فهرس الكتاب
إن إنكار الأسباب الذى مؤداه التقليل من قيمة العمل هو قدح في الشرع كما يقول ابن تيمية - رحمه الله - وهو إضافة الى ذلك جهل الشرع يجلب عجزًا يقيد النشاط ويعطل الحركة ، ويؤدى الى فقد الوجود الاجتماعى ، روى ابو داود في سننه ان النبى صلى الله عليه وسلم قضى بين رجلين فقال المقضى عليه: حسبى الله نعم الوكيل ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم ( إن الله يلوم على العجز ، ولكن عليك بالكيس ، فإن غلبك امر فقل: حسبى الله ونعم الوكيل) (56)
فهذا الرجل الذى وجهه الرسول صلى الله عليه وسلم الى الاعتماد على وسائله المتاحة ، والتحرك ضمن الدائرة التى يملك فيها حرية الحركة باختياره وإرادته ، وأمره بترك العجز ، فإذا فقد هذه الوسائل بعد تقديمه للجهد والطاقة المطلوبين اصبح ضمن الدائرة التى يملك فيها حرية الحركة باختياره وإرادته ، وأمره بترك العجز ، فإذا فقد هذه الوسائل بعد تقديمه للجهد والطاقة المطلوبين اصبح ضمن دائرة أخرى لا يملك فيها سوى التسليم والخضوع لقضاء الله تعالى ، وفى هذا الموقف ينسجم قوله (حسبى الله ونعم الوكيل) مع عمله وفعله.
وروى ابو عبد الرحمن السلمى قال: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن ، كعثمان بن عفان ، وعبد الله بن مسعود ، وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلموا من النبى صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم بجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل ، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا (57)
لقد كان العمل عنصرا اساسيًا في التربية النبوية لكونه عاملًا يجسد القيم الى حقائق واقعية ، ولأهميته الأكيدة في عملية البناء والتكوين الحضارى ، ومن هنا حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على ربط المفاهيم بالعمل ، والعقائد بالسلوك ، وكان هذا كله منبثقًا من فهمه للمنهج القرآنى الذى يرى ان التاريخ صناعة بشرية بقضاء الله وقدره ، وأن الإنسان هو المنفذ الحقيقى للقضاء والقدر ، وأنه يجب عليه ان يعمل بفاعلية مع له لديه من وسائل لتحقيق المنافع ، وجلب المصالح التى يقتضيها الإستخلاف وعمارة الأرض.
2.قيمة الإنسان في الإسلام:
إن موضوع (قيمة الإنسان في نظر الإسلام ) له علاقة وطيدة بالموضوع السابق ( التفسير الإسلامى للتاريخ ) لأن صناعة التاريخ تقتضى وجود صانع فعال ، ومحرك رئيس للأحداث ، وهو الإنسان الذى يختلف حضوره الاجتماعى من مجتمع الى مجتمع ، ومن بيئة الى بيئة حسب تكوينه الثقافى ، وحسب التوجيه الذى يخضع له.
فالإنسان باعتباره صانعًا للتاريخ او باعتباره معطلًا له ، هو العنصر والمقوم الحضارى الأول الذى اهتمت به جميع الرسالات الروحية ، والفلسفات المادية قديمًا وحديثًا ، فهو البانى للحضارات ، والمؤثر الحقيقى في سير المدنيات ، وهو ايضا المتسبب الرئيس في جميع المشكلات التى تواجه الأمم والمجتمعات.
إن مشكلة كل شعب هى في جوهرها مشكلة الإنسان بالدرجة الأولى ( ولا يمكن لشعب ان يفهم او يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته الى الأحداث الإنسانية ، وما لم يتعمق في فهم العوامل التى تبنى الحضارات او تهدمها ، وما الحضارات المعاصرة ، والحضارات الضاربة في ظلام الماضى ، والحضارات المستقبلة إلا عناصر للملحمة الإنسانية منذ فجر القرون الى نهاية الزمن ، فهى حلقات لسلسلة واحدة تؤلف الملحمة البشرية منذ أن هبط آدم على الأرض الى آخر وريث له فيها ، ويا لها سلسلة من النور ، تتمثل فيها جهود الأجيال المتعاقبة في خطواتها المتصلة في سبيل الرقى والتقدم(58)
وإذا كان الإنسان هو المؤثر الحقيقى في سير احداث التاريخ ، فقد اختلفت المذاهب والنظريات الدينية والوضعية وغيرها من الفسلفات البشرية في كيفية التعامل مع هذا الكائن المتميز ، وكيفية توجيهه التوجيه الذى يحقق له قيمته الاجتماعية .
وتميزت النظرة الإسلامية عن غيرها من النظريات والمذاهب الأخرى ، حيث رأت في الإنسان كائنًا مستحقًا للتكريم الإلهى منذ الخلق الأول ، وكائنًا له قيمة في الحياة بما يقوم به من دور اجتماعى بناء يساهم في البناء الحضارى ، ويحقق السمو للنوع البشرى ، وإذا تخلف هذا الإنسان عن اداء دوره المنوط به فإن الإسلام ينزله من قمة التشريف والتكريم الى اسفل سافلين ، وهذا ما دلت عليه الآيات في قوله تعالى: ( لقد خلقنا الإنسان في احسن تقويم ثم رددناه اسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير منون) [ التين: 4 -6 ]
فالإنسان في نظر الإسلام له قيمتان: ( قيمته كإنسان ، وقيمته ككائن اجتماعى ، قيمة توهب له في طينته بما وضع الله فيها من تكريم ، وليس لظرف من الظروف ، ولا لأحد من الناس ان يغير منها شيئًا كما انه لا يمكن لآى ظرف ان يغير شيئًا من خصائص عينة الزنك ، وقيمة اخرى تعطى له بعمليات اجتماعية معينة ، تماما كما تعطى العمليات الصناعية لعينة من الزنك فيمتها العملية ، وبعبارة أخرى إن الأنسان يمثل معادلتين , معادلة تمثل جوهره كإنسان صنعه من أثقن كل شىء صنعه , ومعادلة ثانية ثمثله ككائن اجتماعى يصنعه المجتمع ؛ ومن الواضح أن هذه المعادلة الأخيرة هى التى تحدد فعالية الإنسان ، كإنسان في جميع أطوار التاريخ لا يتغير فيه شئ ، بل تتغير فعاليته من طور الى طور(59) .
إن القيمة الأولى هبة من الله , لكن ليس لها علاقة بفاعلية الإنسان في الأرض ، لأنها تمثل تكريمًا إلهيًا يعطى الإنسان الاستعداد الضرورى لأداء الدور ، ويبقى العمل بفاعلية لأداء هذا الدور منوطًا بالإنسان نفسه ، فقد خلق الإنسان مزودًا بالعقل ، ومسلحًا بالإرادة ، وفوق ذلك كله سخر له الكون ، ومهدت له الأرض ، ووضعت أمامه السنن ، كى يؤدى وظيفته ، قال تعالى: ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) [التين:4] ، وقال تعالى ايضا: ( ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم في البر البحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلًا ) [الأسراء: 70] ، وقال تعالى ايضًا: ( ولقد مكناكم في الأرض وجلعنا لكم فيها معايش قليلًا ما تشكرون) [الأعراف: 10]
أما القيمة الثانية فهى التى تزود الإنسان بالفاعلية والعزم لأداء دوره ووظيفته ، لأنها قيمة تتعلق بالرسالة الاجتماعية التى يقوم بها في الحياة ، ومن هنا قوم الإسلام الإنسان على أساسها ، وربط مصيره الدنيوى والأخروى بها ، قال تعالى: ( والعصر إن الإنسان لفى خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) [ العصر: 1- 3]
إن الإنسان من خلال هذه الأبيتا ليس له قيمة تذكر ، بل هو في خسر وضلال حتى يؤمن ويعمل صالحًا ويتزود بالأخلاق والقيم المشروعة ، وهذا كله يعبر عنه بالحضور الاجتماعى الذى يحقق مصلحة الإنسان ومصلحة مجتمعه ، فالإنسان مكلف بأداء رسالة في مجتمع ، وإذا تخلى عن هذه الوظيفة فقد أبرز المقومات في البناء ولن تفيده شيئًا في حياته ومسيرته الحضارية .