فهرس الكتاب

الصفحة 1579 من 1942

كان الاعتقاد السائد أن الكرة الأرضية هي مركز الكون، والشمس كالكواكب الأخرى تدور حول الأرض، وبعد اكتشاف العالم الفلكي البولندي نيكولاي كوبر نيكوس (1473-1543م) الذي عكس النظرية، وأصبحت الشمس مركز الكون، والأرض كالكواكب الأخرى في الكون، التي تدور حول الشمس؛ هذا الانفجار العلمي غيّر الكثير من المفاهيم في عالم الفلك.

إن النظام الكوني في حالة توسّع وتغيّر مستمرين، وأول من اكتشف هذا القانون هو الفلكي الأمريكي (أدوين هابل) ، والعالم الفيزيائي الرياضي (ألبرت اينشتاين) (1879-1954) . أخذ بقانون (هابل) .

ومن ضمن الأسئلة التي تواجه العقل البشري كذلك: أيهما أعظم الإنسان أم الكون؟

فعملية الكون أقدم من عملية الإنسان: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [سورة غافر:57] .

التعمق في المسائل العلمية الكونية، واكتشاف أسرار الكون وفق القوانين الطبيعية من قبل العلماء في مختلف التخصصات مطلب ديني وحضاري وعلمي، لكن البعض يرفض ذلك بحجج واهية، كدخول الإنسان في عالم الشك والحيرة والتناقض، والحقيقة أن عمليتي البحث والتأمل تغذيان الإيمان والطمأنينة لدى الإنسان:

(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [فصلت:53] .

إن المتابع للحركة العلمية المهتمة بعلم الكون يجد أن الفيلسوف أكثر من غيره من المتخصصين في ميادين المعرفة غوصًا واشتغالًا في الأبحاث المرتبطة بالكون والإنسان والحياة والغيبي وغير الغيبي، أمثال فلاسفة اليونان أفلاطون وأرسطو وبطليموس وغيرهم من الفلاسفة، وأما الآن فأصحاب التخصصات الأخرى من الفيزيائيين والفلكيين، هم الأكثر بحثًا من غيرهم.

هذا الكون المتكامل والمتناسق في تراكيبه وصوره الرائعة وضوئه الساحر، ينتظر من العلماء والباحثين تقريب جماله وتناسقه وتراكيبه وصوره وسحره إلى العقل البشري أكثر، في الاجتماعات، والقاعات الدراسية، ووسائل الإعلام

محاور الإلحاد العلمي في الحضارة الغربية

العلم هو وسيلة للمعرفة بهدف الوصول إلى الحقيقة؛ لاستخدامها في مصلحة الإنسان في ظل احترام القيم والكرامة الإنسانية، وفي الحضارة الغربية نجد أن العلم يُعرِض عن الحقيقة الوحيدة التي يدل عليها وجود هذا الكون؛ وهي خالق هذا الكون وفاطره ومبدعه - سبحانه وتعالى، ويعتبر العلماء الغربيون أن الحياة في الأرض إنما نشأت بمحض الصدفة، وتبعًا لذلك فلا يوجد أي هدف محدد للوجود الإنساني في نظر هؤلاء العلماء، والأخلاق الإنسانية ليست مطلقة؛ بل هي خاضعة للمعرفة العلمية، ويعني ذلك إقصاء الدين عن الحياة وعدم الخضوع للأخلاق الإنسانية المبنية على الدين.

والعلماء الغربيون وغيرهم يعتمدون على العقل المجرد والتكنولوجيا التي توصلوا إليها وسيلةً وحيدة للبحث عن أسرار ونشوء هذا الكون وتفسير الوجود الإنساني، ونتج عن ذلك ظهور العديد من النظريات التي تتحدث عن نشوء هذا الكون، مثل نظرية «الانفجار الكبير» (Big Bang Theory) ؛ ونظرية «كل شيء» (Everything Theory) ؛ وأحدث نظرية كونية وهي نظرية «الأوتار الفائقة» (Superstring Theory) ، وكل هذه النظريات تحيد عن حقيقة أن هناك خالق عظيم لهذا الكون، وأنه سبحانه وتعالى واحد لا شريك له وقادر على كل شيء، وأنه لم يَخلق هذا الكون عبثا ولعبًا، وإنما خلقه لحكمة يعلمها هو سبحانه وتعالى.

