فهرس الكتاب

الصفحة 1658 من 1942

وهناك أيضا انتقال عن طريق الإشعاع الفكري أو الإشعاع الحضاري، وهذا يحدث بتأثير متبادل بيننا وبين الحضارة الضاغطة، ومن ثم نبدأ في تقليد أهلها، وممارسة عاداتهم، وكما هو معتاد فإننا ونحن المغلوبين حضاريا مولعون بتقليد الغالب في عادات وتقاليد. والعادات والتقاليد هي أسرع الأشياء تسربًا وانقالًا، خصوصًا تلك المتعلقة بمتاع الحياة الدنيا وزينتها، ولعلنا نذكر في هذا المقام قول ابن خلدون: (إن المغلوب دائما مولع بتقليد الغالب في عاداته، وتقاليده، وأسلوب حياته ) .

ولسائل أي يسأل: ماعمق التأثير الحضاري بأصنافه الثلاثة، على مجتمع أقل تحضرًا من مجتمع متقدم حضاريا؟ وبتعبير آخر في هذه التأثيرات الثلاثة التي كان فيها تشبيه ما بين الانتقال الحراري والانتقال الحضاري: أيهما يكون أكثر تأثيرًا، وأكثر عمقًا، وأكثر تقبلا في المجتمع.

الانتقال بالتوصيل، أو الانتقال بالحمل، أو الانتقال بالإشعاع؟

من الممكن القول: إن تأثير الانتقال الإشعاعي يكون غالبًا على قطاع المثقفين، بينما الانتقال الاتصالي يتم من خلال وسائل الإعلام العامة، والسفر، والسياحة، وهذا يعني أن دائرة تأثيره تكون أوسع لتشمل القطاع الأكبر من المجتمع، مثقفين، وغير مثقفين، وتبقى طريقة الانتقال الحملي، وهذا يتم من خلال العمالة، أو الاستعمار، أو الاختلاط البشري، وتمازج الحضارات والثقافات المختلفة في مجتمع واحد.

إن التعرف على كيفية الانتقال الحضاري، وكيفية حدوثه، وميكانيكيته في الحالات الثلاث، أمر هام ويتطلب الكثير من التأمل، والتبصر، فيما يمكن أن يسمى بعلم الاتصال الحضاري، ويدخل في مضماره انتشار المبتدعات (COMMUNICATION OF INNOVATIONS ) أو بتعبير آخر، كيف تنساب وتتسرب أشياء وأفكار وعادات وتقاليد جديدة في مجتمع ما؟ هل يتم هذا قهرًا وقسرًا وطوعًا واختيارًا؟

تأثير الإعلام على الظاهرة الحضارية

إن وسائل الإعلام في المجتمعات النامية، تستطيع أن تساعد في الإجابة على هذا التساؤل، مثلما أنها قادرة على المساهمة في هذا القهر والقسر بالنسبة للأمة عموما، أو بالنسبة لتسرب حالة نفسية فيها وَلَه بتقليد الغالب والإيمان به.

إن من المشاهد في بلداننا، وجود خليط من النوعين، وكل هذا يحتاج في اعتقادنا إلى دراسة علمية معمقة، وحسبنا أن نشير هنا، إلى هيكلية الظاهرة في محاولة لوضع أسس تطبيق جديد لعلم الاتصال في قضايا الحضارة المعاصرة.

ويمكن إضافة حقيقة أخرى هي: أن قضية تسرب الحضارات، أو تمازجها، أو تأثير حضارة مسيطرة على أمة مضغوطة كرها أو طوعا، تحدث بنسب متفاوتة، وتعتمد على توافر الظروف لكل وسيلة من وسائل النقل الثلاث التي ذكرناها. فإن كان الإعلام في ذلك المجتمع نشطًا، نجد أن طريقة النقل بالاتصال تكون أكثر تأثيرًا؛ لأن الإعلام عادةً ما يزين للناس حب اقتناء المنتجات الحديثة، في جميع قطاعات المجتمع، في المدن والقرى والنجوع والبدو، كما أنه قادر على أن يحسن لهم الطرائق الجديدة، في أساليب الحياة ما يرد معها من عادات جديدة تحل (( بالإزاحة ) )محل عادات أخرى تندثر وتزول.

إن التسويق، والإعلام التجاري، والاتصال الجماهيري كل تلك، علوم تصب في علم يرتكز على استمالة النفس البشرية، للاهتمام بمنتج جديد، وكيفية انتشاره بين الناس، وإقبالهم عليه. وإذا كنا الآن أمام ظاهرة الحضارة الضاغطة، والحضارة المضغوطة، وتدفق الأشياء، والأفكار، والعادات عبر الحدود، بين هذه الحضارة الضاغطة، والمجتمع المضغوط، فما أجدرنا بأن ندرس تلك العلوم، ونبحث في كيفية تأثيرها على استمالة المجتمع المتخلف، لتقليد المجتمع المتقدم، في أشيائه، وأفكاره، وعاداته، على أن تكون الدراسة والبحث، من أجل تقليل تلك التأثيرات، أو تحجيمها، أو وضع قائمة أولويات لها، إن كان ولابد من الانصياع لها. تلك دعوة مفتوحة نوجهها لشباب الأمة من الباحثين في مجالات العلوم الاجتماعية.

لنأخذ لهذا مثلا، من واقع الريف في أي بلد عربي، يعين المهتم على إدراك المشكلة وتحديد أبعادها.

كان الفلاح العربي يأوي إلى فراشه مبكرًان ويستيقظ مبكرًا؛ ليذهب إلى حقله. ماذا نجد الآن؟نجده لا ينام إلا قبل الفجر بساعات، ويستيقظ بعد الشمس بساعات؛ ليفقد بذلك انشراح الصدر وبهجة الاستبشار، اللتين تحيطان بالإنسان دائما في بكوره. أثّر هذا بصورة مباشرة ليس فقط على إنتاجية ذلك الفلاح، بل أيضا على تعامله مع الأشياء من حوله، وتعامله مع مجتمعه، وتقبله للأفكار وأسلوب مواجهته لقضايا يومه، ومشكلات معاشه، شكل هذا كله خسارة كبيرة، له ولمجتمعه.

والحديث بطبيعة الحال هنا ليس عن الإنتاجية؛ لأن حديثها ذو شجون (1 ) لكن القول منصب على الظاهرة الحضارية، لهذا أشرنا إلى مثل الفلاح العربي الذي يجلس رابضا أمام التلفزيون كالمسجون، ويظل يسمع ويرى، ويتأثر بالإعلانات التجارية عن منتوجات، صنعها مجتمع غير مجتمعه، لمجتمع غير مجتمعه، فهذه خلاطة كهربائية جديدة، وتلك غسالة أوتوماتيكية، تغسل كل شيء وتجعله نظيفا، وغيرها وغيرها، فيصدق ما شاهد، ويسعى جاهدا لاقتناء تلك المنتوجات الاستهلاكية؛ لانه يريد أن يستبدل بأسلوب حياته هذا الأسلوب الجديد، الذي يراه في الإعلان، ويتحول بالتالي إلى كيان إنساني آخر؛ لأن أجهزة الإعلام تلح على أذني هذا الرجل، فيكون انتقالا قسريًا أو قهريان فإذا ذهبت الآن مثلا إلى الريف العربي وجدت أن الفلاح يقتني بجانب ماشيته أجهزة حديثة مثل الغسالة، وثلاجة ومطحنة بهارات، وخلاطة وغيرها.

ليس ثمة شكل إذن في أن الإعلام قد فتح لهذا الشخص عالمًا رحبًا للأشياء الزوالية، وجعله يتمادى في استخدامها، برغم، أنه قد لا يحتاجها. ومن المهم هنا، أن نؤكد حقيقة: إن عالم الأشياء الزوالية ظهر في الغرب مرادفًا لحضارة تحكم بقيمها الإنسان الغربي المتحضر ذاته، الذي لا يجد الوقت ليضيعه في طحن البهارات بهاون، فهو مشغول باستثمار وقته في أمور أهم ويترك للمطحنة الأتوماتيكية القيام بهذه المهمة، إذن فإن المنتوجات الحضارية تلك أتت ضمن معادلة اجتماعية محسوبة، للاستفادة من الوقت، وإنفاقه فيما هو نافع، ومن ثم لم يكن دور (( الأشياء الزوالية ) )في حياة الإنسان الغربي ترفًا، بل هو ضروري، في حين هي في حياة الفلاح العربي ترف؛ لأنه ينام قبل الفجر بقليل، ويقوم بعد الشمس بكثير، وفي يقظته يشيع وقته. إن هذا الفلاح لا يعرف قيمة الوقت، ومن ثم فإنه ليس بحاجة إلى هذه (( الأشياء الزوالية ) )وقد يكون من الخير أن يدرب يده على الطحن بالهاون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت