فهرس الكتاب
فالفاعلية التى نريد هى الفاعلية التى يتحرك بها الإنسان مع ما لديه من وسائل أولية ليحقق نفعًا خاصًا أو عامًا ، وهذا هو المعنى الذى حرص عليه المنهج القرآنى ، وبيته أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، المذموم في الشريعة الإسلامية التى من ابرز مقاصدها درء المفاسد وجلب المنافع.
3.الفاعلية في مفهوم جديد:
إن الفاعلية هو نوع من القوة التى تمنح للإنسان ليتحرك في الحياة مبلغًا لرسالته ، وصانعًا لتاريخه ، وناشرًا لفكره ، ودينه يستفاد هذا من قوله تعالى ( يا يحيى خذ الكتاب بقوة) [مريم: 21] والقوة المراد بها قوة معنوية ، وهى العزيمة والثبات ، في العمل بالكتاب وحمل الأمة على اتباعه ، فقد أخذ الوهن يتطرق الى الأمة اليهودية في العمل بدينها (44) فأمر يحيى - عليه السلام - ونودى ليحمل هذه الأمانة فوة وعزم ، وبمفهومنا الحديث بفاعلية ونشاط حتى يحقق مراد الله تعالى.
ويبين الرسول صلى الله عليه وسلم هذه القوة في الحديث المشهور الذى رواه أبو هريرة - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( المؤمن القوى خير واحب اللى الله من المؤمن الضعيف ، وفى كل خير ، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز ، وإن اصابك شئ فلا تقل: لو أنى فعلت كذا وكذا ، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل ، فإن لو تفتح عمل الشيطان) (45)
قال النووى في شرح معنى القوة: ( المراد بالقوة عزيمة النفس ، والقريحة في أمور الآخرة ، فيكون صاحب هذا الوصف اكثر إقدامًا على العدو في الجهاد ، وأسرع خروجًا إليه ، وذهابًا في طلبه ، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، والصبر على الأذى في كل ذلك ، واحتمال المشاق في ذات الله تعالى ، وأرغب في الصلاة والصوم ، والأذكار وسائر العبادات وأنشط طلبًا لها ، ومحافظة عليها ، ونحو ذلك) (46) .
والحديث بجملته يتحدث عن فاعلية الؤمن وعلاقة هذه الفاعلية بقضاء الله وقدره وقد فسر الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الفاعلية بأنها الحرص على النفع وترك العجز بعد الاستعانة بالله تعالى ، ومن هنا يتحدد المفهوم النبوى للفاعلية بأنها العمل والحرص على ما ينفع ، وترك الكسل والعجز ، ومن هذا المفهوم تخرج كل المعانى الأخرى للفاعلية التى قد يستخدمها الإنسان في حركته نحو الفساد والإضرار بنفسه وبالآخرين ، كالفاعلية التى نراها عند يهود للإضرار بالإنسانية ، وعند غيرهم من الأمم والشعوب الكافرة.
ويمكن ان نصل الى مفهوم شامل جديد للفاعلية اعتمادًا على هذا الحديث فنقول: إنها قوة في النفس تستوجب الحرص على النفع وترك العجز.
الفصل الثانى
الفاعلية في التاريخ الإسلامى
1.التفسير الإسلامى للتاريخ
إن النظرة الإسلام الى التاريخ قضية ذات اهمية كبيرة في تحديد الموقف العملى للإنسان المكلف تجاه الأحداث التى يتفاعل معها كل يوم ، سواء أكان صانعًا لها بإرادته ام خاضعًا مستقبلًا لها دون اى تدخل من تلك الإرادة.
وأهمية هذه النظرة تكمن في ارتباطها بقضايا العقيدة وبخاصة عقيدة القضاء والقدر ، التى تشكل الأساس الفكرى الذى يحدد موقف الإنسان المسلم من العمل في الحياة الدنيا وتصوره للدائرة التى يمكل حرية التحرك فيها ، والدائرة التى لا يملك فيها اية إرادة للحركة والعمل .
إن عقيدة القضاء والقدر التى اختلف المسلمون - باستثناء سلفنا الصالح - في فهمها وتفسيرها ، كانت عنصرًا من عناصر الخلاف الذى استمر قرونًا وما زال مستمرًا الى الآن ، تعد من أهم الأسباب الموصلة الى تفسير التاريخ ، وفهم موقع الإنسان فيه ، وبناء تصور عنه يعطى للإنسان مكانة اللائق به كصانع للتاريخ ، ومساهم مساهمة حقيقة في توجيه الأحداث ، وأن هذا كله لا ينافى الإرادة الإلهية ، وسيرورة قضاء الله وقدره في هذا الكون .
لم يكن عدم فهم عقيدة القضاء والقدر فهمًا سلميًا سببًا في الخلاف الذى وقع بين المسلمين فحسب ، بل إنه ومع مرور الوقت اصبح يشكل اتجاهًا يبعث السلبية واللافاعلية ، والركون الى التواكل ، والتقليل من قيمة العمل ، وبخاصة ذلك الذى يتعلق بالأمور الحياتية المهمة ، كتلك التى ترتبط بمصير الأمة.
والخلل الذى وقع في فهم هذه العقيدة انعكست أثاره على الواقع العملى للمسلمين ، في فترات زمنية معلومة وبخاصة في العصر الحديث ، الذى عرف أشكالًا جديدة من التحديات الاستعمارية ، وانواعًا من الأخطار والمشكلات الحضارية ، واصبح المسلم مع هذا الفهم الخاطئ ينتظر الخوارق ، ويرنو الى المعجزات ليحل مشكلاته المستعصية ، وذلك بعد تقزيمة للبعد الايمانى ، وتشويهه لمفهوم العبادة ، وتجسد لديه المبدأ الحياتى القائل: ( آكل القوت وانتظر الموت) (47) وأصبح جزءًا من ثقافته.
ما هى النظرة التى يفسر بها الإسلام التاريخ اعتمادًا على عقيدة القضاء والقدر ؟ ، هل التاريخ في نظر الإسلام مجرد أحداث تتعاقب دون ان يكون للإنسان أية مساهمة في صنع او توجيه هذه الأحداث ؟ أم انه يشارك في صنعها مشاركة حقيقة ويكون مسؤولًا عنها ؟ وبعبارة أخرى هل التاريخ قضاء وقدر لا يد للإنسان فيه ؟ أم ان الإنسان هو المسؤول الحقيقى عما يجرى في التاريخ ؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تؤدى الى مواقف نظرية فحسب بل الى نتائج عملية تتصل بحركة الإنسان في هذه الحياة ، لأن التصور العقدى الذى سينبنى على هذه الإجابة سيكون له أكبر الأثر في تحديد الإرادة البشرية ، ومواقفها امام المشكلات التى تواجهها في الحياة ، وإن كان كثير من الناس يعتقدون ان هذه القضية هى قضية نظرية فلسفية ليس لها اى بعد اجتماعى ونفسى في الواقع ، وهى على العكس من ذلك قضية خطيرة لما ينبنى عليها من تصورات تحدد مواقف الإنسان وحركته في الحياة.
إننا إذا نظرنا الى التاريخ باعتباره مجرد حوادث تتعاقب دون ما ربط جدلى بينها ، فإن هذه نظرة تؤدى الى نتائج معينة ليست هى التى تنتج عن نظرنا إليه حينما نعتبره سيرًا مضطردًا تترتب فيه الحوادث ترتيبًا منطقيًا كما تترتب عن الأسباب مسبباتها ، فإن النظرة الأولى تؤدى الى تسجيل ما يضطرد من حوداث في انفسنا ، وفى مذكراتنا على انه من حكم القضاء والقدر اى من حكم لا يد للإنسان فيه ، ولا يسعه امامه سوى الإذعان ومسايرة الظروف أو كما يعبر البعض الاستسلام للواقع ، فهذه النظرة تجلعنا نطأطئ الرؤوس امام الأحداث لأن جهلنا بأسبابها ونتائجها يؤدى بنا الى ان نحنى لثقلها ظهورنا ، فإذا ما وضعتها عن ظهورنا يد الموت ألقتها على كاهل الأجيال من بعدنا . أما نظرتنا الثانية إليه فإنها بدلًا من ان تلقى على اكتافنا ثقل الأحداث ، تجلعنا نحدد إزاءها مسؤولياتنا ، فبقدر ما ندرك اسبابها ، ونقيسها بالمقياس الصحيح ، نرى فيها منبهات لإرادتنا وموجهات لنشاطنا ، وبقدر ما نكشتف من اسرارها نسيطر عليها ، بدلًا من أن تسيطر علينا ، فنوجهها نحن ، ولا توجهنا هى ، لأننا حينئذ نعلم ان الأسباب التاريخية كلها تصدر عن سلوكنا وتنبع من انفسنا (48)
إن الإسلام يفسر التاريخ تفسيرًا يتبوأ فيه الإنسان مكانة عظيمة ، باعتباره المنفذ الحقيقى لقضاء الله وقدره في هذه الأرض ، فالتاريخ هو صناعة بشرية بإرادة الله وعلمه وقدره ، والإنسان المستخلف في هذه الأرض مكلف بالحركة والنشاط وفق النواميس الإلهية حتى ينسجم مع الكون الذى من حوله ، وحتى يحقق وجوده كإنسان مستحق للتكريم الإلهى.