ولقد احتارت عقول العلماء الغربيين في تفسير كثير من الأشياء، فالعقل البشري عاجز عن إدراك حقائق الكون، والعلماء - برغم هذا التطور الهائل في التكنولوجيا التي أوصلتهم إلى تحديد الخارطة الجينية للإنسان- يعجزون عن إدراك حقائق جسم الإنسان ونفسه، ويعجزون عن تفسير العديد من الظواهر البسيطة التي يدور رحاها في جسم الإنسان في كل لحظة. والعقل البشري - المحدود - إنما يتحرك ضمن نطاق القوانين الفيزيائية للعالم الذي نعيش فيه والذي استطاع الإنسان أن يتوصل إلى قوانينه بحواسه وبمساعدة التكنولوجيا التي صنعها، وكلما توفرت لدى العلماء أدوات تكنولوجية ومعرفية جديدة تعَّرف هؤلاء العلماء على المزيد من الحقائق المذهلة عن هذا الكون، وكلما أدى ذلك إلى زيادة علامات الاستفهام حول الكثير من الظواهر الكونية، مما يجعل العلماء في تعطش إلى المزيد من المعرفة والدراسة والبحث، وإعادة النظر فيما توصلوا إليه من نظريات علمية.

ولقد توصل العلماء إلى نظرية الانفجار الكبير بعد تحقق قدرتهم على تحليل ألوان الطيف وأشعة جاما، حيث اتضح للعلماء أن كل شيء في هذا الكون يبتعد عن كل شيء، فالكون يتسع باستمرار، وقد يكون هذا مطابقا لما جاء في لقرآن الكريم؛ حيث يقول الله تعالى: {وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} (سورة الذاريات: 47) ، ولكن لا بد من ملاحظة أن الاسم: «الانفجار الكبير» ، الذي اختاره العلماء لهذه النظرية هو اسم مُضلل، وفيه إلحاد بعلم الله وقدرته ودقة صنعه، فالانفجار يكون عشوائيا - هكذا يعتقد العلماء الغربيون - وبذلك فإن وجود ظروف مناسبة للحياة بشكل دقيق جدًا جاء من قبيل الصدفة، والأمر الآخر في التضليل هو أن الانفجار لا بد له من زمان ومكان، وحسب ما يقول العلماء فإن المكان والزمان وكل القوانين الفيزيائية هم جميعًا من آثار هذا الانفجار ومقتضياته، لذلك فإن القوانين الفيزيائية تتبدل وتتغير، كما يرى هؤلاء العلماء.

والعجيب أن العلماء المسلمين يستشهدون بنظرية الانفجار الكبير للتدليل على الإعجاز العلمي المتمثل في قوله تعالى: {أَولَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ} (الأنبياء:30) ، دون مراعاة لما تقتضيه هذه النظرية من إنكار لوجود الله تعالى، فلماذا لا يضع العلماء المسلمون التصور الإسلامي لنشأة الكون في ضوء ما توصل إليه العلم من حقائق ونظريات؟ وأقل ما يمكن أن يقوم به العلماء المسلمون هو تقييم هذه النظرية وأمثالها تبعاَ للتصور الإسلامي، ويمكن للعلماء المسلمين أن يقوموا بأكثر من هذا بكثير، فمثلا لو كانت الآية الكريمة المذكورة تتوافق مع نظرية الانفجار الكبير، فالأولى أن يسميها المسلمون «نظرية الرتق» بدلا من نظرية الانفجار الكبير المضللة.

والقوانين الفيزيائية التي عرفها الإنسان لا تستطيع تفسير العالم الذي نعيش فيه، ولكنها تعمل على وصفه، فهناك أسئلة عادية في مظهرها وليس لها معنى فيزيائيًا مثل: «ماذا كان يوجد قبل بداية الكون؟» أو «ما هو الحيز الذي ولد فيه الكون؟» ، وهذا ما تحاول أن تجيب عليه نظرية «كل شيء» التي تنص على أن كل شيء في هذا الوجود يمكن تفسيره بنظام (أو مجموعة مترابطة) من المعادلات الرياضية التي توحد بين الأشكال المتعددة للطاقة، وهذه النظرية تبحث عن الشرارة الأولى التي أحدثت الانفجار الكبير - على حد زعم العلماء، علما بأن المكان والزمان لم يوجدا قبل المادة، وإنما وجدا بعد خلق هذا الكون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت