والأصل في الأشياء هو التدريب، ويقوم التعليم بإعداد الفرد لنوع ما من التدريب، والتدريب المتقدم يحتاج إلى تعليم متقدم، والتدريب البسيط يحتاج إلى تعليم بسيط.
* في فقهكم الحضاري تهتمون بالتعليم والتدريب والتنمية.. لكن لدينا الآن مشكلة كبيرة وهي البطالة... فكيف تستطيع هذه المنظومة الحضارية التعامل مع مشكلة البطالة؟.
** المشكلة حينما تتعقد تتحول إلى مشكلات كثيرة في آن واحد، فمشكلة منظومة التعليم غير السليمة تنتج مشكلات كثيرة معقدة وتصل بنا إلى البطالة. إننا قبل خمسين عاما كان نظامنا الحياتي قد استقرت أموره في إطار تنمية البقاء وما تبعها، واستقر معها نظام تعليمي وتدريبي، فمنظومة التعليم والتدريب حينئذ لم تكن منظومة حكومية بأسرها، فآلاف الورش تخرج آلاف العمال الذين يصنعون لنا ما قنعنا به من احتياجات، وآلاف الكتاتيب تدفع بالملايين إلى الحقول ليصنعون طعامنا، وتدفع بعض مئات أو آلاف إلى التعليم الحكومي أو الأزهري حيث تتكون طبقات من الوعاظ والقضاة والإداريين.
والآن أصبحت هذه الملايين كلها في قبضة التعليم العام الذي دفع بها ومازال يدفع بها إلى الشارع حيث لا تستطيع أن تطعم نفسها ولا تصنع ثيابها، ولذلك فإنني أتحدث في هذا الصدد عن"المدرسة الشاملة وتقنية التعليم"ونعني بالمدرسة الشاملة تلك التي نسمح فيها بقدر من الحرية الدراسية فيما يتعلق بالمواد التقنية وكميتها مقارنة بالمواد الإنسانية الأخرى، والإضافات التقنية سوف تتلون بالبيئة المحيطة. ولتحقيق هذه الإضافات لا بد من مشروع لتوصيف الحرف والمهارات توصيفا يتناسب مع قدرات الطلاب وينمو معهم. فمثلا يكون توصيف مهارات السباكة لطالب الابتدائي بحيث تصبح عنده القدرة على إصلاح حنفيات المنزل، ثم نزيد الجرعة في الإعدادي حيث يصبح قادرا على تركيب سباكة المنزل كاملة، ثم نزيد الجرعة في الثانوي حيث يصبح هذا الطالب قادرا على تركيب شبكات معقدة. وعملية توصيف الحرف والمهارات البيئية يمكن أن تصاحبها صناديق الحرف والهوايات التي إن عجزت الدولة عن توفيرها فيمكن للطلبة شراؤها والتدريب عليها في المنزل والمدرسة.
وفي مدرسة ساحلية مثلا يمكن أن تكون الإضافات التقنية متعلقة بصيد الأسماك وحفظها وتعليبها، وفي بناء القوارب وصناعة أدوات الصيد وما تستلزمه الصناعات السمكية.
وتنظيميا يمكن للإدارات التعليمية أن تضطلع بوضع المناهج التقنية في منطقتها بما يتناسب مع بيئتها الخاصة، ويبقى بعد ذلك البعد الثقافي والحضاري في العملية التعليمية الذي ينبغي أن تقوم عليه وزارة التربية والتعليم حتى تضمن وحدة الأمة الثقافية والحضارية وذلك من خلال وضع خريطة لعالم أشياء مطلوب.
وتأتي مثلا جهة مثل وزارة الصناعة لتقوم بترجمة هذه الخريطة من المشاريع وتوزعها على أساتذة الجامعات والعاملين في مراكز البحوث الصناعية، والتي هي غير موجودة الآن، وترتبط بهذه المشروعات مجموعات مختلفة تعمل على تطويرها.
من أجل ذلك يجب العمل على تقنية التعليم بحيث يزداد الجزء التقني، ثم يليه الجزء التصميمي، ثم يليه الجزء التعليمي بنسب مناسبة لأوضاعنا الخاصة في هذه المرحلة. فمثلا إذا كان مطلوبًا مصاعد كهربائية فإن دورنا الآن في هذه المصانع لا يتعدى صنع الكبائن وكل شيء سوى ذلك مستورد، ولنا أن نتصور أننا نصنع جهاز التحكم وجميع المجسات وأننا نصنع التروس والمحرك، إن كمية البحوث والمشاريع وما يتفرع عنها من أعمال للمهندسين والفنيين والعمال حينئذ ستكون كبيرة، والعدد حينئذ سيكون عشرة أضعاف الموجودين حاليًا.
والأمر ليس صعبا، لقد قمت بتجربة في قسم هندسة الطيران بجامعة القاهرة وصنعنا جهازا للتحكم في المصاعد تكلف ثلاثمائة جنيه مصري، بينما يتكلف مثيله حوالي عشرة آلاف جنيه، ما الذي يمنع أن نفعل ذلك في كل شيء؟ إن الإجابة على ذلك تقول: إن هناك غيابا كاملا للمنظومة البشرية التي تسيطر على صنع القرار من أول اختيار عالم الأشياء، مرورا بترجمته إلى مجموعة من المشاريع العلمية والتطويرية، وانتهاء بعمليات التصنيع المختلفة.
* لكن هل تظل المنظومة الثقافية للأمة بعيدة عن مجالات التعليم والتدريب والتنمية؟ وأين مكان التنمية الثقافية للأمة على خريطة الفقه الحضاري؟.
** كنت في معارك الصبا أجادل إخواني العلمانيين حول الثقافة فأجنح بها إلى مزيد من الإرهاق في التراث كرد فعل لإغراقهم مضامينهم الثقافية في الأبعاد الترويحية أو تقديسهم للوثنية التاريخية، فلما اشتد العود الثقافي بفضل الله ونأينا عن معارك ردود الأفعال تبين أن دور الثقافة في الأمة هو طيف ذو سبعة عناصر:
العنصر الأول: هو أن الثقافة لا بد أن تعمل على تقوية النسيج الاجتماعي للأمة مرتكزة على البعد الإيماني، فينبغي أن تدرس بدقة كل الخيوط التي تكون نسيج الأمة، سواء كانت خيوطا عرقية أو طائفية أو اقتصادية أو ثقافية. ويدرس أيضا مدى الاختلاف والوحدة بين كل هذه الخيوط، وهل هناك تباين حقيقي يمثل مشكلة أم أن التباين شكلي خاص. إن كثيرا من الاختلاف يبنى على أوهام قد تكون سائدة بين الجهلة، ويمكن تجاوزها بالتثقيف. ثم لا بد من توهين الصراع التاريخي ما أمكن بإلقاء الضوء على أوهام قد تكون سائدة بين الجهلة ويمكن تجاوزها بالتثقيف، ثم لا بد من توهين الصراع التاريخي ما أمكن بإلقاء الضوء على الروايات التاريخية. ثم لا بد من تعميق الفهم لعناصر التحدي الحضاري في الحاضر والمستقبل حتى يستشعر الفرقاء أهمية التوحد.
والعنصر الثاني: هو أن الثقافة لا بد أن تعين وتساعد على تقبل المفاهيم التنموية، فهناك أنواع من التنمية تختلف في أهدافها ووسائلها عن التنمية في المفاهيم الغربية. وليس علينا حرج أن نحدد تنمية قاصدة تتناسب مع ظروفنا، مع ملاحظة أن التنمية التي يفرضها الغرب علينا تزيد من تخلفنا وتبعيتنا له، ولا بد أن تساعد الثقافة على نشر وتقبل هذه المفاهيم التنموية الجديدة والمختلفة.
والعنصر الثالث: هو أن تحتوي الثقافة على عنصر الترويج الذي يعين المؤمن المكدود، هذا الترويح لا بد أن يشجع على الاستغراق النفسي والروحي بالعبادة وأن يشجع الرياضة الجماعية، والسمر الجماعي في تنافس صحي، ويشجع على السير في الأرض، ورؤية آثار الأمم الغابرة، ويشجع الآداب من قصة وشعر ونوادر، ويبتعد تماما عن الابتذال والميوعة.
والعنصر الرابع: أن تقوم الثقافة بتبيان موقف الإسلام من قضايا الحياة بمختلف جوانبها تبيانا علميا شاملا.
والعنصر الخامس: أن تكون الثقافة لشحذ الفعالية الروحية عند الفرد حتى يصبح ذا همة حضارية، وتوجه إصلاحي. فالفرد هو البنية الأساسية التي يقوم عيها أي عمران.
والعنصر السادس: أن تكون الثقافة لتقوية المنهج العلمي الإسلامي عند المثقفين صانعي القرار، فتربية الأجيال المسلمة على المنهج الإسلامي تحتاج إلى برنامج ثقافي مصاحب يعين على التدريب على المنهج حتى يصبح ملكة عند المثقفين وصانعي القرار، ولقد أفلحت نظم التعليم في الغرب على تربية الناس على طرائق للتفكير أكثر قربا مما نبتغيه من تربية إسلامية من كثير من طرائقنا التربوية في بلاد المسلمين.
والعنصر السابع: هو أن تعمل ثقافتنا على بيان التحدي الحضاري الذي يواجه الأمة وإسقاط ذلك على دور الفرد، فأحيانا لا ينقص الناس الهمة والإخلاص، وإنما ينقصهم فهم عناصر التحدي الحضاري على مستوى الفرد والجماعة، ومن ثم فإنهم يتوجهون بهذه الهمة في غير مقصدها الأمثل.