فهرس الكتاب

الصفحة 1586 من 1942

ومن السنن الإلهية التى لا تتبدل ولا تتغير ؛ سنة الله في التدافع بين اصحاب الحق ، واصحاب الباطل ، وانه لابد للباطل من قوة تطغى اهله ، وانه لابد للحق من قوة تحمة ذويه . . ومن سننه تعالى: ان ينصر المؤمنين المستوفين عوامل النصر ، وأن النصر للمؤنين قد يسبقه أذى من العدو وغلبة له . . ومن سننه جل وعلا: ان ترك الجهاد مدعاة الى العذاب ، وأن إعداد القوة من فروض الإسلام . ..

إن منهج التفكير الصوفى قد تجافى عن هذه السنن الإلهية وغيرها ، وولى عنها مدبرًا ولم يعقب !؟ الأمر الذى دفع المنتمين الى هذا (المنهج) - وهم كثر - لاعتقاد ان الابتعاد عن شؤون الحياة ، مع القيام ببعض اعمال التعبد ، كالصلاة ، والصيام ، والحج ، الذكر ، وطلب العلم ، . . . الخ بعيدًا عن السعى الجاد والحقيقى لاستئناف حياة إسلامية والذى يستوجب مجاهدة الظلمة ، ومقاومة الكفر ، هو غاية التدين وحقيقة الدين !؟ بل تعدى الأمر هذا الاعتقاد الى تبنى أراء جديدة تحرم الاهتمام بشؤون الواقع ، وقضايا السياسة ، بحجة انها تشتت الهمة ، وتفرق القلب ، وتحبب في الدنيا ، وتصرف الناس عن العلم النافع ، والعمل الصالح !؟ وزاد بعض المخرفين للتدليل على رأيهم الباطل انه لم تكن امور السياسة والواقع ضمن دائرة اهتمام السلف الصالح ، بل انهم كانوا ابعد ما يكونون عن السلطان ، والاشغال بأمور السياسة !! وهذا القول إضافة الى ما فيه من تزوير للحقيقة ، وافتراء وخجاع ، فهو في غاية القبح والتشويه لمنهج السلف الصالح ، الذين ما فتئوا يبنون للأمة الحق ، ويقودونها في سبيل إحقاقة.

ولعل من أسوء إفوازات هذا المنهج المنحرف ، ذلك الأنموذج (المأزوم) الذى يتسربل بالعلم - زورًا - ويتبجح باتباع السلف - بهتانًا- فما هو إلا نابتة سوء اغتدت من معين منهج التصوف الفكرى - رغم عدائها الظاهر للمتصوفة التقليديين - فما ظنكم بمن يستدعى أمواتًا ، ومقولات بدعية غائبة منسية ، ماتت بموت أصحابها وقائليها . . ثم يأخذ يناوش ويصارع ويقاتل اشباحًا لا حقيقة لها !؟ والأدهى والأمر ، ان تصل الحماقة بهؤلاء حدا يستنهضون معه الأمة لتلتف حولهم في خوض معركتهم الكبرى ، في مقابر التاريخ ، وعلى مشارف او مجاهل الماضى السحيق !؟

إننا اليوم ؛ أمام من ينكر القرآن جملة وتفصيلًا ، ولسنا امام من يقول بخلق القرآن ! ونحن نعيش فتنة فصل الدين عن الحياة، وحبسه تحت قباب المساجد ، وحصره ببعض حصص مادة التربية الإسلامية في المدارس ، ولسنا في زمن جود بعض الإنحرافات في الفكر والسياسة والإقتصاد والإجتماع فحسب !؟

نحن أمة دلفت الى حالة التبعية والخذلان امام كل الأمم والشعوب ، ولسنا في وقت نبحث فيه عن ضعف الفتوحات ، وقلة الانتصارات !؟

وبعد: فالكتاب الذي بين يديك أيها الأخ الكريم ، يلقى الضوء على مشكلة الفاعلية عن المسلم المعاصر ، بذل فيه الأخ د. ابن عيسى باطاهر ، جهدًاُ طيبًا ، وارتاد ميدانًا قل سالكوه ، وقد جاء بحثه معتمدًا في غالب افكاره ومضامينه على كتابات الأستاذ المفكر / مالك بن نبى - رحمه الله - والذى يعتبر بحق أحد رواد هذا الميدان المبدعين - عفا الله عنه ، وغفر لنا وله - وشكر للمؤلف سعية وجهده.

لجنة البحوث

والدراسات الإسلامية

مقدمة

الحمد لله الذى انزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا ، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين وعلى آله صحبه الطيبين الطاهرين ، وبعد:

فإن الأمة الإسلامية تعيش الأن أزمة حضارية جعلتها تتخلف عن اداء دور الشهادة على الناس ، ووظيفة الإيمان والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، كما هيأها الله لذلك في قوله ( وكذلك جعلناكم امة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس) [ البقرة: 143] وقوله تعالى: كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) [آل عمران: 110] .

وهناك تحديات كثيرة تحاصر الأمة في هذا الواقع الجديد ، واسباب مختلفة تقف عائقًا امام استرجاعها لمركز الريادة من جديد ، وتبوئها لمكانة سامقة في هذا العالم المتغير ، بعد نزعها وخلعها للباس الغثائية الذى التصق بها منذ فترة من الزمن.

وهذه الدراسة تبحث في أحد الأسباب المساهمة في صحة الأمة وقوتها ، وهو ما يسمى بالفاعلية Efficancy وهى مبدأ حضارى قل او انعدم من مجتمعاتنا الإسلامية ، في حين اصبح على راس سلم القيم في المجتمعات المتحضرة.

وقد قسمت هذه الدراسة الى تمهيد وخمسة فصول ، تناولت في الفصل الأول مفهوم الفاعلية في اللغة والاصطلاح . محددًا مفهومًا جديدًا لها ، وبسطت الحديث في الفصل الثانى عن الفاعلية في التاريخ الإسلامى مركزًا على التفسير الإسلامى للتاريخ ، وقيمة الإنسان في الإسلام ، وفاعلية الرسول صلى الله عليه وسلم ، وفاعلية صحابته رضوان الله عليهم ثم تجدد الفاعلية عبر التاريخ الإسلامى.

اما الفصل الثالث فقد خصصته لبحث واقع الفاعلية في امتنا الإسلامية ، وذلك بعرض أبرز المعوقات التى تحول دون تحقيق شروط الفاعلية .

وأما الفصل الرابع فقد تناولت فيه مقومات الفاعلية ، وهى تمثل الطموح الذى نرجوه حتى تعود العافية الى الأمة . وأما الفصل الخامس فقد خصص لبعض التوصيات التى قد تفيد امتنا في واقعها المعاصر.

لقد تمت هذه الدراسة بعون الله وتوفيقه وهى - باعتبارها جهدًا بشريًا - بحاجة الى قدر من التمحيص والنقد حتى تستفيد منها مدارس التغيير التى تسعى لإنهاض الأمة عن طريق الخطاب الإسلامى المتكامل المؤصل اعتمادًا على منهج السلف في تلقى مصدرى الوحى ، الكتاب والسنة ، والتفاعل معهما ، لأعادة بناء الأمة المسلمة ودروها الريادى في القيادة من خلال إعادة تحكيم شرع الله سبحانه وتعالى في الحياة . والله الموفق الى الصواب.

وأنا سعيد الى الإشارة الى تلك الجهود والتوجيهات التى بذلها اخى وزميلى الدكتور (إبراهيم احمد العسعس ) فى إخراج هذه الدراسة في صورتها النهائية فجزاه الله خير الجزاء .

وختامًا أسأل الله سبحانه وتعالى ان يكون عملى المتواضع هذا خالصًا لوجه الكريم ، وأسأله ان يرزقنا السداد في القول ، والإخلاص في العمل ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

د. ابن عيسى باطاهر

عمان 15 / 8 / 1995م

تمهيد

يقرر المفكر الفرنسى الشهير ألكسيس كاريل Alexis karel أن الحياة جد وعمل ، وأن العضلات والأعضاء والذكاء والإرادة وكل اجزاء الكائن البشرى لا تقوى إلا بالعمل (25) . وحين صنف العالم الأمريكى مايكل هارت Micheal Hart كتابه المشهور (المائة الأوائل) جعل الرسول صلى الله عليه وسلم على رأس قائمة صانعى التاريخ في العصر القديم والحديث ، وقد استحق محمد صلى الله عليه وسلم هذا التقديم لتحقيقه شروط صناعة الحياة ، ومقاييس الريادة على المستوى الدينى والدنيوى ، وكان مقياس الفاعلية في الحياة هو المقياس الأساسى في التقويم (26) .

والأمة الإسلامية التى مارست دور الشهادة على الناس يومًا ما ، ورثت مقوم الفاعلية عن رسولها صلى الله عليه وسلم ، فكان أن دخلت التاريخ من ابوابه الواسعة ، وكونت حضارة متميزة في مستوياتها الدينية والدنيوية ، وقد عرفت بتقديرها للعمل ، وحرصها على النفع ، وتوجيهها للطاقات نحو عمل الخير ، فاستحقت بذلك التكريم الإلهى ( وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس) [ البقرة:143]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت