يدرس د. برهان غليون الفارق بين استناد الأخلاق للوحي وانفصالها عنه، فيقول (43) : لقد أدى إسناد القيم الاجتماعية إلى الوحي - بعد أن كانت تستند إلى سلطة أرضية ملكية مقدسة - إلى تطور كبير لمفاهيم الإنسانية والعدالة والكرامة والمساواة والحرية، بينما أثار انفصالها عن الدين، في مرحلة لاحقة… مخاوف وشكوكًا متعددة، وقد أتاح هذا الانفصال أيضًا تمييزًا أفضل لحقل الأخلاق عن حق القانون، وفي الحالتين، أدى تبدل الإطار المرجعي إلى ثورة حقيقية جديدة في ميدان الأخلاق.
ففي الحالة الأولى، أصبحت قدسية النفس الإنسانية، وكرامتها جزءًا من القدسية الإلهية، واستقلت عن أهواء السلطة لتصبح أساسًا للمساواة في الإنسانية، إذ أصبح جميع الناس أبناء الله، وأصبحت عبودية الجميع له شرطًا لمساواتهم أمامه، وبذلك ضمنت الأخلاق لنفسها القوة والديمومة، وصار من الممكن للاجتماع البشري أن يتجاوز الممالك الصغيرة إلى الإمبراطوريات العالمية الكبرى التي طبعت تاريخ آسيا والشرق جميعًا بطابعها المنفتح والإنساني والتعددي، وشكلت من جميع الوجوه ثورة في مفهوم الإنسان ونظرته إلى نفسه وإلى رسالته.
ومع ما أصاب هذه الأخلاق الدينية من تراجع وضعف مع تطور الحضارة ونفاد الجذوة الأولى الروحية، دعت الحاجة إلى إعادة بناء هذه القيم الإنسانية على أسس جديدة، فنشأت فلسفة أخلاقية حديثة، جعلت من العقل السند الأساس لها، باعتباره ملكة مشتركة للحكم عند جميع الناس، وخلف حدود الأديان والأجناس، وقد ترافقت هذه الثورة العقلية في مجال الأخلاق بنمو مفهوم الإنسان كعضو في مجتمع، وبنمو مفهوم الجماعة القائمة على تعاون الأعضاء، من أجل سعادتهم، وتدبير شؤونهم، ومضاعفة قدراتهم وحرياتهم، وهو مفهوم جديد بالمقارنة مع ما كان سائدًا من تمحور كيان الجماعة حول زعيم ملهم أو مقدس، أو فكرة مقدسة رسالية.
وما حصل في هذه الثورة التي بدأت تختمر في المجتمعات الغربية، منذ نهاية القرون الوسطى، وبسبب ما شهدته هذه القرون من عسف وتفريط بالقيم الدينية، لمن يكن يعني إلغاء الأخلاق بقدر ما هو تحقيق الفصل بينها وبين الدين، أو بالأحرى تأسيسها على مصادر جديدة، وجعلها أخلاقًا مدنية.. ولذلك فإن الأخلاق العقلية التي أسست نفسها على فكرة الواجب، كما عبر عنها الفيلسوف الألماني"كنت"لم تلغ المبادىء القديمة، التي تحرم القتل والسرقة والكذب والغش…إلخ.
ولكنها أبرزت أن الحفاظ على هذه القيم والمبادىء لم يعد ممكنًا إلا إذا استند على اقتناع عقلي، ولمن يكن هذا التطور في الواقع إلا أحد مظاهر حركة"العقلنة"العامة، التي شهدها المجتمع الغربي في القرون الماضية، كمحاولة لرأب الصدع، الذي خلقه تحلل الأيدلوجية الدينية وفسادها، وما كان لها مع ذلك أن تنشأ، لو لم تتحقق من قبل وحدة الإنسان وقدسيته في الأديان السماوية أو المقدسة.
أزمة من أزماتنا:
يتحدث د. غليون (44) عن أزمة يعيشها المجتمع العربي، تتمثل في عجز"التحديث"عن تقديم مشروع لأخلاق عقلية، على حين يقوم"التحديث"بتدمير الارتباط بين الأخلاق والدين، فلم نبقِ على الارتباط القديم، ولا أفلحنا بإنشاء ارتباط جديد. وهذا نموذج محزن لهدم وفشل في البناء شمل أكثر من قضية.
يتحول غليون بعد ذلك لنجاح الإسلام في أن يوحد ما بين الدين - كمصدر لأخلاق فردية - وبين الشريعة كمصدر لنظام اجتماعي سياسي مدني:"إن مضمون التجربة الإسلامية الأساسي هو نجاح الإسلام إلى وقت قريب في التوفيق بين مقتضيات الدين والدنيا، أي تطوير المسائل الأخلاقية والسياسية والقانونية، التي تواجه الجماعة المدنيةـ على قاعدة من السند الديني، ولم يضطر من أجل حفاظه على الدنيا، وتحقيق مكتسباته المدنية إلى التخلص من الدين، أو شن حرب شاملة عليه، كما حصل في المجتمع الأوروبي، ولهذا لم تظهر العلمانية كمطلب أساسي في أيدلوجية التقدم الحديث الأولى، بل بالعكس، فقد اعتبر المسلمون الأوائل أن تدعيم الشعور الديني وتنقيته، هو الوسيلة الأساسية لتدعيم الشعور الأخلاقي، وتقوية الشعور بالواجب، والالتزام بقضايا الجماعة والتضحية في سبيله" (45) .
واليوم تشتعل معركة حامية بين الإسلاميين والعلمانيين، وسيكون من نتائجها التي تشبه لعبة شد الحبل، عدم تطور المجتمع، والانشغال بالحرب الكلامية، ثم الوقوف عندها وعدم تجاوزها.
1-الإيمان بالله تقدم:
الدين عقيدة ينبثق عنها سلوك وتصور معرفي، وقد يكون ثمة تشريع أو لا يكون.. وبهذا المعنى، فكل عقيدة هي دين، فالشيوعي دينه الشيوعية، والعلماني دينه العلمانية، والوجودي دينه الوجودية، وهكذا… وهناك اليوم ملايين من المسلمين والنصارى مثلًا، لا يعرف من الدين سوى أنهم مسلم أو نصراني، لأنه ولد كذلك، لكنه لم يدخل مسجدًا أو كنيسة، ولا صلى ولا صام، ولا كف عن المحرمات، ولا فعل شيئًا من الواجبات.
ويوجد إلى جانبه التزام صارم بالماركسية أو العلمانية، حتى ليمتنع عن قراءة كتاب، لأنه مخالف لعقيدته.. وأستذكر هنا مقولة"سارتر": بأن كل من يعادي الشيوعية فهو كلب، وأنه يعلن تمسكه بها. وأيام الثورة الثقافية في الصين، حفلت الصين بكل أنواع التعدي والإرهاب لكل من لا يؤمن بالشيوعية الماوية.
إن الأديان عمومًا والسماوية على وجه الخصوص لا تعترف بعبودية إلا الله تعالى، ومن ثم فهي تحرر الإنسان من عبودية الزعيم الأوحد، أو الحزب الطليعي الأوحد، وحتى الشهوات…
وحين طلب الإمبراطور الفارسي من المسلمين أن يقابله أحد، جاء ربعي بن عامر رضي الله عنه، فلما سأله: ما الذي أخرجكم من بلادكم؟ قال ربعي: جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
ومن هنا وجدنا كافة الفراعنة قديمًا وحديثًا تحارب الدين، لأنه يمنع البشر أن يكونوا عبيدًا لأحد سوى الخالق.
وكافة الفضائل يأمر بها الدين، فهو يأمر بالعدل، وينهى عن الظلم، ويمنع كل أنواع العدوان، ويأمر بكل خير، وينهى عن كل شر، يحترم الإنسان ويعتبره المستخلف في الأرض، ويكرمه بكل صور التكريم، حتى ليمنع كل ما يؤذيه من همز أو لمز أو لقب قبيح يكرهه.. يحافظ على حقوقه، ويمنع عن الاعتداء عليها، في نفسه ومشاعره، وأمواله وأولاده وعرضه، وكل محبوب لديه.
الدين بشكل عام عدو للعنصرية، عدو للمستبدين المتفرعنين، عدو للظالمين، عدو للفاسدين المفسدين.. الحضارة تحتاج إلى دين يضبط حركة أهلها، ويكون هاديًا وموجهًا لها، حتى ليقول الفيلسوف"برناردشو" (46) إنه يعرف جيدًا أن الحضارة بحاجة إلى دين، وأن حياتها أو موتها يتوقفان على ذلك.
أما الناقد البريطاني"كولن ولسن"فيقول (47) :"الإنسان ليس كاملًا بدون دين، فإذا أرادت الحياة أن تتقدم خطوات أخرى أسمى من القرد، أو من الإنسان العادي، وحتى من الفنان، فلن يكون ذلك إلا عن طريق قوة الفهم، وهذا الشوق لتركيز أعظم من الخيال، يتمثل في الشهية الدينية… إن الدين مقياس البطولة ورمز حاجة الإنسان في الكفاح… وفشل الدين والحروب العالمية، أمران متلازمان حتمًا".
جاء في كتاب القبائل: (48)