فهرس الكتاب

الصفحة 642 من 1942

لهذا أخفقوا بدرجة (امتياز) في استمالة جماهير الأمة نحو مشاريعهم الحضارية أو برامجهم التنموية، وشواهد الإخفاق حاضرة مع الاختبارات الأولى لهم، فالذي ينادي ب (الديمقراطية) ثم ينقلب عليها لأن صناديق الانتخابات (لفظته) ، حتى اتهم شعبه بالجهل وعدم النضج .. كيف يكون ديمقراطيًا أصلًا ؟

والذي يدعو لتحرير المرأة من قيد (الأصولية) الإسلامية، كيف يحارب الوصاية الفكرية وهو يخلصها من القيد ويرميها بوحل التغريب، كي تكون مسخًا للمرأة الغربية في طريقة التفكير وأسلوب الحياة، ولك أن تعجب عندما شنوا حملة فكرية شعواء على الشيخ الهلالي مفتي أستراليا على خلفية تصريحه (اللحم المكشوف) عن النساء العاريات، لأن هذا تعدٍّ على الآخر لكنهم صمتوا صمت القبور على تصريح أحد وزراء الثقافة العرب ضد الحجاب واعتبروه رأيًا يدخل في حرية التعبير.

يسفهون خصومهم من الإسلاميين لأنهم يمجدون التاريخ الإسلامي ويستلهمون منه نظرتهم للمستقبل، ولكنهم لا يفعلون ذلك مع غيرهم الذين يمجدون الإغريق ويتعلقون بآخر حرف كتبه أحد فلاسفة اليونان وهو على فراش الموت عن وحدة الوجود، لأن المعين بالنسبة لهم واحد، خاصة وأنهم رضعوا موروثات الحضارة الإغريقية ثم قفزوا إلى مائدة الحضارة الغربية فتغذوا على أيدي التنوير وموائد الاستشراق، وخلال هذه القفزة كانت قطيعتهم مع الموروث الديني والشاهد التاريخي، الأمر الذي أوجد لديهم قدرة عجيبة ونفسًا طويلًا في جلد الذات العربية والتشكيك في الحضارة الإسلامية والطعن في تاريخ الأمة.

أما (الإقصاء) فهو الشماعة التي يعلقون عليها (انحسار) مدهم الفكري إلى المنصات التي يتحدثون منها في الندوات الفكرية والملتقيات الأدبية، لذا هم يحفلون بأي نظام يقصي الإسلاميين عن مراكز السلطة أو دوائر صنع القرار أو منابر مخاطبة الجماهير، لأن المبرر أن الإسلاميين إذا وصلوا فصلوا.

يتحدثون كثيرًا عن (الحرية الفكرية) التي تتعارض تمامًا مع سياسة (تكميم الأفواه) ، غير أنهم لا يجدون بأسًا في تكميم أي فم لا يتحدث بخطابهم الليبرالي، لأن أي خطاب ما عدا خطابهم هو خطاب (متطرف) يستلزم تكميمه أو سحقه إن لزم الأمر، لدرجة أن بعضهم يبرر عدم التسامح مع أتباع التيار الديني لأنهم أعداء التسامح! وينادي بالمنطق العقلاني في تناول الأمور ويشدد على الواقعية في تصور الأشياء والحكم عليها إلا مع الإسلاميين لأنهم جميعًا متطرفون ومشاريع جاهزة للإرهاب، وعليه لا تجد في قواميسهم إلا القنوات الفضائية الإسلامية التي يتحدثون عنها ويحذرون منها ويشنعون عليها ويرمونها بكل نقيصة، دون الموازنة وفق المنطق المتبصر عن العهر السياسي والأخلاقي الذي تمثله قنوات تتبنى الطرح الليبرالي.

بعد هذا كله.. هل يمكن تصديق الخطاب الليبرالي الذي ثبت أنه يعيش أزمة حقيقية، أو هل يمكن الوثوق بالليبراليين أو على أقل تقدير التلاقي معهم على أرضية مشتركة، خاصة وأن عدد المنصفين منهم يكاد لا يتعدى أصابع اليد الواحدة ؟

ربما.. وهو بعيد الاحتمال، ما لم تكن هناك مكاشفة فكرية حقيقية معهم، تدفعهم نحو تبني مواقف عاقلة وقراءة الأحداث قراءة واعية تسهم في تخفيف حدة الغلو في خطابهم الذي بات مكشوفًا على كل الصعد والمجالات الحياتية ، فلعل فيهم بارقة أمل للعلاج حتى لا نضطر يومًا إلى إنشاء وكالة غوث الليبراليين، بسبب أنيميا الفكر وهزال الوعي ، إذا كنا بالفعل نبتغي (وحدة الصف) وننشد (إصلاح الفكر) ، خاصة وأن الإسلاميين قد تجاوزوا إشكالية نقد الذات مع واقع مراجعة خطابهم ورفض الغلو فيه والدعوة للتجديد الديني، والوقوف في وجه المتطرفين منهم ونقد منهجهم بأدوات الفكر الإسلامي ونصوصه الدينية المقدسة، إضافة على دورهم الفاعل والرئيس في فضح دعاوى الإرهابيين ونقض حججهم الدينية.

