فهرس الكتاب

الصفحة 1580 من 1942

أما نظرية الأوتار الفائقة فقد نجحت في التوحيد بين صور القوى (الطاقات) الأربعة في عالمنا: الجاذبية؛ الكهرومغناطيسية؛ النووية؛ والنووية الضعيفة المتمثلة في الاضمحلال الإشعاعي، ونجحت هذه النظرية في التوفيق بين «نظرية الكم» و «نظرية النسبية العامة» في انسجام عجيب، وبحسب هذه النظرية فإن الكون ما هو إلا سيمفونية أوتار فائقة متذبذبة، والوتر المتذبذب يجعل الفضاء المكاني الزماني المحيط به يلتوي حوله، وبحسب هذه النظرية فإن الكون له عشرة أبعاد بالإضافة إلى البعد الحادي عشر وهو بعد صغير جدا.

وبحسب نظرية الأوتار الفائقة فإن الكون الذي نعيش فيه ليس وحيدا، وإنما هناك أكوان عديدة متصلة ببعضها البعض كالعنقود، ويرى العلماء أن هذه الأكوان متداخلة ولكل كون قوانينه الخاصة به، بمعنى أن الحيز الواحد في عالمنا قد يكون مشغولًا بأكثر من جسم ولكن من عوالم مختلفة، وقد يكون هذا صحيحا في التصور الإسلامي حيث نؤمن نحن المسلمون بالجن والملائكة الذين لهم طبيعة خاصة بهم تختلف عن طبيعة ما نعرفه في عالمنا المحسوس، ومشكلة هذه النظرية من المنظور الإسلامي أنها تقتضي ضمنيًا شركًا وكفرًا بوحدانية الله تعالى، على كل حال على العلماء المسلمين والعلماء الشرعيين أن يبينوا للناس وجهة النظر في كل هذه النظريات ذات الطابع الإلحادي المتمثل في الفوضى الكونية، والعشوائية للوجود الإنسانية، وأن الإنسان وباقي الأشياء ما هي إلا أوتار متذبذبة بترددات مختلفة ... الخ.

لذلك فإن الإلحاد المتمثل في الإعراض عن حقيقة الخالق العظيم لهذا الكون؛ والذي هو نتاج التفكير الضيق الذي يعتمد على الإدراك البشري المحدود بما توصل إليه العلم من اكتشافات؛ والذي هو نتاج التفكير العقلي المحدود بقدرة الإنسان على الإدراك، هو سبب التيه والضلال الذي يعاني منه البشر، ولقد ضل العلماء الغربيون وتاهوا بحثًا عن الوهم الإنساني القديم عن الخلود في هذه الأرض بدلًا عن الإيمان بخالق هذا الكون؛ لأن هذه الأرض ليست مكانًا لهذا الخلود ولا محلًا له، ولن تجدي الإنسان محاولة البحث عن حياة أخرى في هذا الكون؛ بسبب حاجزي الزمان والمكان، ولن يصل إلى أي شيء طالما تجاهل حقيقة أن الله وحده هو خالق هذا الكون، يقول تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} (يوسف: 105) ، {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} ، ومن يعرض عن آيات الله فمصيره التيه والضلال.

المحور الأول للإلحاد (نشوء الحياة صدفةً) :

اعتقد العلماء طويلا أن الحياة نشأت على الأرض في ظروف خاصة جدا وغير متوقعة، ثم اكتشف العلماء بعد ذلك أن الحمض النووي DNA - الذي لا تنشأ الحياة بدونه - لم يتكون في الأرض وإنما جاء من السماء، وأثبت العلماء وجود هذا الحمض النووي فعلا في السماء، ثم بدأ العلماء البحث عن كيفية وصول هذا الحمض النووي إلى الأرض، وفي العصر الحالي يعتقد العلماء الغربيون أن الشهب التي تأتي من السماء لتسقط على الأرض، هي التي أتت بالكربون والأكسجين والهيدروجين إلى الأرض، ثم كونت هذه المواد فيما بعد البروتين والماء، ثم تحول البروتين إلى الحمض النووي من نوع RNA ثم تحول هذا إلى حمض نووي من نوع آخر وهو DNA، وبحسب ما يقول العلماء الغربيون بدأت الحياة صدفة في لحظة غير متوقعة، حيث ظهرت أول خلية حية، ثم يمضي السيناريو قدما حسب نظرية داروين التي تدعي أن الإنسان إنما هو نتاج تطور الخلايا الأولى التي نشأت بالصدفة.

وهذا هو أسوأ محور للإلحاد في الحضارة الغربية، والله سبحانه وتعالى لا يخفى عليه هؤلاء العلماء، ولا يخفى عليه ما يضعون من نظريات لهذا الكون، إذ يقول سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (فصلت: 40) ، وأيضا {مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا} (الكهف: 51) ، والغريب أن المحطات الفضائية العربية لا تكف عن الحديث عن كل هذه النظريات وعن تطور الإنسان، بل وتعتبرها من المسلمات التي يجب أن نؤمن بها، وهنا يكمن الخطر على المثقفين وعلى الأجيال الناشئة الذين لا يعرفون - أو لا يلتزمون - التصور الإسلامي في هذه الأمور، مما يؤدي إلى تشكيكهم في دينهم وعقيدتهم الإسلامية، علمًا بأن نظرية التطور غير مسًّلم بها في الأوساط العلمية في العالم.

المحور الثاني للإلحاد (الثورة على السنن الكونية) :

تنظر الحضارة الغربية إلى الإنسان على أنه مجرد جسد تدب فيه الحياة، وأن هذه الحياة هي مجرد تفاعلات كيماوية تجري في خلايا الجسم، ويؤمن العلماء الغربيون بأن طريقة تطور الإنسان يمكن أن تأخذ أي شكل آخر غير الشكل الحالي، ولهذا فهم يعتقدون بأن تبادل الأدوار بين المرأة والرجل، أو توزيع هذه الأدوار بطريقة مختلفة هو شيء طبيعي، ومعنى هذا التمرد على الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وعلى السنن الكونية التي وضعها الله تعالى في هذا الكون، فالغربيون ينظرون إلى السنن الكونية على أساس أنها قوانين الطبيعة التي يمكن أن يفسروها بالقوانين والنظريات الفيزيائية، وبالتالي يمكن أن يثوروا عليها ويغيروها، ولذلك فهم يحاولون التخلص من مقتضيات الفروق البيولوجية بين المرأة والرجل، ليعيدوا توزيع الأدوار بينهما فيما يتعلق بالحمل والولادة والأمومة عند المرأة، وهم - بالفعل - يحاولون الحصول على طرق أخرى للتكاثر مثل أطفال الأنابيب، والاستنساخ، وغير ذلك.

وأخطر توابع هذا الإلحاد هو قيام العلماء الغربيين بإجراء التجارب على البشر بدون أي ضوابط أخلاقية أو إنسانية، فهم يحاولون - من خلال تعديل الجينات الوراثية - الحصول على كائن بشري ذي خصائص يطمحون في تحققها، ليستخدموا هذا الكائن البشري في الحروب وفي الاقتصاد، وغير ذلك من الأفكار الشيطانية، التي تهدف إلى الهيمنة على العالم، ويحاول العلماء الغربيون في هذا الوقت تخليق الأعضاء البشرية في مختبراتهم ليبيعوها إلى الشركات، ولا ندري كيف سيتم استخدام هذه الأعضاء! أضف إلى ذلك الآثار التخريبية التي تصاحب التجارب التي يقومون بها على البشر، وعلى سبيل المثال هناك من يعزو انتقال مرض نقص المناعة المكتسبة «الإيدز» من القرود إلى البشر نتيجة عن محاولة تلقيح بويضة امرأة أمريكية بنطفة قرد أفريقي مصاب بالإيدز، وفي كل هذا يقول الله تعالى عن اتخاذ الغرب الشيطان وليًا لهم من دون الله تعالى: {وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا} (النساء: 119) .

المحور الثالث للإلحاد (الفوضى الكونية) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت