** التنمية ليست بعيدة عن الفقه الحضاري، بل هي صلب اهتماماته، والتنمية من المنظومات الناقصة في بلادنا، فهي منظومة يعهد بتصميمها في بلادنا لرجال الاقتصاد، وهم إن كان لهم دور لا ينكر في مثل هذا التصميم ولكنه جزء من كل، ومن ثم يأتي التصميم دائما ناقصا، ونعاني من تدهورنا الاقتصادي والتنموي معًا بدلًا من أن يحدث الانطلاق والانعتاق .
إن آية واحدة في سورة النحل تعطينا الفلسفة الأساسية للتنمية وهي قوله تعالى: [وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون، ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا، يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس، إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون] .
فالله تبارك وتعالى ألهم النحل أمورا ثلاثة: كيف يسكن، وكيف يأكل، وكيف يكون حرًا، وهذه الأمور لو تحققت فسوف تعطي هذه الحشرة الصغيرة للإنسانية عسلا مختلفا ألوانه فيه شفاء للناس. فهل يمكن أن نقول: إن هذا هو المفهوم النحلي للتنمية، وما الذي يمنع الناس أن يكونوا كالنحل؟ وما دور الدولة وأنظمتها في هذا المنع؟ وما دور النظم القانونية والاقتصادية والتعليمية والاجتماعية في منع الناس من أن يكونوا كالنحل؟ ومتى تخلي الدولة بين الناس وترابهم الوطني ليتفاعلوا معه؟. إن الدولة إذا وضعت من القوانين والأنظمة المتعارضة والمتضاربة في مجالات الحياة المختلفة ما يعوق الإنسان عن التفاعل مع ترابه الوطني فلا تسأل بعد ذلك عن تنمية.
ونحن يمكن أن نضع تصورا للتنمية يوضح الهيكل الحضاري لها، وأول شيء في هذا الهيكل هو تصور فلسفة التنمية وتحديد أحد الخيارات الثلاثة: أي هل نحن نريد تنمية بقاء، أو تنمية نماء، أو تنمية سبق، أو اختيار نسبة معينة من كل منهم تناسب حال الأمة أو المرحلة التي تعيشها، ويتلو ذلك التعرف على الإمكانيات المادية والبشرية المتاحة، مع الأخذ في الاعتبار مجموعة من الضوابط الحضارية حتى لا تستنفذ الإمكانيات وتلوث البيئة، وتورث الأجيال التالية ضياعًا.
ثم يأتي في المرحلة الثالثة تخطيط لعالم الأشياء، سواء كان ذلك في الملبس أو المسكن أو المأكل، وما حول ذلك من عالم الأشياء خادم. ويأتي في المرحلة الرابعة تدريب العنصر البشري على صناعة عالم الأشياء الخاص بنا مع التقليل قدر الإمكان من الاعتماد على الخارج، ثم يصاحب التدريب دائما نظام تعليمي يعين الناس على القدرة التدريبية. ونحن هنا نضع التدريب قبل التعليم حتى يتحدد هدف التعليم بوضوح وحتى لا تتكرر المأساة الدائمة في العالم الإسلامي، والتي تطحن الناس في نظم تعليمية لا تعرف هدفا تنمويا واضحا، فإذا مضت المنظومة كما أسلفنا نكون قد استعددنا استعدادًا جيدا لتحقيق عالم الأشياء وتصنيعه.
* هل يمكن لنا في ظروف تخلفنا أن نبني خططا تنموية تناسب ظروفا وتضعنا على بداية الطريق، وما دور فلسفة التنمية وخياراتها الثلاثة التي أشرت إليها في هذا الأمر؟.
** أولا يجب أن نقارن بين نموذجين، النموذج الأول عشناه في الماضي حيث كنا نزرع طعامنا، ونغزل صوفنا، وننسج ملابسنا، ونعمل في الزراعة، وفي هذه الحرف، وكنا نعتمد على أنفسنا ولا نمد أيدينا خارج القرية.
والنموذج الثاني هو ما نراه اليوم في القرية التي هجرت العمل واستراحت في انتظار أن يأتيها كل شيء من المدينة، وفي المدينة أيضا نجد الملايين في الصباح على ظهور القطارات والسيارات ذاهبون للعمل ولا يعملون شيئا ومهمتهم هي السفر الدائم، وعلماء المدينة لا يكفون عن العمل ويحملون أوراقهم لينشروها في الصحف، أما تطوير المصانع وإنشاؤها فلا دخل لهم بذلك.
وبالتالي فخطتنا للتنمية يجب أن تركز على ثلاثة أنماط للتنمية:
النمط الأول هو تنمية البقاء: وتتلخص في الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية، وعزائم الرجال من أجل تحقيق اكتفاء كريم من متطلبات الحياة الأساسية مع الاهتمام بنظافة البيئة، وعدم تلويثها. وهذا النمط يصنع كله بأيدي الناس، مقللين ما استطعنا من الميكنة. لكن ما هي طبيعة الأعمال في هذا النمط، وما طبيعة التعليم الذي يصاحبه؟ للإجابة على ذلك نضرب المثال التالي: في منطقة زراعية يتوفر فيها الماء والأرض الصالحة فإننا نرسم خريطة الأعمال المطلوبة لتحقيق تنمية البقاء سواء كانت أعمالا زراعية أو تصنيع منتجات زراعية أو خدمات زراعية أو تربية حيوانية، وحينئذ نصمم مناهج التعليم نعطيها بعدا بيئيا يعين الطالب أن يتفاعل مع بيئته، وما أن يبلغ الطالب السادسة عشرة حتى يكون قد امتهن مهنة هو قادر عليها فإن شاء أن يكمل دراسته في نفس ميدانه وكان قادرا على ذلك ماديا وعلميا نوفر له الفرصة، وبذلك يسهم الطالب في خريطة الأعمال الخاصة بتنمية البقاء.
النمط الثاني هو تنمية النماء: وفيه يبني عالم أشياء من النوع السائد في الحضارة المعاصرة وخاصة الضروري منه مما يتعلق بوسائل الدفاع، واستخراج كنوزنا المدفونة، وتصنيعها، وما يستتبع ذلك من نظام تعليمي وتدريبي وبحثي، ورغم أن هذا النمط من التنمية إذا أحسنا إعداده قادر على استيعاب كل أفراد الأمة في العمل، إلا أننا في عالمنا البائس نتوجه إلى استيراد عالم الأشياء دون أن نصنعه، فتضيع علينا فرصة العمر في عملية التعليم والتدريب. وفي هذا النمط لا ينبغي أن نتبنى خدمات يصنعها غيرنا لنا، فمثلا تستطيع البرامج المتقدمة في تنمية النماء تصنيع طواحين هوائية مناسبة لرفع المياه وتوليد الكهرباء بحيث يمكن تصنيعها في ورش صغيرة، كما يمكن استنباط أنواع جديدة من السلالات يتدرب عليها المزارعون، كما يمكن عمل بحوث لتصنيع الطوب من طفلة متوفرة، وتصميم منزل قروي، مناسب وتطوير الآلات اليدوية أو نصف الميكانيكية في خدمة الزراعة والصناعات الزراعية.
النمط الثالث هو تنمية السبق: فينبغي أن نجد لأنفسنا بعض الميادين التي نستطيع أن ننجز فيها شيئا، ونحن بالتأكيد نستطيع أن نسبق في ميادين ثقافية وسياحية وتكنولوجية، لكن القضية هي أن نحدد ما نستطيع أن ندخل فيه سباقا ثم نعدو فيه تعليما وتدريبا وإنتاجا، واضعين في الاعتبار أن ثمة أسواقا متحيزة لنا هي الأسواق العربية والإسلامية.
* تولون التدريب مكانة كبيرة في منظومتكم الحضارية.. فأين مكانة التعليم على خريطة اهتمامكم؟.
** التعليم هو أداة المجتمع لتحقيق أمرين، الأول: يتعلق ببث الأشواق الحضارية والنماذج الثقافية للمجتمع في أفئدة الناس، والثاني: يتعلق بإعداد الأفراد علميا لتقبل البرامج التدريبية على المهن والحرف والنشاطات المتعلقة بالعمران.
ونحن نفتقد في عمليتنا التعليمية أمرين: الأول الوجهة والقصد الثقافي والتنموي، والثاني المؤسسات التدريبية التي تأخذ بأيدي الناس على تعليم حرف ونشاطات حياتية، بحيث تتدرج هذه المؤسسات صعودا وهبوطا من مهن وحرف لا تحتاج إلى تعليم كثير إلى نشاطات علمية دقيقة.
ففي بلد مثل سويسرا، يدخل الأطفال التعليم في مرحلة أساسية يتلقون فيها الثقافة الأساسية التي ينبغي على كل سويسري أن يشربها، حتى إذا أتموا تسع سنوات في هذا التعليم ذهب أكثر من 90% منهم إلى مدارس التعليم الفني حيث يتدربون ويتقنون مهنا وحرفا مطلوبة في المجتمع، ويواصل 7% التعليم الثانوي، حتى إذا أنهوا هذا التعليم ذهب أقل من نصفهم إلى التعليم الجامعي والنصف الآخر إلى معاهد تدريبية. أي أن أكثر من 95% يذهبون إلى مجالات التدريب على مهن بعينها مطلوبة في المجتمع.