المصدر: جريدة الجزيرة السعودية

العولمة الثقافية لا تقل خطورة عن الإرهاب

د. أميمة بنت أحمد الجلاهمة

أكاديمية سعودية .. جامعة الملك فيصل الدمام

إن اهتمامنا عند الحديث عن التحديات المعاصرة التي تواجه أمتنا الإسلامية، وعن ضرورة مواكبة مناهجنا لهذه التحديات، لا تتحقق الغاية منه بمعالجة أحد الجانبين دون الآخر، ولو فعلنا فسنصل بمجتمعاتنا إلى المهالك

بما أن النية لم تكن قد توجهت للكتابة فيما أنا بصدده كان لابد من إيعاز الفضل لأصحابه، فلقد توقفت عند اهتمام الصحف المحلية بما دار في افتتاحية المؤتمر السنوي الذي تنظمه رابطة العالم الإسلامي، والذي تمت تسميته بـ (مناهج العلوم الإسلامية) ..

لقد تأملت الكلمات التي ألقيت يوم الافتتاح، وعاودت تأمل محتواها مرات عدة، لأنتهي بعد هذا كله لحالة من الذهول، حالة أصبحت هذه الأيام ترافقني كظلي، فقد لا أفهم كيف هذا؟.. ولم كان ذاك؟.. ولكني بالتأكيد أفهم ما علينا فعله تجاه ديننا ثم أوطاننا.. فالأمانة تجاههما لا تتجزأ ولا يتأتى لها ذلك.. وبالتالي كان من الطبيعي عدم تمكني من التغاضي عن النقص الذي وصل إلينا في كلمة الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الأستاذ الذي أعتز به وبعلمه معالي الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي، وكلمة مفتي عام المملكة ورئيس المجلس التأسيسي للرابطة سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ، فكلا الكلمتين - وكما وصلتا إلينا عبر الإعلام المقروء - تحدثت عن التحديات الداخلية التي وصمت أمتنا إلا سلامية بالإرهاب، وعن كيفية فهم حقيقة الدين الإسلامي كما ينبغي لنا أن نفهمه، وعن دوره وتعاليمه في تدعيم الحضارة الإسلامية، إلا أن كلا من الكلمتين غضت الطرف عن تبيان أهمية وضرورة رعاية مناهج العلوم الإسلامية في عالمنا للتحديات الخارجية، والتي تحاول التربع على حياتنا الاجتماعية والاقتصادية مرورا بحياتنا السياسية، بل حتى الدينية، تحديات لا تقل أهمية عن تحدياتنا الداخلية.. بأي حال من الأحوال.

وفي هذا الصدد أدعو المولى سبحانه أن يكون ما وصلنا من كلمتيهما ناقصا، إذ كيف لهذين الشخصيتين الإسلاميتين العالميتين التغاضي عن هذه الجزئية الهامة في مؤتمر عالمي إسلامي، تم تخصيصه للحديث عن (مناهج العلوم الإسلامية ) ..

إن الكلمة التي أراحت فوادي وهدأت من روعي وأنا أتابع الكلمات التي ألقيت يوم الافتتاح كانت كلمة خادم الحرمين الشريفين، فقد توقفت عند بيان خطورة التحديات الداخلية والخارجية ولم تبخس حق أي منهما من الاهتمام..

ولأن المسلمين وغيرهم يتطلعون لما يصدر على لسان الملك عبدالله بن عبدالعزيز بحكم كونه خادم الحرمين الشريفين، وبحكم كونه ولي أمر وطن اختصه الله سبحانه بثروات طبيعية حيوية، لهذا كله اخترت التوقف معكم عند أهم معالم كلمته تلك، فقد جاء فيها ما يلي:

* إن العلوم الإسلامية هي المواد التي تصاغ منها الشخصية الإسلامية الفردية والجماعية، فتحدد.. هويتها ووجهتها.

* كل أمة على وجه الأرض من حقها أن تنقل المبادئ الأساسية لثقافتها وحضارتها إلى الأجيال المتلاحقة عبر وسائل التعليم والتربية.

* من حقها أن تكفل الحماية لتلك المبادئ من الانتهاك والتعدي عليها وبشتى وسائل الحماية ومن خلال ما ترسمه من نظم وتشريعات أساسية وثانوية.

* يواجه العالم الإسلامي اليوم تحديات جسيمه، ما فتئت تتعاظم وتلقي بانعكاساتها الوخيمة على الأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية، مما أضعف الأمة الإسلامية في العالم المعاصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت