فهرس الكتاب

الصفحة 1588 من 1942

إن العقيدة الإسلامية التى يعد بثها من أولويات العمل الإسلامى قد أخذت حيزًا كبيرًا في الأبحاث والدراسات ، مع ان حجمها يسير ، ولكنها للأسف لم تتحول الى قوة دافعة ، وحركة تصنع الأحداث ، ذلك ان التركيز لم يكن منصبًا على توضيح رسالة العقيدة بقدر ما انصب على بيان العقيدة في صورتها التجريدية ، مع ان العقيدة الإسلامية ينبغى لها ان تعرض في صورتها التجريدية ، وصورتها الحركية ، كى يصبح صاحب العقيدة إنسانًا ذا رسالة فعالة في التاريخ يستطيع من خلالها ان يسعى سعيًا دؤوبا نحو تحقيق وظيفة الشهادة على الناس.

والعمل الإسلامى اليوم ينطلق من مبدأ فهم الكتاب والسنة باعتباره المرجع الأساس في النظرية والتطبيق ، وباعتباره الدواء الحقيقى لجميع الأمراض التى لحقت بالأمة الإسلامية ، ومن هنا كان واجبًا عليه ان يستخلص من هذا الفهم طريقة المعالجة التى لا تأتى إلا من خلال العمل الدؤوب ، والفاعلية المتوقدة في جميع قطاعات الأمة ، وان تربى الناشئة على كيفية استثمار الوسائل المتوفرة لصنع شئ له قيمة في الحياة ، وكيفية التعامل مع الأفكار النافعة ، والأفكار القاتلة ، وإيجاد الإنسان الذى يفكر ليعمل ، لا ليقول كلامًا عاطفيًا لا يقدم ولا يؤخر شيئًا في عملية البناء والتغيير ، وعليه كذلك ان يربى ابناء الأمة على سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم التى اتسمت بالفاعلية في الفكر والعمل منذ اليوم الأول الذى سمع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم كلمة ( إقرأ ) التى تبعتها كلمة ( قم ) فكان ان مارس القراءة التى تعنى الفهم عن الله طيلة حياته ، وماس القيام يعنى التطبيق لهذا الفهم حتى التحق بالرفيق الأعلى ، يقول الرازى: ( إنه عليه السلام تحمل في أداء الرسالة انواع المشاق والمتاعب ، فلم يتغير عن المنهج ولم يطمع في مال احد ، وفى جاهه ، بل صبر على تلك المشاق والمتاعب ، ولم يظهر في عزمه فتور ، ولا ف اصطباره قصور ) (34)

وإذا كان الاستاذ مالك بن نبى - رحمه الله - يرى ان نقصان الفاعلية في العمل الإسلامى ناتج عن مواقفنا تجاه الأشياء فنحن إما ان ننظر إليها على انها سهلة وإما أنها مستحيلة وكلتا النظرتان تنقصان من الحركة والنشاط ، لأن السهولة تقود الى نشاط اعمى ، وأما الاستحالة فتصيب النشاط بالشلل (35) ، فنحن نرى ان نقصان الفاعلية ناتج عن اسباب كثيرة معقدة يتصل بعضها بالنفس البشرية وبالمحيط الذى تربت فيه ، وبالثقافة التى رتعت منها.

والفاعلية تتصل بداية بالبناء النفسى الذى تحتمه مبررات شرعية واجتماعية تجعل من الحركة والنشاط غاية أولى في السير نحو مثل أعلى تنوى تحقيقه ، ولكن مع صعوبة تدريب النفس على الفاعلية فإن تحقيق هذا الهدف ليس مستحيلًا في المجتمعات الإسلامية ، وبخاصة ونحن نرى نماذج للفاعلية تستحق الإشادة والتقدير في جميع الميادين الاجتماعية والعلمية والفكرية وغيرها ، وإن كان

طابع الفردية يغلب عليها ، ولا يمكن بأية حال تحقيق الأهداف الكبرى إلا بتضافر هذه الجهود الفردية لتصبح جهودًا جماعية تصب في المصلحة الكبرى للعمل الإسلامى.

الفصل الأول

مفهوم الفاعلية

1.الفاعلية في اللغة:

الأصل اللغوى للفاعلية هو الفعل (فعل) الذى مشتقاته (فاعل) و (فعال) والفاعلية مصدر صناعى ، اختاره مجمع اللغة العربية بالقاهرة ، للدلالة على وصف الفعل بالنشاط والاتقان (36) .

وورد في القرآن الكريم لفظ: (فعال) فى قوله تعالى ( فعال لما يريد) [البروج: 16] وهو اسم من اسماء الله الحسنى يدل على ان ما يريده تعالى وما يفعله في غاية الكثرة (37) ، وصيغ من هذا الاسم مصدر آخر هو (الفاعلية) الذى كثيرًا ما كان يتسعمله المفكر الإسلامى المعروف (مالك بن نبى) فى كتاباته.

ويبدو أن مصطلح (الفاعلية ) هو الأكثر استخدامًا وشيوعًا بين المثقفين ، ولذلك اخترناه على غيره في هذه الدراسة.

2.الفاعلية في الاصطلاح:

تقابل كلمة (الفاعلية) العربية كلمة ( Efficancy)

فى المعاجم الغربية وهى تتحدد عندهم بكونها وصفًا لكل شئ فعال (38) وجاء في كتاب البحث التحليلى لأوروبا ان الروح - ويقصد بها الفاعلية - هى ذلك الشعور الفردى في الإنسان الذى تصدر عنه مخترعاته وتصوراته ، وتبليغه لرسالته ، وقدرته الخفية على إدراك الأشياء (39)

ويعرف مالك بن نبى الفاعلية بأنها: حركة الإنسان في نصاعة التاريخ ، قال - رحمه الله - (إذا تحرك الإنسان تحرك المجتمع والتاريخ ، وإذا سكن سكن المجتمع والتاريخ ، وهذا يضعنى امام مشكلة تتصف تحت عنوان الفاعلية) (40) .

والفاعلية عند (مالك) هى جزء من الثقافة التى يتصف بها الفرد والمجتمع ، فعناصر الثقافة اربعة هى: المبدأ الأخلاقى ، والذوق الجمالى ، والمنطق العملى ، والتوجيه الفنى او الصناعة ، وتشكل هذه العناصر السلوك الاجتماعى للفرد في المجتمع ، والمنطق العملى هو الفاعلية في مستواها الفردى والجماعى يقول مالك بن نبى: ( لسنا نعنى بالمنطق العملى ذلك الشئ ) الذى دونت اصوله ووضعت قواعده منه ارسطو ، وإنما نعنى به كيفية ارتباط العمل بوسائله ومقاصده ، وذلك حتى لا نستهل او نستصعب شيئًا دون مقياس ، يستمد معايير من الوسط الاجتماعى وما يشتمل من إمكانيات ، وليس من الصعب على الفرد المسلم ان يصوغ مقياسًا نظريًا يستخرج به نتائج من مقدمات محددة غير انه من النادر جدًا أن يعرف المنطق العملى ، اى اتسخراج ما يمكن من الفائدة من وسائل معينة ونظرة الى ما حولنا تكفينا لكى نلاحظ ان ضروب نشاطنا غالبًا ما تتسم بالشلل وانعدام الفاعلية في الجانب الخاص والعام (41)

وارتباط الفاعلية بالثقافة هى حقيقة نشاهدها اليوم في البلاد المتحضرة حيث يوجه الفرد منذ نشاته الأولى الى الاستفادة من وقته ، واستثمار جميع الوسائل لاستخلاص الفائدة من الاشياء التى لها قيمة ، حتى اصبح ذلك سلوكًا اجتماعيًا يرتبط بجميع نشاطات الحياة.

ويعرف (جودت سعيد) الفاعلية بقوله: ( هى قدرة الإنسان على استعمال وسائله الآولية واستخراج اقصى ما يمكن ان يستخرج منها من النتائج(42) .

فالإنسان الفعال هو القادر على استخدام الوسائل المتوفرة مهما قل شأنها في صنع شئ له قيمة في الحياة وهذا مرتبط بالثقافة التى يحملها ، والفكر الذى يتبناه ، ولذلك حرص (جودت سعيد) على اعتبار الإنسان هو المحرك الأول للطاقات ، والإمكانيات التى يملكها ، واستند في هذا على منهج القرآن الذى فرق بين صنفين من البشر فقال تعالى ( أفمن يمشى مكبًا على وجهه أهدى أمن يمشى سويًا على صراط مستقيم) [الملك:23] وقال تعالى: ( وضرب الله مثلًا رجلين أحدهما ابكم لا يقدر على شئ وهو كلُّ على مولاه اينما يوجهه لا يأتى بخير هل يستوى هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم) [النحل:76]

فكلمة (الكل) هى الكلمة القرآنية المقابلة لمصطلح اللافعالية والسلبية ، بل كلمة القرآن أدل على هذا المعنى بحيث ان كلمة (الكل ) لا تدل على اللافعالية فحسب بل تدل على انه عبء على من يتولاه سواء كان فردًا او مجتمعًا ، كما وأن كلمة (العدل) فى القرآن تقابل مصطلح الفعالية بشكل أدق ، لأن الفعالية لا تشترط دائما ان تكون فيما بل قد يكون المرء فعالًا فيما يضر ، أما كلمة العدل ففعاليته فىالحق دائمًا (43)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت