الناشر ... المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء
الطبعة ... الطبعة الأولى، 2005
الصفحات ... 319 صفحة
لا يخفى أن لكل زمان أسئلته التي تخصه، كما أن واجب كل أمة كائنة من كانت أن تجيب عن هذه الأسئلة، والأمة بحق هي التي ترقى بالجواب إلى رتبة الاستقلال، وإن للأمة الإسلامية جوابها الخاص عن أسئلة زمانها، وروح الجواب الإسلامي يتجلى في حقيقتين هما: الإيمان، ويُتوصّل إليه بالنظر إلى الآيات، أي بالنظر الملكوتي بوصفه مؤسسًا للنظر الملكي، والحقيقة الثانية هي التخلق، أي بالعمل التعارفي بوصفه مؤسسًا للعمل الإسلامي، أي أن خصوصية الجواب الإسلامي تتحدد باختلافية إيمانيتها أشمل إيمانية، وأخلاقيتها أكمل أخلاقية.
التعددية القيمية والنقد الإيماني
إن التعددية القيمية اتجاه ذو تأثير بالغ في الفلسفة الأخلاقية والسياسية المعاصرة؛ إذ يؤكد هذا الاتجاه على مكانة القيم في الحياة الإنسانية جاعلًا منها المقومات المعنوية التي بوجودها تصلح هذه الحياة وتطيب، على أن أهم خاصية تتميز بها التعددية القيمية أن القيم الأساسية التي تنبني عليها الحياة الطيبة تكون متعارضة أو متنازعة أو حتى متصادمة فيما بينها، ويعود هذا التصادم القيمي إلى أسباب تطبيقية كالنقص في المعلومات أو الاعوجاج في الاستدلالات، كما لا يرجع إلى ارتباط هذه القيم بذات الإنسان؛ إذ إنها تعد القيم أذواقًا ومشاعر خاصة، بل يرجع هذا التصادم إلى كون العلاقة بين القيم تتصف بصفتين: التغاير أي أن القيمتين لا تقبلان مقايسة مقارنة بالأخرى، والتباين المنطقي.
أما الظروف الموضوعية التي ارتبطت بالتعددية القيمية فهي ظرف حداثي"تعقيل العالم"التي قامت على مبدأ التعارض بين العقل والدين، وأفضى هذا التعارض إلى التسيّب العقلي، وظرف أيديولوجي"تمكن الليبرالية"و الليبرالية هي الفكرانية السياسية التي تطالب بمجال واسع لممارسة الأفراد لحرياتهم دون تدخل بعضهم في أفعال بعض، وكذا لتحقيق تصوّراتهم للحياة الطيبة دون تدخل الدولة إلا بما يحفظ الحريات، والليبرالية احتضنت التعدديّة القيمية احتضانًا يقويه كونها تنبذ كل تأسيس لمبادئ التجمع السياسي على مقصد غيبي للعالم، كما ينبذه مظهر العقلنة الذي تجلت به الحداثة، فالليبرالية قامت على مبدأ التعارض بين السياسة والأخلاق، وأدى هذا التعارض إلى التسلط السياسي، والظرف الأخير هو ظرف إستراتيجي"صدام الحضارات"وهي ظرف مزدوج: تصارعي تعايشي، قام على مبدأ التطابق بين الثقافة والأخلاق، وأدى هذا التطابق إلى التطرّف الثقافي.
وقد تعامل الليبراليون مع ظاهرة تصادم القيم بطرق متعددة، مثل التقرير، أي نقرر من القيمتين أيهما يصلح لأن يكون موضع التحقيق، فلا مفر من أن نختار إحداهما على وجه التحكم، وطرق التدليل، ويقوم على مبدأ التعميم، فلا يصح الحكم القيمي بغير إجماع، ومبدأ المناظرة فلا يصح الحكم القيمي إلا إذا اتفق عليه جميع الأشخاص المتناظرين، وطريق التفريق، الذي يقضي بأن لكل شخص الحق في التمتع بأكبر قدر من الحريات الأساسية موافق للقدر الذي يتمتع به غيره، وبأن الفروق الاجتماعية والسياسية تتعلق بوظائف وأوضاع متاحة للجميع، والفروق تحقق أكبر فائدة للفئات المحرومة, وطريق التجميع الذي يتمثل في وجه كثيف يخص كل أمة على حدة، ووجه لطيف يشترك به أفراد الإنسانية جميعًا.
أما مسلمات النقد الإيماني فتنطلق من أن الأخلاق مستفادة من التعددية القيمية الدينية، وهي تدور على الخير والشر، وأن أفعال الإنسان كلها أفعال خلقية، أفعال قريبة لها ظاهر معنوي، وأفعال بعيدة لها ظاهر مادي، والأخلاق على ضربين: أخلاق على طريق العمل التعاوني، وأخلاق على طريق العمل التعارفي، كما أن الثقافة على ضربين: الثقافة المنفصلة التي تضم القيم التي تم فصلها عن الآيات في الوجود أو عن الفطرة في الإنسان، والثقافة المتصلة التي تضم القيم التي تحفظ صلتها بآيات الوجود وبفطرة الإنسان.
الواقع الكوني وتدمير القيم الإسلامية
ظلت الأمة المسلمة، منذ فجر"الواقع الكوني"مع فترة الاستعمار الاستيطاني الأوروبي إلى طوره الأخير المتمثل في"العولمة"، والذي يشهد ظهور الاستعمار"الإمبريالي"الأمريكي، تتعرض لمفاسد ثقافية أو قيمية متفاحشة تحرمها من حقها في الاختلاف الفكري الثقافي. عن طريق الاستتباع الثقافي الذي يخضع الشعوب المسلمة لسياسات تربوية وتعليمية تعزز سلطانه، وتنال من القيم الإيمانية والأخلاقية التي تحملها ثقافات هذه الشعوب، وتجعل هذه الثقافات تنزوي وترضى بوضع لا يتعدى"الطقوس الشكلية"أو"التقاليد الشعبية"، وعن طريق التخريب الثقافي الذي يرمي إلى نسف قيم الثقافة الإسلامية بكل الوسائل مثل: التشكيك في الثوابت العقدية في الدين الإسلامي، والتطاول على مقدساته بدعوى تحري النزاهة والموضوعية، وكذلك الطعن في الحقائق التاريخية التي تعلقت بالحضارة الإسلامية، التخويف من الإسلام بأنه دين إرهاب ودين تطرف، ودين كراهية للغرب، والتنميط الثقافي، أي فرض رؤية الواقع الكوني الخاصة ومعاييره الثقافية على باقي الأمم، دعمًا لهيمنته الاقتصادية المتمثلة في السيطرة على رؤوس الأموال والأسواق التجارية والشركات العالمية، والتلبيس الأخلاقي، فقد قام الواقع الكوني بقطع صلته بالأسباب الروحية للأخلاق والعمل على مبدأ الاشتغال بالإنسان وترك كل اشتغال بالله، والتوسل بالعقل، ومبدأ اعتبار الدنيا، وترك اعتبار الآخرة، ومعلوم أن القيم الإيمانية العظيمة هي"الله"و"الوحي"و"الآخرة".
فالعالم الإسلامي يعيش اليوم واقع التصدع الثقافي، والذي يتخذ الازدواج بين ثقافة المستعمر وثقافة الأصل، والازدواج بين الحداثة والأصالة، والازدواج بين الإسلام والغرب، والازدواج بين الماضي والحاضر، والازدواج بين القومي والعالمي.
وحتى نستطيع درء المفاسد السالفة، فيجب درء الاستتباع الثقافي عن طريق التحرر والتكافؤ والإعداد الثقافي، ودرء التنميط الثقافي عن طريق التعارف والتكامل الثقافي، ودرء التلبيس الأخلاقي في تديين وتخليق الثقافة بالمعايير والقيم الإسلامية.
صدام الثقافات
إن مفهوم صدام الحضارات أو صدام الثقافات لم ينتجه واقع علاقات أمم ببعضها بل أنتجته ثقافة واحدة، هي الثقافة الغربية أي الأمريكية-الأوروبية، التي أضحت ثقافة الواقع الكوني، والصدام هنا الثقافة الغربية، والمصدوم هو باقي الثقافات، وقد استقر رأي الثقافة الغربية على أن قيم"الأمة المسلمة"مخالفة لقيمهم الكونية، ومقاومة لإرادتهم في تعميمها على باقي الأمم، فقرروا تدمير القيم الإسلامية بمختلف الوسائل، غير أن الواقع الكوني لا يصدم ولا يهدم القيم الإسلامية إلا على أساس مسلمة أن قيمه الكونية أفضل من القيم الإسلامية التي تزن الأفضلية بميزان القوة لا بميزان الحق.
وتتكون البنية الرئيسية للمسلمات الأخلاقية في البيان الأمريكي من مبادئ خمسة هي: مبدأ التساوي في الكرامة، ومقضتاه أن جميع الناس يولدون أحرارًا ومتساوين في الحقوق، ومبدأ دور الحكومة أن الذات تشكل أساس المجتمع، ودور الحكومة هو حفظ ورعاية ظروف الازدهار، ومبدأ طلب الحقيقة، ومبدأ الاختيار الديني، ومقتضاه أن القتل باسم الله يضاد الإيمان بالله.