مقنعًا، وقد يبرز من بين هذه سؤالان أساسيان، يمضي أحدهما صوب المستقبل لكي يتابع طبيعة المتغيّرات التي يمكن أن تتمخّض عن أي محاولة جادّة تدخل في حوار فعّال مع ظاهرة التنوّع أو التعدديّة في الحياة العربية الإسلامية، ويمضي ثانيهما عائدًا باتجاه الماضي موغلًا فيه حتى الجذور، لكي يتفحص حجم المحاولة على مستوى التاريخ، ولكي يضع يديه على مصداقيتها المتحققة في الزمان والمكان، ويؤشر بالتالي على فاعلية وخصوصيات التعامل الإسلامي مع الظاهرة على مستويي النوع والعدد.
وبالتأكيد، فإن القضية لا تتخلّق في الفراغ، كما أنها إذا استندت -فحسب- على أصولها العقديّة التصوّرية بعيدًا عن تماسّها مع الواقع، وقدرتها على إعادة تشكيله، فإنها قد لا تمنح ـ بالنسبة لفئة من الناس ـ القناعات المتوخّاة.
بعبارة أخرى، إننا إذا قدرنا على وضع أيدينا على مجموع الوقائع التي شهدها التاريخ في هذا السياق، بعد إضافة المؤثرات الإسلامية على الظاهرة .. إذا قدرنا على تحديد النتائج المتميزة التي تمخّضت عن هذا التعامل بين العقيدة والتاريخ، فإننا سنعطي القضية المزيد من المسوّغات، وسنمنحها عمقًا تاريخيًا واقعيًا يُعدّ واحدة من الفرص الأساسية في اختبار الأفكار والعقائد والتصوّرات، وفي امتحان المحاولات التي تسعى إلى تشكيل المستقبل المنظور على هدْيها.
إن البُعد التاريخي لأي دعوى سيظل مطلبًا لاختبار مصداقيّتها جنبًا إلى جنب مع البعد التصوّري، ومدى ما يملكه من شمولية وتماسك وقدرة على الاستمرار بموازاة المطالب الإنسانية وتحديات التاريخ.
ولطالما دَرَسْنا التاريخ الإسلامي أو دُرِّسناه وفق منطلقات خاطئة متعمَّدة حينًا، وغير متعمدة أحيانًا، ولكن النتيجة كانت في معظم الأحيان تعميق الخندق بين طرفي القضية، وكأن ليس هناك تأثير ذو فاعلية عالية يلتقي فيه التصوّر مع الواقع لكي يعيد بناءه أو
تشكيله، أو لكي يجري في تركيبه على الأقل تغييرًا من نوع ما يعبّر في نهاية الأمر ليس فقط عن رغبة هذا الدين في إعادة صياغة العالم وفق منظوره ومقولاته، ولكن ـ أيضًا ـ عن قدرته على تحقيق هذا الهدف العزيز.
ومنذ بداية تشكّله الأولي وحتى العصر الحديث، تضمّن مجرى التاريخ الإسلامي خبرات وحدوية غنية متواصلة تجعل المرء يميل إلى الاعتقاد بأن التوجّه الوحدوي للأمة الإسلامية، على مُستويَي القواعد والقيادات، ليس مجرد خصيصة من خصائصها، بل هو محرك أساسي لمساحات واسعة من تحقّقها التاريخي.
لكن هذا ليس سوى أحد وجْهَي الظاهرة أو الحالة التاريخية، وإن كان هو الوجه الأكثر ثقلًا وامتدادًا، فهناك بموازاته، بل في نسيجه، تعدّدية من نوع ما .. تنوّع هنا
وهناك، في السياسة، وفي الاجتماع، وفي الثقافة، وفي الفكر والمذهب، بل حتى في الدين. ( لنتذكر ـ أيضًا ـ أحادية الماركسية ومصادرتها لفكر الآخر وعقيدته ودينه. لنتذكر أيضًا محاولة الكاثوليكية الإسبانية المسيّسة على يد فرديناند وإيزابيلا ورجال الدين، تلك التي ألغت أمة كاملة من الحساب. لنتذكر هذا قبالة تنوّع النسيج الديني في معظم مساحات التاريخ الإسلامي، حيث أُتيح للنصراني واليهودي والمجوسي والصابئي والبوذي والهندوسي .. إلى آخره .. أن يعبّر عن نفسه وأن يقول كل ما يريد أن يقوله، وأن يمتلك مقوّمات الديمومة والبقاء والامتداد في بيئة إسلامية لم تمارس-في الأعم الأغلب- أي مصادرة أو قسر أو نفي لعقائد الآخرين) .
ولكن ـ أيضًا ـ وبمتابعة متأنية للتعددية أو التنوع في خبرتنا التاريخية، فإننا سنجد كيف أنها تتناغم ـ أحيانًا ـ مع التوجّه الوحدوي بل قد ترفده وتدعمه وتغذَّيه، جنبًا إلى جنب مع حالات الانشقاق والتضادّ والتنافر التي شكلتها بعض صيغ التعددية المتطرفة في موقفها إلى حدّ الخصومة والعزلة والانغلاق، بل ـ ربما ـ الإفساد والتخريب.
لنتابع ـ بالإيجاز المطلوب الذي يتيحه مقال كهذا ـ ثنائية العام والخاص، أو الوحدة والتنوع، في تاريخنا، في محاولة للإمساك ببعض خيوطها على الأقل.
فمنذ لحظات الرسالة بدا بوضوح ذلك التدرّج المرسوم من الخاص إلى العام: الإنسان والدولة والأمة؛ إذ يغدو التوحّد هدفًا عقديًا وسياسيًا وتشريعيًا.
أما في العصر الراشدي فقد شهد التوجّه الوحدوي للأمة الناشئة تحركًا
على مستويين: تمثل أوّلهما في التصدّي الحاسم للردّة والتمزق والتفوّق عليهما، على الرغم من ضراوتهما، إزاء انحسار القدرات السياسية والعسكرية للدولة الإسلامية. وتمثل ثانيهما في حركة الفتوحات الشاملة التي استهدفت تكوين الوحدة الإسلامية العالمية، وتمكنت ـ بالفعل ـ من تحقيقها، فيما لم يشهد التاريخ مثيلًا له في كثافة معطياته واختزاله الزمني.
وكما كانت حركة الردّة حالة عارضة طارئة باتجاه التمزّق، ما لبثت القيادة الراشدة أن طوتها لكي تواصل الطريق صوب العالمية، فإن الفتنة التي شهدتها دولة الإسلام في أواخر خلافة عثمان (رضي الله عنه) قدمت نموذجًا لحالة اعتراضية أخرى، مارست فيها (القبلية) تأثيرًا ملحوظًا، وكادت تُلحق بوحدة المسلمين أذى كبيرًا، ثم ما لبثت أن طُويت فيما سُميّ بعام الجماعة ( 41 هـ ) وهي تسمية تحمل دلالتها ولا ريب، حيث أُتيح للقيادة الأمويةـ بغض النظر عن الجدل حول مسألة الحكم أو الشرعيةـ أن توحّد الأمة، وأن تمضي خطوات أخرى باتجاه توحيد العالم تحت ظلال الإسلام.
ثم جاءت العصور التالية لكي تشهد صيغًا متنوعة للممارسة الوحدوية يمكن تصنيفها وفق السياقات الأساسية الآتية:
أولًا: مجابهة محاولات الانشقاق والتفكك (التحدّيات الداخلية) .
ثانيًا: الدفاع عن وحدة الأرض الإسلامية (التحديات الخارجية) .
ثالثًا: ظهور التنوّع في القيادات السياسية والإقليمية وتأكّده، مع الحفاظ على الوحدة في الأسس والأهداف والملامح العامة.
وإذا كان السياقان الأوّلان واضحين إلى حدّ كبير في توجّهاتهما الوحدوية فضلًا عن أنهما قيل فيهما الكثير، فإن من الضروري أن نقف لحظات عند السياق الثالث لتبيّن طبيعة العلاقة بين الثوابت الوحدوية وبين التنوّع والتغاير الذي قد يتحرك في إطار هذه الثوابت، وقد يخرج عنها ـ بدرجة أو أخرى ـ إلى حالة من التفكّك الذي يندفع باتجاه التشرذم العرقي حينًا، أو التعبير عن طموح فرديّ أو سلاليّ حينًا آخر.
وفي الحالتين كانت الظاهرة التعدّدية تتحرك بشكل عام باتجاه مضادّ لوحدة الأمة والدولة، وتضع الخلافة (الأم) أمام الأمر الواقع، فتقرّ بقبولها حينًا فيما يصطلح عليه الفقهاء بـ (إمارة الاستيلاء) ، أو تعلن الحرب عليها حينًا آخر. وثمة حالة ثالثة كانت الخلافة تستبق فيها المتغيرات التاريخية الضاغطة فتسارع في تصميم أو قبول (الكيان الإقليمي) الذي يعينها على مجابهة هذه المتغيّرات أو التخفيف من نتائجها، ويكون (لها) بدلًا من أن يكون (عليها) .
ولقد انطوت التعدديّة السياسية في تاريخ الإسلام على الإيجاب والسلب معًا، ذلك أن التفكك ـ ابتداءً ـ ظاهرة تتعارض مع التوجّهات الوحدويّة التي سهر الإسلام وقياداته السياسية على صياغتها وحمايتها، بل إنها قد تندفع ـ كما ألمحنا ـ باتجاه التشرذم العرقي أو السلالي، وقد تعبّر عن طموح فردي، هذا فضلًا عن أنها فتحت الطريق لخصوم الأمة لكي يدلوا بدلوهم ويقيموا دولهم وكياناتهم السياسية التي رفعت سيف المذهب أو القوّة في مواجهة قناعات الأمة وثوابتها العقدية والسياسية ( كما هو الحال في بعض التجارب الإسماعيلية والباطنية) .