فهرس الكتاب
ويأخذ حديث القرآن عن رسالة المسلم الاجتماعية طابع التنوع والإسهاب ، لأهمية هذا المبدأ في بناء التصور الإسلامى عن الإنسان وعلاقته بالكون الذى من حوله ، فكثيرًا ما يعرض الإيمان مقروناص بالعمل ، والعقيدة ممزوجة بالسلوك ، ويرفع في اثناء ذلك من قيمة العمل الصالح الذى يمثل الوظيفة الاجتماعية ، ويجعله سببًا للنجاح الدنيوى والأخروى ، وأساسًا للاستحقاق والرفعة ، قال تعالى: ( كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف ، وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) [ آل عمران: 110] وقال تعالى ايضا: ( ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هو المفلحون) [ آل عمران: 104]
والمعروف في أعم صورة ، والمنكر في اشمل معانية ، يكونان جوهر الأحداث التى تواجه المسلم يوميًا كما يكونان لب التاريخ (60) ، ومن هنا حرص القرآن على تذكير المسلم برسالته دائمًا ، وحثه على اداء هذه الرسالة الاجتماعية بفعالية ليكون عنصرًا إيجابيًا يحقق الخير والنفع للبشرية في جميع مستويات الحياة ، قال تعالى: ( يا يحيى خذ الكتاب بقوة ) [ مريم: 12] وقال تعالى ايضا: (فاستبقوا الخيرات) [ البقرة:148] وقال تعالى ايضًا: ( وسارعوا الى مغفرة من ربكم ) [ آل عمران:133] .
وفى السنة النبوية أحاديث كثيرة تبين أهمية البعد الاجتماعى لدور المسلم ورسالته الحضارية ، فكثيرًا ما وجه الرسول صلى الله عليه وسلم المسلم لأداء وظيفته بتقديم الجهد المطلوب ، والعمل الصائب ، وفضل صلى الله عليه وسلم المسلم الفعال على المسلم غير الفعال ، قال عليه الصلاة والسلام: ( المؤمن القوى خير واحب الى الله من المؤمن الضعيف ، وفى كل خير ، أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز) (61) وقال صلى الله عليه وسلم: ( من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده ، فإن لم يتسطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان) (62)
وقيمة العمل في المنهج النبوى - أيضًا - لا تضاهيها قيمة ، لأن العمل هو الحركة في الحياة ، وهو الذى يجسد الحقائق النظرية في قوالب تطبيقية تعود بالخير والنفع على الإنسان ومجتمعه ، قال صلى الله عليه وسلم: ( مثل ما بعثنى الله به من الهدى والعلم ، كمثل غيث أصاب أرضًا فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلآ والعشب الكثير ، وكان منها أجادب امسكت الماء فنفع الله بها الناس ، فشربوا ، وسقوا ، وزرعوا ، وأصاب منها طائفة أخرى ، إنما هى قيعان لا تمسك ماء ، ولا تنبت كلأ ، فذلك مثل من فقه في دين الله ، ونفعه ما بعثنى الله به ، فعلم وعمل . . . ومثل من لم يرفع بذلك رأسًاًَ) (63)
وهو المنهج الذى تبناه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقد روى عن عبد الله بن عمر - رضى الله عنهما - أنه قال: كان الفاضل من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر هذه الأمة ، لا يحفظ من القرآن إلا سورة أو نحوها ، ورزقوا العمل بالقرآن ، وأن آخر هذه الأمة يقرأون القرآن ، منهم الصبى والأعمى ولا يرزقون العمل به ) (64)
ويظهر هذا المبدأ بوضوح في الحديث الذى رواه الإمام احمد في مسنده قال: ذكر النبى صلى الله عليه وسلم شيئًا فقال: ( وذلك عند ذهاب العلم) قلنا: يا رسول الله ، كيف يذهب العلم ، ونحن قرأنا القرآن ، ونقرئه أبنائنا ، وأبناؤنا يقرئونه أبنائهم ؟ فقال: ( ثكلتك أمك يا ابن لبيد ، إن كنت لأراك من أفقه رجل في المدينة ، أوليست هذه اليهود والنصارى بأيديهم التوراة والإنجيل ، ولا ينتفعون مما فيها بشئ) (65)
إن العجز المقصود في هذا الحديث هو (عدنم القدرة على الإفادة من المنهج النبوى ، في مجال التغيير والبناء الحضارى . . . والأزمة الحقيقة التى نعانى منها ، أو الأزمة الفكرية هى أزمة فهم عملى ، وأزمة تعامل مع قيم الكتاب والسنة ، وتحويلها الى برامج ، من خلال مسيرة السيرة النبوية ، أو بكلمة مختصرة: أزمة تعامل مع معرفة الوحى بشكل عام ، أو استيعاب المنهج النبوى في البناء والتغيير ) (66) .
والإنسان حين يفقد قيمته الإجتماعية يتحول من إنسان فعال ، الى كائن عاجز لا يحسن استثمار الوسائل التى بين يديه في تحصيل احسن النتائج ، لأنه فقد اساسًا حسن التعامل مع السنن الإلهية ، ويصبح حينئذ عالة على المجتمع (67) ، وهذا العجز هو الذى تشير إليه الاية القرآنية: ( أفمن يمشى مكبًا على وجهه أهدى أمن يمشى سويًا على صراط مستقيم) [ الملك: 22]
لقد ذكرنا - فيما سبق - أن البعد الاجتماعى في حياة الإنسان هو الذى يمنحه الفاعلية والتوتر اللازمين للقيام بدوره ورسالته ، فنراه ينقلب من إنسان خارج التاريخ الى إنسان صانع للتاريخ ، ويبقى السؤال الملح ، ما هى الظروف التى تجعل المجتمع يمنح الفرد القيمة التى تبعث فيه الفاعلية ؟
يقول مالك بن نبى - رحمه الله -: ( إن المجتمع يكون احيانًا في حالة ركود وكساد ، ولو أننا قد حللنا في مثل هذه الحالة الوضع النفسى الذى يكون عليه الفرد فإننا نراه يتمتع بصورة واضحة بشعور الاستقرار ، فلا يحتويه اى قلق ، وبالتالى فإنه لا يبذل أى محاولة لتغيير الوضع من حوله: إذ تسير الأشياء والحوادث دونما تدخل من إرادته ، وهنا يصبح التاريخ سيلًا يجرفه الى حيث لا يدرى مستسلمًا له الاستلام المطلق ، فإذا ما حدثت في المجتمع حالة جديدة غيرت هذه الأوضاع كلها ، فإن موقف الإنسان هنا يتغير امام الحوداث والأشياء ، وبالتالى يتغير مجرى التاريخ) (68)
وحالة القلق هذه التى يتحدث عنها مالك هى ظاهرة إيجابية ضرورية في اى إقلاع حضارى ، فهى تشبه التيار الكهربائى الذى ينطلق في الجهاز السليم فيبعث الحياة في كامل اجزائه ، اما كيف نصل الى هذا المستوى من القلق الذى سيكون سببًا في الفاعلية التى تشمل جميع افراد المجتمع ، فهذا ما سنحاول الإجابة عنه في فصل قادم - إن شاء الله تعالى .
ويبقى ان نشير الى ان السيرة النبوية تمثل نموذجًا لقيمة المسلم الفردية ، وقيمته الاجتماعية ، فالرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة لم يكن سوى إنسان ضال ، أى بلا رسالة في الحياة ( ووجدك ضالًا فهدى) [ الضحى:7] ، وأما ما ذكر التاريخ من قيم أخلاقية تجسدت في شخصه صلى الله عليه وسلم فلم يكن لها سوى بعد فردى ، لقد كان إنسانًا خارج التاريخ حتى إن كتب السير والتاريخ حتى ان كتب السير والتاريخ اعطتنا صورة مقتضبة لفترة تقدر بأربعين سنة ، بل انها في كثير من الأحيان تعجز عن ذكر أية أحداث خلال سنوات كثيرة من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم (69) ولا تحسبن ان هذا يعد نقصًا في السيرة النبوية ، ولا تقصيرًا من الناقلين والمؤرخين ، لأن السنن الإلهية تجعل ميلاد العظماء ساعة يحملون رسالة التغيير والبناء في الحياة ومن هنا يبدأ التاريخ.
لقد دخل الرسول صلى الله عليه وسلم التاريخ ساعة كلف بالرسالة فأصبح بذلك إنسانًا آخر يتحرك في مجتمع ، يربى ويوجه ، ويقوم ويبنى ، ويسعى بكل ما لديه من طاقة في سبيل تحقيق رسالته في الحياة ، قال تعالى: ( يا أيها المدثر قم فأنذر) [ المدثر: 1 ، 2] ، وقال تعالى: ( إنا سنلقى عليك قولًا ثقيلًا) [ المزمل: 5]
فالقيام لأداء اعباء الرسالة التى عبر عنها في الآية الكريمة بالقول الثقيل ، يحتاج الى جهد كبير ، وعمل دؤوب وفاعلية متوقدة ، وهذه هى الأبواب التى يدخل منها الى التاريخ.