فهرس الكتاب
وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم بعد حمل الرسالة مثالًا رائعًا للإنسان المستخلف ذى القيمة الاجتماعية التى تحقق الخير والنفع للمجتمع ، وللإنسان العامل الفعال الذى يعمل للدنيا والأخرة بثقة وعزم ، واضعًا امام عينية هداية السماء ، وإعانة الله ، وبين يديه اسباب النصر والنجاح ، حتى ترك لنا تاريخًا شهد له الأعداء قبل الأصدقاء بالفضل والخيرية ، واستحق صلى الله عليه وسلم بذلك تزكية الله له عل مر القرون والأجيال ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا) [الأحزاب: 21]
3.فاعلية الرسول صلى الله عليه وسلم
يعد الأنموذج الإسلامى الذى مثله الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده خير مثال يمكن ان تنطلق منه لتفسير الظروف الاجتماعية والنفسية التى حدثت لتلك الفئة المؤمنة ، في بيئة لم تكن تملك من مبررات الانطلاق ، وعوامل النهضة ، وشروط التحضر شيئًا ، حتى حدثت تلك ( الثورة) التى هزت المشاعر الجامدة ، وفجرت الطاقات المكبلة ، فانطلقت النفوس مزودة بفاعلية في الفكر والعمل لتغير مجرى التاريخ ، ولتمد الإنسانية بفيض من القيم المادية والروحية مشكلة الأنموذج الحضارى ، الذى يتطلع إليه كل إنسان سليم القلب والروح.
لقد كانت الفاعلية من أبرز الخصائص الإجتماعية والنفسية للمجتمع الإسلامى في تلك الفترة ، وكانت توجيهات القرآن ، وتطبيقات الرسول صلى الله عليه وسلم هى الوقود الذى يمنح النفوس المؤمنة تلك القوى الانفجارية التى غيرتها فجأة من حال الى حال ، من حال الركود الى حالة الحركة ، ومن حال الجمود والسبات الى حال العمل والنشاط.
وما من ريب أن تأثير القرآن كان له اكبر الأثر في حدوث التغيير الذى غير مسار التاريخ ، وبخاصة انه اختار الزمان والمكان المناسبين ، ونزل في بيئة تحترم الكلمة ، وتقدس الأدب ، فكان أن (سحر العرب منذ اللحظة الأولى ، سواء منهم في ذلك من شرح الله صدره للإسلام ، ومن جعل على بصره منهم غشاوة ، وإذا تجاوز عن النفر القليل الذين كانت شخصية محمد صلى الله عليه وسلم وحدها هى داعيتهم الى الإيمان في أول الأمر ، كزوجة خديجة ، وصديقه ابى بكر ، وابن عمه على ، ومولاه زيد وأمثالهم ، فإننا نجد القرآن كان العامل الحاسم أو أحد العوامل الحاسمة في إيمان من آمنوا أوائل أيام الدعوة(70) قال تعالى: ( وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورًا نهدى به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدى الى صراط مستقيم) [ الشورى:52]
وتسمية القرآن بالروح لها دلالات اجتماعية ونفسية ، على اعتبار ان الروح هى التى تمنح الحياة للجسد ،ولا قوام له إلا بها ، وكذلك القرآن الذى يبعث في النفوس روحًا فيهبها الحياة ويحييها من جديد ( أو من كان ميتاًَ فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشى به في الناس) [الأنعام: 122] الى جانب وجود الرسول صلى الله عليه وسلم الاجتماعى كان له دور كبير في إيمان واستجابة كثير من الناس قال تعالى: ( ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك) [آل عمران: 159] وقال ايضا ( محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم) [الفتح:29]
لقد كان صلى الله عليه وسلم بتطبيقه العملى لتوجيهات الوحى يعلم ان الرسالة التى كلف بتبليغها ، هى رسالة تحتاج الى جهد وعمل ، وقيام وحركة ، وعلم انه مسؤول عن التلبيغ ومقتضياته ، فلم يلبث ان تسلح بسلاح الفاعلية وانطلق بإيمانه وعقيدته يصنع التاريخ مع الفئة التى آمنت برسالته ، واقتنعت بمبدئه ، كانت الأهداف التى يصبو إليها صعبة المنال - بل مستحيلة في نظر العيان الساذج - ولكن صدق المبدأ ، وقوة الحرص عليه ، أبعدتا العجز والكسل عن ان يكون لهما طريق الى الحسن والشعور وبهذه الفعالية المكتسبة من تعلميات الوحى استطاع الرسول صلى الله عليه وسلم بتأييد من الله ان يحقق مع الفئة القليلة التى كانت معه النصر تلو النصر ، والنجاح تلو النجاح حتى ظن كثير من الناس ممن يجهل سنن الله في الكون ان الخوارق والمعجزات تدخلت لتعمل بطريقتها السحرة الخارقة في صنع الأحداث ، وتوجيه التاريخ ، الذى عرفته تلك الفترة من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم .
إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقدم سوى الجهد البشرى المطلوب ، ولم يعمل وإلا وفق سنة الله في التغيير والبناء ، فقد اقتضت هذه السنة أن من يعمل ويجتهد يصل الى شئ ( من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف إليهم اعمالهم فيها وهم فيها يبخسون) [هود: 15] . . وإن كانت سنته قد اقتضت كذلك ان يضيع هذا الشئ في النهاية ما لم يسر في الطريق الذى رسمه الله (71)
وقد تحدثنا ـ فيما سبق ـ أن الإسلأم يحرم الإنسان بقيمته الإجتماعية لإنه خليفة الله في الأرض , فكهذا اقتضت إرادة الله , وهكذا فهم الرسول عن ربه بأن الإنسان هو القوة العاملة في هذا الوجود , وهو الذى يغير الواقع , وهو الذى ينشىء النظم ويقوم الأوضاع , فهو القوة الإيجابية في الأرض ذات اللحظة التى يسلم كيانه كله لله , بل من هذا الإسلام الكامل لله , يستمد الإنسان طاقته الإيجابية كلها في الأرض (72) ومن هذا الفهم تكتسب صلى الله عليه وسلم فاعليته التى تجسدت في عمله الصائب المخلص.
إن المتأمل في السيرة النبوية في كل حلقة من حلقاتها يدرك مدى الجهد الذى بذله الرسول صلى الله عليه وسلم في سبيل انجاح رسالته ، وتجلى ذلك واضحًا في جميع المستويات الدينية والدنيوية ، قال الرازى: (إنه عليه السلام تحمل في اداء الرسالة انواع المشاق والمتاعب ، فلم يتغير عن المنهج البتة ، ولم يطمع في مال أحد ، وفى جاهه ، بل صبر على تلك المشاق والمتاعب ولم يظهر في عزمه فتور ، ولا في اصطباره قصور(73) .
وهذا هو الجهاد بمعناه الواسع الذى ورد في قوله تعالى: ( وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج) [الحج:78] ، وهو بمعنى: ( استفراغ الطاقة لتحقيق الأهداف التى توجه إليها الرسالة الإسلامية في ميادين الحياة الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية والعسكرية وغيرها في أوقات السلم والحرب سواء . . . فهو:( تكنولوجيا الإسلام) التى توفر العمل والإنتاج في أوقات السلم ، والمنعة في أوقات العدوان (74)
فالجهاد ليس مقصورًا على (القتال) فقط - وقد ترسب في اذهان كثير من المسلمين اليوم ان الجهاد هو القتال بالسيف - بل هو نوع من الفاعلية التى تشمل جميع ميادين الحياة ،وهو الشئ الذى تمثل في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، منذ اليوم الذى كلف فيه بأداء الرسالة ، يقول ابن قيم الجوزية - رحمه الله - في هديه صلى الله عليه وسلم في الجهاد: ( لما كان الجهاد ذروة سنام الإسلام وقبته ، ومنازل أهله أعلى المنازل في الجنة ، كما لهم الرفعة في الدنيا ، فهم الأعلون في الدنيا والآخرة ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذروة العليا منه ، واستولى على انواعه كلها ، فجاهد في الله حق جهاده بالقلب ، والجنان ، والدعوة ، والبيان ، والسيف ، والسنان ، وكانت ساعاته موقوفة على الجهاد بقلبه ، ولسانه ، ويده ، ولهذا كان أرفع العالمين ذكرًا ، وأعظم عند الله قدرًا(75)
ثم يتحدث ابن القيم عن جهاده صلى الله عليه وسلم خلال مسيرة الدعوة ، ويورد صورًا حية كثيرة تدل كلها على الفاعلية المتوهجة التى كان يتميز بها صلى الله عليه وسلم ومدى صبره وقوة بأسه في مواجهة المشكلات التى تعترض طريق الرسالة.