فهرس الكتاب

الصفحة 263 من 1942

إن القرآن الحكيم لا يخاطب الناس كأفراد، وإنما يخاطبهم كمجموع إلاّ في آيات قليلة ولأسباب بلاغية، فأغلب آيات القرآن التي تخاطب الناس تخاطبهم كمجموع:

-يا أيها الناس..

-يا أيها الذين آمنوا..

-إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات

-وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَآ أَنْزَلَ اللّهُ فَاُوْلئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ.. الظَّالِمُونَ.. الْفَاسِقُونَ .

لذلك، وانطلاقا من هذا المبدأ فسوف نبدأ حديثنا عن البعد الثاني، وهو إهتمام الدين ببناء المجتمع الحي. ولكن قبل ذلك لابد أن نلقي نظرة عابرة على معنى كلمة"الحياة"لكي نعرف بوضوح الفرق بين المجتمع الحي والمجتمع الميت.

ما هي الحياة؟

يصف القرآن الحكيم رسالات الله بأنها حياة:

?يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إذا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ?24،الأنفال

أي استجيبوا لما يعطيكم الحياة.

والحياة هي القوة الكامنة في الشيء، والتي تعطيه القدرة على اكتساب الأشياء الأخرى وإذابتها في بوتقة واحدة وفي اتجاه معين.

فالبذرة الحية - مثلًا - تختلف عن البذرة الميتة، ووجه الإختلاف بينهما هو أن البذرة الحية حينما تتوفر لها فرصة النمو، تستمد من أشعة الشمس ومن أملاح الأرض ومن عناصر الماء المواد المفيدة لها، وتحولها كلها إلى تركيبة واحدة متجانسة، وتوجهها بإتجاه واحد وهو النمو، فتتحول تلك البذرة الصغيرة إلى شجرة كبيرة متكاملة، أما البذرة الميتة فإنها سرعان ما تتحلل لتمتصها المواد المحيطة بها.

وهكذا الفرق بين النطفة الحية والنطفة الميتة. فالنطفة الميتة تتحول بعد مدة قصيرة إلى لا شيء، بينما النطفة الحية، تتحول بعد تسعة أشهر إلى طفل وبعد عدة سنين تراه قد أصبح رجلا سويا.

المجتمع الحي

ولكن ما معنى الحياة في المجتمع؟ وماهو المجتمع الحي؟ وما هو المجتمع الميت؟

إن الاجابة على هذه الاسئلة، كفيلة بتوضيح قضايا كثيرة في المجتمع البشري، ومن أبرزها الحركات التغييرية والنهضات الإصلاحية التي تشكل ظاهرة متميزة في تاريخ الإنسانية.

إن المجتمع الحي هو تمامًا كتلك البذرة الحية التي أشرنا اليها، فهو يملك القدرة على أن يمتص من حوله الامكانات المادية والبشرية ويذوِّبها كلها في بوتقة واحدة، ويعطيها التفاعل ويوجهها من أجل بناء الحضارة الإنسانية التي تسير أبدا في إتجاه النمو والتكامل.

بينما المجتمع الميت فهو كالبذرة الميتة، يفتقد خاصية الامتصاص والتفاعل والنمو، وبالتالي سرعان ما يتفسخ ويتفتت ومن ثم يتلاشى.

إن مجتمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثلًا لم يكن عدد افراده في مكة المكرمة قبل الهجرة النبوية يزيد عن مائتي انسان مستضعف، ولكنه بعد أقل من ربع قرن، إستطاع أن يُحوّل المجتمعات الكثيرة المتواجدة في الجزيرة العربية، إلى مجتمع مسلم واحد، ويذوِّبها في هدفه.

وإذا نظرت إلى خريطة العالم، لوجدت أن المسلمين، وبعد قرن ونيّف من البعثة النبوية، طرقوا غربا أبواب اوروبا عن طريق شمال إفريقيا، وعبروا شرقا نهر السين، واقتحموا الشرق الاقصى في آسيا، وقد استطاعو أن يذوّبوا كل المجتمعات والحضارات التي كانت موجودة في هذه البقعة الشاسعة من الارض، ويصبغوها بالصبغة الإسلامية، ويخلقوا منها الامة الإسلامية الكبيرة. هذا هو المجتمع الحي.

ومثل آخر هو المجتمع الاوروبي، فأوروبا بالنسبة إلى العالم صغيرة المساحة، وفقيرة من ناحية الامكانات الطبيعية، ولكن هذا المجتمع الحيوي إستطاع أن ينشر حضارته وفكره على العالم كله ويوجهه باتجاهه الخاص.

فترى مثلا أن ألف مليون صيني وهندي ومئات الملايين من الناس في افريقيا وامريكا اللاتينية واستراليا، كان يوجهّهم اربعون مليون فقط، هم سكان جزيرة صغيرة تسمى بريطانيا. ويجب هنا ان ننبّه على وجود فارق كبير بين هذين المثالين، فالمثال الإسلامي كانت صبغته الحق والعدل والتوافق مع السنن الطبيعية والبشرية، بينما المثال الاوروبي على العكس من ذلك تماما. ووجه الشبه بينهما هو في الحيوية والفاعلية فقط.

واما المثال على المجتمع الميت، فهو الامة الإسلامية اليوم، والتي انقسمت إلى دول انطوت كل واحدة منها على نفسها وتجمّدت داخل حدودها، مما ادّى بهذا المجتمع ذي الأمجاد التأريخية العظيمة إلى ان يفقد شخصيته الإسلامية، ويضعف ويتفسخ من الداخل، ويصبح نهزة الطامعين، وأن تتعرض ثرواته وخيراته للنهب، وكرامته للسحق، وليصبح اليوم مجتمعا متخلفا يخضع لسيطرة القوى الاجنبية العظمى توجهه كيف شاءت، وتتلاعب بمقدراته أنّى يحلو لها.

قيم المجتمع الحي

وفي القرآن الحكيم نقرأ آية تصف لنا المجتمع الحيوي المؤمن فتقول:

?مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيَماهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا? الفتح،29

ونلاحظ ان القرآن يذكّرنا هنا بهذه الحقيقة بوضوح فيقول: ?كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْاَهُ?

ففي البداية تُزرع البذرة الحية في باطن الارض، وبعد فترة تتحول إلى زرع يرتفع فوق سطح الارض ?فئَاَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ? أي وضع له الزارع عصا قائمة تسنده، فاذا بهذا الشطء يستمد الضوء والماء والاملاح من البيئة والمحيط، فيقوى ويرتفع مستغلظًا مستويًا، ?يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ? فالصديق معجب والعدو مغتاظ وحاقد.

ان المجتمع الحي هو ذلك المجتمع الذي تكون علاقات ابنائه ببعضه قائمة على اساس القيم السليمة، والعمل الصالح، فالعلاقات الإيجابية المتفاعلة هي أهم شيء في تكوين المجتمع الحي.

أمّا المجتمع الذي تكون علاقاته قائمة على أساس العنصرية، والإعتبارات القبلية، والمصالح المادية، والاقليمية، يكون كالجسد الميت الذي لا تلبث البكتريا والميكروبات الموجودة فيه أن تحلله وتفسخه وتحوله خلال مدة قصيرة إلى تراب وعظام نخرة.

فما هي حقيقة العلاقات الايمانية التي ينبغي أن تشكل الأساس في بناء المجتمع الإسلامي الحي؟.

هذا ما نقرأه على الصفحات القادمة بإذن الله تعالى.

صفوة الكلام

1-إن الأخطار المحدقة بالبشرية (الحروب، الاستغلال والإستعباد، الرعب النووي، ...) تدفعها للبحث عن الخلاص أكثر فأكثر .

2-إن الرسالات الإلهية التي يجب أن تُفهم من جديد، وبعيدًا عن التأثّر بواقعنا المتخلف، وأفكارنا التبريرية، ونظراتنا السلبية، هي طريق الخلاص للبشرية .

3-إن الاسلام يعطي الأولوية الأولى لخلق المجتمع الانساني الصالح، وليس لإصلاح الإنسان كفرد - فحسب - .

4-ويهتم الدين ببناء مجتمع حي وليس مجتمعًا ميتًا .

5-المجتمع الحي، هو تمامًا كالبذرة الحية، يمتص من حوله الإمكانات المادية والبشرية، ويوجهها من أجل بناء الحضارة الإنسانية .

6-إن العلاقات الايجابية المتفاعلة هي أهم عنصر في تكوين المجتمع الحي، وتقوم هذه العلاقات على أساس القيم السليمة والعمل الصالح .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت