فهرس الكتاب

الصفحة 1452 من 1942

إن كل متأمل في أوضاع المجتمع الغربي يدرك أن ثمة من يستثمر مآسي المجتمع الغربي وأمراضه، لتحقيق مصالح خاصة تقوم على شفاء الآخرين, بغض النظر عن النتائج الأليمة التي تترتب على ذلك. إن انهيار الأسرة في المجتمع الغربي, وحرمان الطفل من الرعاية الأسرية بين أبوين متحابين، يمنحانه العطف والاستقرار النفسي؛ وانتشار الإباحية التي تفرز العنف والإجرام وشتى الأمراض النفسية.. كل ذلك هدف مرسوم لبعض الجهات التي تريد تقويض المجتمع الإنساني كله بدءًا من المجتمعات الغربية. وإن معالجة هذا الواقع الاجتماعي مسؤولية يتحملها كل إنسان يدرك خطر هذا الواقع, ويدرك نتائجه المدمرة. إن هذا الوضع لن يبقى ولا يراد له أن يبقى منحصرًا في أميركا أو في أوروبا. بل يراد له أن يكون سرطانًا يفتك بالبشرية في كل أنحاء الدنيا.

لقد بدأت بعض الدول الغربية تبحث عن حل لهذه المشكلة, ولاحظت أن الوازع الديني وحده هو القادر على الحد من انتشار آفات الوضع المؤسف الخطير, ولذلك بدأت تفكر في توظيف الوعي الديني لمعالجة مخاطر هذا الوضع الاجتماعي المتدهور. وهي التي كانت لأكثر من نصف قرن تنادي بالعلمانية منهجًا في مدارسها.

وبغض النظر عن إمكانية نجاح الجهود الطيبة لتحقيق هدف الحد من حالة التدهور الأخلاقي والانهيار الاجتماعي, وما قد ينجم عنها من مآس ومخاطر, فإن ذلك يدل على شعور صادق بالحرص على معالجة هذا الواقع.

دور الجالية المسلمة في الغرب:

فما دور الجالية المسلمة في الغرب في معالجة هذه المشكلة؟

إن أول واجب يترتب عليها هو أن تحافظ على نفسها, وذلك بأن يتعلم كل فرد بحسب مستواه, حقائق الإسلام الاعتقادية, وأحكامه التشريعية, وتعاليمه الأخلاقية, ونظمه الاجتماعية, تعلمًا صحيحًا ودقيقًا, ثم تترجم ذلك بصورة عملية, وإن مجرد تطبيق المسلم لدينه في سلوكه الشخصي, وعلاقاته الأسرية والاجتماعية, وأسلوب تعامله المادي على قاعدة الأسس الأخلاقية التي أمره بها الإسلام, سيكون له أعظم الآثار الإيجابية في نفوس الغربيين وغيرهم إذا طبق ذلك بصورة صحيحة وواعية.

تُرى ما شعور الإنسان الغربي عندما يجد الأسرة المسلمة متماسكة متعاطفة متحابّة, العلاقة الزوجية فيها قائمة على الحب والتقدير والوفاء والتراحم. والأبناء يجدون في بر والديهم واجبًا دينيًا يتقربون به إلى ربهم, ومظهرًا للوفاء المترتب عليهم تجاه الأبوين, فضلًا عن المشاعر الفطرية التي لم تتشوه وبقيت تحمل كل المحبة والاحترام للوالدين. ويمتد ذلك حتى الأجداد والجدات. والأبوان يمتد عطفهم وحبهم للأولاد ليشمل من بعدهم أولادهم، في جو من الألفة والتقدير العظيم؟

ما شعور الإنسان الغربي عندما يجد التعاطف بين أبناء الجالية المسلمة يظهر أثره في التعاون والإيثار والعطف, الذي لا يترقب مكافأة على ذلك سوى القبول عند الله سبحانه وتعالى؟

وما شعور الإنسان الغربي عندما يرى تعفف المسلم ذكرًا كان أم أنثى عما لا يحل له؟ وقيامه بشأن العلاقة الزوجية بكل مسؤولياته على أتم وجه؟

وما شعور الإنسان الغربي عندما يرى النظام الاقتصادي الإسلامي الذي يرفض الاستغلال والظلم في النظام الربوي المسيطر على كل العلاقات المالية في المجتمع الغربي؟

إن النظام الاقتصادي الإسلامي يملك البدائل الشرعية الواقعية للاستثمار العادل القائم على الربح الحقيقي, وتوزيعه بين الأطراف المساهمة بصورة متكافئة بحسب دور كل طرف في العملية الإنتاجية.

ما شعور الإنسان الغربي عندما يرى الإنسان المسلم ذكرًا كان أم أنثى, شيخًا أم شابًا يقف بين يدي خالقه سبحانه, باسطًا كف التضرع, معبرًا عن أعظم معاني الحب والتعظيم لخالقه, سائلًا إياه أن يكرمه بالقبول والمغفرة, يذكره صباحًا ومساءً, ويقف بين يديه بخشوع ومحبة وتعظيم, يتذكر بذلك نعم الله عليه فيشكره ويتذكر تقصيره بحق ربه فيستغفره, ويتدبر مظاهر قدرته وعظمته فيزداد خشية وتعظيمًا له... هذا الشعور يملأ قلب المسلم بنوع من الطمأنينة لا يعرفه الغربي ويتمنى لو أنه تذوقه.. أجل يتمنى ذلك؛ لأن ذلك من أهم ما يفتقر إليه. ولكن المسلم في الغرب لن يستطيع أن يؤثر في الآخرين، ما لم يكن هو نفسه متأثرًا بحقائق دينه. ولن ينال احترام الآخرين ما دام مزدوج الشخصية, يقول شيئًا ويفعل خلافه.

فتاوى للأقليات:

أما المحاولات التي يقوم بها بعض الأخوة اليوم لتمييع أحكام الشريعة الإسلامية والتحلل من ضوابطها وأحكامها, بدعوى الانسجام مع الوسط الغربي أو غيره، فإنها تشويه لحقيقة الشخصية الإسلامية من جهة, وخروج على المبادئ الإسلامية من جهة أخرى.

إننا لسنا مع التعصب أو التزمت أو التنطع. فذلك ليس من مبادئ شريعتنا. بل نحن مع المبادئ العامة لهذا الدين القائمة على أساس التيسير ورفع الحرج, ولكن وفق قواعد وضوابط حددتها الشريعة الغراء, وليس على النحو الذي تتشهاه النفوس, وتتجه إليه الأهواء.

إن البعض يحاولون اليوم أن يخرجوا على قواعد الشريعة وأحكامها باسم الدين وباسم الشريعة, بدعوى مراعاة أوضاع الأقليات المسلمة في المجتمعات الأخرى.

أجل إن بعض الأخوة يتجهون اليوم نحو تمييع أحكام الشريعة الإسلامية, والتجاوز على قواعدها وإصدار الفتاوى التي لا تستند إلى أصول معتمدة, ولا إلى دليل صحيح. من ذلك الإفتاء بجواز شراء البيوت بفوائد ربوية, والقول بجواز بقاء المرأة عند زوجها الكافر بعد إسلامها, وقولهم بجواز أكل اللحوم غير المذكّاة في بلاد الكتابيين... إلى غير ذلك من الفتاوى التي تكرس لذوبان المسلم في البيئة الغربية.

والعجيب أن أحدهم يبرر فتواه بجواز شراء البيوت بفوائد ربوية بقوله: 'إن المسلم غير مكلف شرعًا أن يقيم أحكام الشرع المدنية والمالية والسياسية ونحوها في مجتمع لا يلتزم بالإسلام لأن هذا ليس في وسعة, ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها, وتحريم الربا من هذه الأحكام التي تتعلق بهوية المجتمع وفلسفة الدولة...!!!'.

هل نسي هذا المفتي قوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} [المائدة:49] .

والعجيب أنه نسب هذا الحكم لمذهب أبي حنيفة, والمعروف في مذهب أبي حنيفة أنه يجيز للمسلم المستأمن الزيادة في دار الحرب من الحربي, لا بالتعاقد بل بناءً على أن مال الحربي يحل للمسلم, ولما كان المسلم مستأمنًا فقد حرم عليه أن يأخذ مال الحربي بغير رضاه. فإذا رضي الحربي ببذل ماله جاز للمسلم أخذ ماله بأصل الحل لا بالتعاقد. وكيف يحل له أن يتعاقد على الربا وقد قال الله تعالى: {وحرم الربا} [البقرة: 275] , ثم إن الحنفية إنما قالوا بذلك في أخذ المال من الحربي, لا بإعطائه, والمسألة معروفة في كتبهم.

إن الخروج على قواعد الشريعة وتجاوز أحكامها وضوابطها, بدعوى مراعاة الأقليات المسلمة, تشويه لحقائق هذا الدين وتمييع لأحكامه, وهو يعني أن أحكام الشريعة الإسلامية نوعان؛ نوع محلي ونوع خارجي, وهذا الأمر سيحوِّل إسلامنا في نظر العالم إلى إسلامات متعددة, فهذا إسلام أغلبية وذلك إسلام أقلية, وهذا شرقي وذاك إسلام غربي, وهذا إسلام عربي وذاك إسلام عجمي. إسلامنا واحد, أنزله الله تعالى رحمة للعالمين يوم أنزله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت