فهرس الكتاب

الصفحة 1590 من 1942

والمنهج القرآنى واضح في تحديد المسؤولية البشرية في صناعة التاريخ ، فقد بينت الآيات أن الإنسان خلق ليعمل وفق منهج محدد وضع له ، أما إذا تجاوز ذلك فسيكون مسؤولًا امام الله وامام التاريخ وأمام البشرية كلها لينال جزاء ما فعل قال تعالى: ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدى الناس ليذيقهم بعض الذى عملوا لعلهم يرجعون) [الروم: 41]

فهذا الفساد الذى ظهر على هذه الأرض وشمل برها وبحرها هو من صنع الناس ، لأنهم هم الخلفاء عليها ، وهم اصحاب الإرادات العاملة فيها ،إن كل ما على هذه الأرض من كائنات إنما تتحرك حركة منبعثة من طبيعتها التى اودعها الله سبحانه وتعالى فيها دون ان تخرج عليها ، وقوله تعالى: ( بما كسبت أيدى الناس ) إشارة الى ان هذا الفساد والاعوجاج الذى ظهر على هذه الأرض هو مما كسبته ايدى الناس ، فهو من صنعهم ، ومن فعل إرادتهم الحرة ، ولهذا فهم محاسبون عليه مؤاخذون به) (49)

ويشغل الحديث عن الأمم السابقة حيزًا كبيرًا في القرآن الكريم ، حتى إنه اخذ مساحة كبيرة تمثل الربع تقريبًا ، وذلك راجع لأهمية عرض أحداث التاريخ امام البشر لأخذ العبرة وربط النتائج بالأسباب ، والأشباه بالنظائر ، ولتوجيه الإنسان لمعرفة السنن الإلهية المضطردة في بناء الحضارات وخرابها ، وفى تقدم الأمم وتخلفها ، ولاعطائه الوقود الروحى الكافى كى يتحرك ويأخذ بالأسباب المتاحة ، والوسائل المتوفرة حتى يحقق مهمة الخلافة وعمارة الأرض التى كلف بها.

وكثيرًا ما يأتى قوله تعالى: ( تلك امة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون ) [البقرة:134] فى سياق السرد التاريخى لرسالات الأنبياء التى لم تعرف سوى العمل المتواصل ، والجهد المستمر ، تحقيقًا للنفع ، ودفعًا للضرر ، وربطًا للأرض بالسماء ، والمادة بالروح ، كما في قوله تعالى: ( وإذ رقع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل ربنا تقبل منا انك انت السميع العليم ) [البقرة: 127] ، وفى قوله تعالى: ( قل اتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا اعمالنا ولكم اعمالكم ونحن له مخلصون) [البقرة:139]

وتأتى كلمة الكسب وكلمة العدل وما كان في معناهما في سايق حيدث القرآن عن التاريخ لبيان الأهمية الكبرى للجهد البشرى في صناعة التاريخ ، ولإبعاد فكرة (الجبر) عن الناس حتى لا تأخذ طريقها الى عقولهم وقلوبهم ، فتبعث فيهم السلبية والركون ، وتكبلهم بأغلال العجز والقعود ، قال تعالى: ( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا إنى بما تعلمون عليم) [ المؤمنون:51] ، وقال تعالى: ( ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير وما اصابكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم ويعفوا عن كثير ) [الشورى: 29 -30] ، وقال تعالى ايضا: ( قالوا أوذينا من قبل ان تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم ان يهلك عدوكم ويتسخلفكم في الأرض فينظر كيف تعلمون ) [ الأعراف: 129]

فالتاريخ هو عمل وكسب ، وحركة ونشاط ، وهو سلسلة من الأسباب والأحداث التى تصنع بجهد البشر ، (وإن صنع الأسباب يكون بالاختيار لا بالحتم ، كما ان الإنسان حين يغفل عن سنن الله ، فإن سنن الله لا تغفل ان تأخذ طريقها دون شعور من الإنسان الغافل ، وحينئذ لن يتمكن الإنسان ان يرى للتاريخ أسبابًا وإنما يرى أحداث حتمية ، لا دخل لجهد الإنسان فيها ، فمن هذه النظرة تنشأ(القدرية) ، ويتبين مما قدمنا ان القرىن يؤكد تدخل جهد البشر في صناعة أحداث التاريخ ، بمقدار وضوح هذه الحقيقة في آيات القرآن فإنها غامضة بالنسبة للمسلمين (50)

يقول سيد قطب - رحمه الله - في التفسير الإسلامى للتاريخ: ( هو التفسير الذى جعل( الإنسان ) - ومن ورائه قدر الله - هو المؤثر الأول في خط سير التاريخ ، وفى الأطوار التى تنقلب فيها الحياة ، والذى يجعل كل تغيير وكل تطور إنما يبدأ أولًا في ضمير الإنسان وعقله ، ثم يتخذ طريقه للتحقق في عالم الواقع ، باعتبار أن الإنسان هو الكائن المستخلف في هذه الأرض ، الذى ينفذ قدر الله في الأرض ، وفى الحياة الأرضية من خلال نشاطه الشعورى والحركى . . . والدليل على هذا هو الواقع التاريخى الذى أنشأه الرسول صلى الله عليه وسلم (51)

وقال في مكان أخر مبينا أهمية الجهد البشرى في صنع التاريخ: ( هناك حقيقة أولية عن طبيعة هذا الدين وطريقة عمله في حياة البشر ، حقيقة أولية بسيطة مع بساطتها كثيرًا ما تنسى ، أو لا تدرك ابتداء . فينشأ عن نسيانها او عدم إدراكها خطأ جسيم في النظر الى هذا الدين: حقيقة الذاتية وواقعه التاريخى ، حاضره ومستقبله كذلك ، إن البعض ينتظر من هذا الدين مادام منزلًا من عند الله ، إن يعمل في حياة البشر بطريقة سحرية خارقة غامضة الأسباب ، ودون اى اعتبار لطبيعة البشر ولطاقاتهم الفطرية ، ولواقعهم المادى في أية مرحلة من مراحل نموهم ، وفى أية بيئة من بيئاتهم ، وحين لا يرون أنه يعمل بهذه الطريقة ، وحين يرون ان الطاقة البشرية المحدودة ، والواقع المادى للحياة الإنسانية ، يتفاعلان معه فيتأثران به - في فترات - تأثيرًا واضحًا ، على حين انهما في فترات اخرى يؤثران تأثيرًا مضادًا لاتجاهه . . . وحين يرون هذا فإنهم يصابون بخيبة امل لم يكونوا يتوقعونها ، أو يصابون بخلخلة في ثقتهم بجدية لمنهج الديتى وواقعيته ، او يصابون بالشك في الدين إطلاقًا، وهذه السلسلة من الأخطاء تنشأ كلها من خطأ واحد اساسى ، هو عدم إدراك هذا الدين وطريقته او نسيان هذه الحقيقة البسيطة الأولية(52) .

والقضية المهمة التى يشير إليها سيد قطب في ثنايا كلامه هى ان تعطيل الطاقة البشرية ، والتقليل من أهمية الجهد البشرى في صناعة التاريخ من شأنهما ان يساهما في إنعدام الفاعلية عند الناس وبخاصة أولئك الذين يحملون رسالة تغييرية حضارية لإسعاد البشرية.

إن فهم أحداث التاريخ بهذا التاريخ بهذا الشكل الذى يتدخل فيه جهد البشر ، يساهم مساهمة كبيرة في إيجاد شرط اساسى من شروط الفعالية ، وذلك لأن ذهه النظرة لا تؤدى الى نتائج نظرية فحسب ، بل تتداخل في تكييف سلوك الإنسان امام الأحداث ، وتضع الإنسان في المكان المناسب له في هذا الكون (53) .

وفى السنة النبوية منهج واضح يبين العلاقة بين التاريخ وحركة الإنسان فيه ، وعلى غرار القرآن الكريم يضع الرسول صلى الله عليه وسلم الإنسان في مكان يليق به كمستخلف في هذه الأرض ، ونراه يوجهه نحو العمل وبذل الجهد لصناعة التاريخ الذى يرضى عنه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وينهاه عن الكساد والتواكل ، والركون الى فلسفات العجز التى تفسر القضاء والقدر تفسيرًا خاطئًا يجعل الإنسان ريشة في مهب الريح ، جاء في صحيح مسلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذات يوم جالسًا وفى يده عود ينكت به ، فرفع رأسه فقال: ( ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار ) . وقالوا: يا رسول الله: فلم نعمل ؟ ألا نتكل ؟ قال: لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له ) (54)

وفى السنن انه ( قيل: يا رسول الله: أرأيت أدوية نتداوى بها ، ورقى نسترقى بها ، وتقاة نتقيها ، هل ترد من قدر الله شيئًا ؟ ، فقال:( هى من قدر الله) . ولهذا قال العلماء: ( الالتفات الى الأسباب شرك في التوحيد ، ومحو الأسباب أن تكون اسبابًا تغير في وجه العقل ، والإعراض عن الإسباب بالكلية قدح في الشرع) (55)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت