلالاتها وشطحات اربابها ، وليس من اهداف هذه المقدمة التعرض لبيان تلك الإنحرافات والشطحات والضلالات ، وما تهدف إليه ينحصر في تقرير وتوكيد مدى تأثير التدين الصوفى في إشاعة روح التعبد الذاتى - على ما يصاحبه من بدع وضلالات - والتقوقع في الزاويا ، والاستغراق في الأذكار والمداومة على الأوراد ، مع غياب تام عن واقع الأمة.

ان الصوفية في زماننا تعدت عن كونها ابتداعًا في الإيمان والعقيدة ، وابتداعًا في العبادات والنسك الى كونها طريقة حياة ، ومنهج تفكير ، واسلوب عمل ، ولم تعد محصورة فيمن ينتسب الى طريقة او مشيخة صوفية فحسب ، بل قد يقع بعض من يكثر الحديث عن انحرافات التصوف ، وضلال الصوفية ، في منهج التفكير الصوفى ، في فهمه للحركة والحياة .

فما هو هذا المنهج ؟ وما هى اركانه ؟ أو كيف كان تأثيره على حركة المسلم في حياته ؟ والأمة في مجموعها ؟

لن تكون الإجابة على هذه التساؤلات بمعزل عما قدمنا عند حديثنا عن الفكر الإرجائى ، ومقولات الجبرية ، إذ أن منهج التفكير الصوفى تكون من تداخل افكار ومناهج زائغة منحرفة ، انتسبت للإسلام زورًا وبهتانًا.

واهم ما توسلت به في صياغة مناهجها ؛ فكرة الإرجاء المناقضة لتوحيد الشرع ، وعقيجة الجبر المناقضة لتوحيد القدر ، وبذلك تبلور مفهوم هذا المنهج ، واصبح من اليسير تحديد معالمه ، التى تناقض مبادئ الإسلام على الجملة !؟

لقد سعى الصوفى للتحرر من الإرادة البشرية ، كأسمى شئ يحققه في وجوده ، وجاهد نفسه لينعق من أغلال الطباع الإنسية !؟ كحاجته للمأكل والمشرب ، وحاجته للنكاح . . . الخ . إن سعى الصوفى الدائم للتفلت من إنسانيته ، يعطينا الحق ، في إطلاق وصف الجنون على كل من تصوف ، وهذا عين ما فعل الإمام الشافعى - رحمه الله - إذ يقول: ما تصوف رجل عاقل قط واتت عليه صلاة العصر إلا وهو مجنون !؟

فالعاقل صاحب إرادة ، وهو مكلف بالتزام الشريعة ، ولا ينقض هذا الإلتزام سوى ذهاب العقل عن المكلف ، وبه يسقط عنه التكليف.

إن منهج التفكير الصوفى ، يفرز الوانا متعددة ، واشكالا مختلفة ، لكنها تعكس حقيقة الصوفية الفكرية ، فإذا كانت الصوفية فيما مضى قد اسلبت المنتسبين لها الفاعلية تحت شعار (اريد ان لا اريد) فإن صوفية هذا الزمان تلتقى مع هذا الشعار ، ولكن بصياغات مختلفة ، لا تأثير لها على جوهر منهج التصوف ، الذى يربأ بالإنسان المتطلع لمرضاة ربه ان يأبه لما يحدث على هذه الأرض ، كيما يذهل عما فوق السماء ، وعما في باطن الأرض !؟ وللأسف ؛ فإن التدين الصوفى هذا قد استوعب قطاعات كبيرة من الأمة ، وأغرى فئات ممن ينتمون ال الفكر ، ويدعون العلم والوعى ! وليس البسطاء والسذج فقط!

فى ضوء ذلك يمكن ان نفسر قابلية الأمة ، واستمرارها لتحييد شرع الله عن شوؤن الحكم في مجتمعاتهم ، واستبداله بالقانون الوضعى.

لقد هان على أمة جعلت وظيفة الدين في الحياة تنحسر لتصبح جزءًا من عبادة فردية ، لا ثمرة لها في نفس المسلم ، ولا في مجموع الأمة ، أن ترفع شعارات تقرر العلمانية ، وتعيدنا الى الجاهلية ، من امثال: (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله ) و ( وقيصر ظل الله في الأرض ، من اهان سلطان الله ، أهانه الله) ، والقائمة في هذا تطول.

إن الإسلام جاء ليضع البشرية في المسار الذى تستقيم معه الحياة ، ولن تستقيم إلا حين تنسجم من السنن الإلهية ، ويحدث التوافق معها ، وعند وقوع تصادم معها فإن ثمة فساد واختلال يؤثر في المسار سلبًا.

وهذا هو قانون الله في هذا الوجود ، والكل خاضع ومنقاد لهذا القانون ، لا يستطيع منه فكاكًا أو خلاصًا ، وهذا في حقيقته إذعان وخضوع للملك الجبار ( له اسلم من في السماوات والأرض طوعًا وكرها وإليه ترجعون) [آل عمران:83]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت