فهرس الكتاب

الصفحة 1587 من 1942

ومرت الأمة الإسلامية في دورتها الحضارية ببعض المعوقات التى جعلتها تتخلف عن اتجاهها الروحى ، وتتجه اتجاهًا عقليًا ، ثم انفصلت نهائيا عن دائرة العقل والروح لتهوى في مكان سحيق سيطرت فيه الغرائز والأهواء ، وتمثل هذه المراحل رحلة الحضارة الإسلامية منذ شروقها الى ان فتر توهجها ، وكاد ينطفئ سراجها ، ولكنها في كل الأحول خرجت من التاريخ لتترك زمام المبادرة لأمم أخرى عرفت كيف تستفيد من تراثها ، وتراث امتنا الإسلامية على وجه التحديد ، وعرفت كيف توجه سنن الله في الكون ، وعرفت قدر العمل ، وأهمية الفاعلية في البناء والتكوين ، فكانت بداية مدنية جيدة لكنها لم تحقق الضمانات الكافية لسعادة الإنسان في هذه الحياة.

والأمة الإسلامية مع هذا كله مازالت تسعى بشوق وتلهف الى ان تأخذ مكانها الريادى مرة أخرى ، وهى تبذل في سبيل هذا الهدف جهودًا كبيرة ، وتعمد الى وسائل مختلفة ، ولكن مع هذه النهضة التى عقبت النوم الطويل ما زال الجهد المقدم غير كاف ، وما زال الوهن يحد من الجهود الكثيرة ، ولا زالت ترى كثيرا من الطاقات المعطلة تحتاج الى توجيه وإرشاد.

وإن الدعاة والمفكرين ما فتئوا يشكون من مرض اللافاعلية الذى اصاب أبناء الامة الإسلامية فعطل من طاقاتهم ، وقلل من نشاطهم ، فهذا الشيخ (محمد الغزالى) - رحمه الله تعالى - ينقد حال الأمة قائلًا: ( إن الرجل عندنا قد ينال أعلى الأجازات العلمية في الطب او القانون ، وقد يعين في أعلى المناصب بأوروبا وأمريكا ، لكن صلته بدينه صفر ، وعلاقته بحنسه هواء ، على حين يكون زميله اليهودى كالإعصار في خدمة الصهيونية ، وزميله النصرانى أسرع من البرق في خدمة الاستعمار ، فهل هذا المسلم البارد الشعور ، أو المرتد القلب يجدى على أمته شيئًا . ، أنه كالجندى المرتزق بسلاحة يخدم أى مبدأ على ملء بطنه وإيثار عاجلته(27)

وهذا مالك بن نبى - رحمه الله - يأسف لواقع الأمة فيقول: (العالم الإسلامى لم يبلغ بعد درجة النشاط ، أو العمل الفنى الذى يعد وحده كفيلًا بتحديد مكانه في العالم الحديث الذى يحتل مبدأ(الفاعلية) اول درجة في سلم القيم ، وهذا المبدأ من أحوج الأمور بالنسبة لنا) (28)

ويقول ايضا: (ألسنا نشعر مثلًا بأن ديننا وهو أوضح - من حيث الصحة - من شمس النهار ، إنه الى حد ما وبسببنا نحن ، وبسبب تقاعسنا وتكاسلنا ونومنا في النهار فقد بعض صلاحيته(29)

ويقول محمد قطب: ( لقد وعت اوروبا ان الإنسان هو القوة العاملة في الأرض ، وان الطاقة البشرية هى أداة الإصلاح ، من اجل ذلك اتجهت هتمهم لتجنيد هذه الطاقة ، وتوجيهها الى العمل المنتج في واقع الحياة ، ووصلوا في ذلك الى درجة معجبة من النشاط والتنظيم والدأب المنتج المعجيب ، ذلك ما نسيه المسلمون اليوم وهم يتواكلون ويتقاعسون وينتظرون وهم قاعدون(30)

ويقول أيضًا: ( إن أمام المسلمين الكسالى اليوم قدوة في رسول الله تنفعهم إذا فتحوا لها بصائرهم ، وتدبروا معنيها ، إن عليهم ان يعملوا دائما ولا يكلو .. . يعملوا جهد طاقتهم ، وفوق الطاقة ليعوضوا القعود الطويل ، يعملوا في كل ميدان من ميادين العمل: في ميدان العلم ، وميدان الصناعة ، وميدان التجارة ، وميدان الاقتصاد ، وميدان السياسة ، وميدان الفن ، وميدان الفكر ) (31)

وتجمع أغلب الآراء على ان الخلل الذى اصاب الأمة الإسلامية في سعيها نحو النهضة والحضارة هو إنعدام الفاعلية وقلة النشاط والعمل ، وعدم الاستفادة من الوسائل المتاحة ، فلم يكن ينقص الفرد المسلم منطق الإخلاص بقدر ما كان ينقصه منطق العمل والحركة ، فهو يفكر ولكن لا ليجسد فكرته في عمل مثمر ، وإذا عمل لا يقدم الجهد المطلوب لتحقيق النتائج المرغوبة.

والذى يؤسف له ان وضع الأمة الإسلامية في قلة فاعليتهما - مقارنة مع غيرها من الأمم التى سلكت سبيل التحضر - قد عزى الى الإسلام نفسه كما ذهب الى ذلك المفكران الغربيان (رينان) و (لامانس) فقد قالا عن الإسلام: إنه دين الركود والتخلف ، ونسبا الفاعلية للأوروبيين (32) وهذا الرأى ليس غربيا كذلك على دعاة الحداثة والتغريب اليوم ، لأنهم ينظرون الى الإسلام من خلال معطيات الواقع الذى يعيشه المسلمون اليوم ، ومن خلال فهمهم للتفسير الإسلامى للتاريخ ، ونظرته الى الإنسان فالنظرة المتداولة عندهم هى ان التاريخ في نظر المسلمين هو قضاء وقدر ، وان الإنسان ريشة في مهب الريح لا يملك من امر نفسه شيئًا ، فكيف يملك صناعة التاريخ ؟!

والمتأمل في تاريخ الأمة الإسلامية يدرك ان كثيرا من هذه الأفكار القاتلة فد تسربت الى المسلمين منذ زمن بعيد ، وكان أن امتزجت بعقول وقلوب الناس مما ادى بعد فترة من الزمان الى هذا الانحصار الحضارى الذى نعيشه اليوم ، والى الابتعاد عن دور الشهادة على الناس ، وقد كان للاستعمار الذى عرفته الشعوب الإسلامية درو في بث الأفكار الميتة ، وبعث روح الهزيمة ، ومركبات النقص في النفوس ، مما ساهم في نقص الفاعلية عند ابناء الأمة ، غير اننا لا يمكن بأى حال ان نحمل الاستعمار تبعة ما نحن فيه ، لأن قضية الفاعلية قضية نفسية مرتبطة بالبناء النفسى والرؤية الحضارية عند ابناء الأمة ، فهى تقع حقيقة حيث تتحقق مبررات وجودها.

وإذا كانت الأمة الإسلامية قاطبة تتحمل مسئولية هذا العجز ، فإن الصحوة الإسلامية تتحمل جانباُ كبيرا من هذه المسئولية ، لأنها أخذت على عاتقها إعادة المشروع الإسلامى الكبير ، والعودة بالأمة الإسلامية الى ميدان الصدارة ، والسير من جديد في ركب الحضارة ، وكان ان تحملت مسئوليات جسام لتغيير الواقع بدءًا من تغيير النفوس ، ولكن عقبات الطريق ، وصعوبة المسلك ، وطبيعة التغيير النفسى ، كل هذه الأمور جعلت المشروع الحضارى الكبير يتأخر لأسباب كثيرة نعد منها قلة الفاعلية في اداء الواجبات المنوطة بعاتق العاملين للإسلام ، فلم تكن الاعمال الفردية والجماعية في مستوى الجهد المطلوب الذى ينبغى ان نصل إليه ، ولم تستخدم جميع الوسائل ، ولم تجند كل الطاقات للوصول الى العمل المثمر الناجح وكل ما تحقق ليس كافيا لإقلاع الحضارى ، وكان التخلف عن ادءا دور الشهادة على الناس نتيجة حتمية لعدم انسجامنا مع سنن التغيير المطلوبة ، قال تعالى ( ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) [الرعد: 11] وقال ايضا: ( يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا اتلله ينصركم ويثبت اقدامكم ) [ محمد:7]

فمبدأ الفاعلية في الفكر والعمل - الذى اصبح ظاهرة عند الأمم التى دخلت التاريخ الحاضرى - ليس مبدأ مناسبًا للإمكانيات المتاحة في العمل الإسلامى ، فالواقع يشهد بقلة الفاعلية ، والطموح ، في أن يصبح العمل عندنا قرارًا فرديًا وجماعيًا يصل الى أعلى درجات الحركة والنشاط.

أم المجتامع الإسلامى المعاصر إنما هو الآن في مرحلة ما قبل التحضر (33) غير انه مجتمع عرف الحضارة في يوم من الأيام ، وقد ورث تراثًا زاخرًا من الأفكار والثقافات ، واصبح مع هذه الظروف لزامًا عليه ان يعيد توجيه ثقافته من جديد ، وبناء قدراته وفق منهج مؤصل يجمع بين الأصالة والتجديد ، ويستفيد من تجارب الأمم المتحضرة التى ركزت على بناء الإنسان وتوجيه فكره وثقافته نحو الأهداف السامية للأمة ، وتعليمة لغة الفاعلية في التعامل مع الأشياء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت