فهرس الكتاب

الصفحة 1881 من 1942

"لقد سيطرت النظرية المتطلعة إلى بشرية متحررة من الضوابط الدينية والقبلية، وعالم بلا قبائل عالمية، على خيال مفكرين من ماركس إلى أوغست كومتي، إلى إتش جي ويلز، وحسب مفهوم"العلمنة"الذي رافق تطوير العلوم الاجتماعية في القرن العشرين، فإن عملية التصنيع والتحديث ستتغلب في النهاية على الدين وعلى الهوية العرقية في الدول المتقدمة. وقد أصر عالم الاجتماع المعاصر"دانيال بل"على ان الانهيار المتواصل للهوية العربية والدينية مسألة حتمية".

والسؤال: هل صدقت النبوءات؟

وختامًا، إن الإيمان بالله تعالى وحده لا شريك له، ليحرر الإنسان من عبادة الزعماء أو الأحزاب، أو الشهوات والغرائز، أو السقوط في العنصرية واحتقار الآخرين، أو التطهير العرقي، أو سلب ونهب الشعوب وخيراتها، او إشعال الحروب واستعباد الأمم.

تبقى قضية مهمة، إن الدين نصوص يفهمها الإنسان، وإن الإيمان بالله عقيدة معرفية، فالإنسان قد يفهم النص فهمًا غير سليم، وقد يفسره ويسوقه لهدف لم يوضع له، وإن الإيمان بالله تعالى قد يبرد، فيصبح مجرد معرفة لا علاقة لها بالسلوك، ومن ثم فاللوم ينبغي أن يوجه للإنسان، وليس للدين والإيمان.

وكم من نصوص يلوكها الإنسان بلسانه، ويخرج عليها بسلوكه.. كم من نصراني يقرأ في الأناجيل:"من يلطمك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر".. ثم هو يمارس اللطم ليل نهار، ويشعل الحروب، وهو يتحدث عن"المحبة ودين المحبة".

وكم من مسلم يتحدث ليل نهار عن التوحيد الخالص، وهو يعتقد أن"البشر"هو الضار النافع فينافق له، وكم من مسلم يتحدث عن"الأخوة"وهو يترفع على كل الخلق، مسلمهم وكافرهم، ويحتقرهم، ويعاملهم أسوأ معاملة.

العيب لي في الدين ولا في الإيمان بالله، ولكن العيب في الإنسان، الذي لا رابط بين عقيدته وسلوكه. وهذا الأمر ليس خاصًا بأهل الدين، فالكل اليوم سواء، يستوي في ذلك المؤمن والكافر.

ولنقرأ هذه الشهادة للدكتور برهان غليون: (49)

"إن بين الرافعين لشعارات القومية، عتاة الانفصالية والقُطرية، وبين المتحدثين بالعلمانية حماة العشائرية والطائفية"!

فالانفصال بين القول والعمل، بين المعتقد والسلوك، بات اليوم ظاهرة عامة كبيرة، بل طامة كبرى!

إن الإنسان وهو يجاهد في الحياة ويصارع، بحاجة إلى قوة كبيرة تمده بالعون، وتقول له: بأن تضحياته محفوظة ولن تضيع، ومقدرة ولن تبخس، وكل ذلك يجده عند الإيمان بالله ربًا.. فالإيمان بالله كان وما يزال يمثل قمة التقدم، بشرط أن يكون حارًا لا باردًا كليالي الشتاء: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبلنا وإنَّ الله لمع المحسنين) (العنكبوت: 69) .. هذا تعهد عظيم من الخالق بهداية المجاهدين، وهو مع المتقين يسدد خطاهم، ويقمع عدوه وعدوهم، وفي الآخرة يرفعهم إلى مصاف النبيين والشهداء، وحسن أولئك رفيقًا.

إن وصف الأديان بأنها رجعية جاء من قبل سدنة المادة، وعبيد الدنيا، وتجار بضاعة الشمولية الفاسدة، وتعس عبد الدينار وتعس عبد الدرهم، وتعس وخاب عبيد الدنيا والشهوات.

يقول سيد قطب (50) :"الإيمان تصديق القلب بالله وبرسوله، التصديق الذي لا يرد عليه شك ولا ارتياب، التصديق المطمئن الثابت المستيقن، الذي لا يتزعزع، ولا يضطرب، ولا تهمس فيه الهواجس، ولا يتلجلج فيه القلب والشعور، والذي ينبثق عنه الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله، فالقلب متى تذوق حلاوة هذا الإيمان واطمأن إليه وثبت عليه، لا بد مندفع لتحقيق حقيقته خارج القلب، في واقع الحياة في دنيا الناس، وهو يريد أن يوحد بين ما يستشعره في باطنه، من حقيقة الإيمان وما يحيط به في ظاهرة من مجريات الأمور وواقع الحياة…".

التحرر تقدم:

الإنسان دون سائر الأحياء، له حاجات كثيرة بدنية وعقلية وقلبية، عاطفية وروحية، وكلما كبر كبرت حاجاته.. الطفل الصغير تهديه لعبة صغيرة فيفرح لها أعظم الفرح، وتعطيه الدرهم أو الريال، فكأنما ملك الدنيا كلها، فإذا كبر كبرت حاجاته. فالشاب لا يقبل بالدرهم والدينار، لا يرضى إلا بالسيارة الفارهة، والملبس الجيد الجديد، والمدرسة الراقية، فإذا أنهى الدراسة تطلع للوظيفة الجيدة والراتب الكبير، وبعد مدة يطالب بالزواج والبيت الجيد وهكذا، كلما كبر كبرت حاجاته وتعاظمت حتى:"لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب، أحب أن له واديًا آخر، ولا يملأ فاه إلا التراب، والله يتوب على ما تاب" (51) .. فإذا سار في هذا الاتجاه صار عبدًا لحاجاته.

وساعد على هذا التوجه أن حضارة اليوم مادية حتى النخاع، وسويداء القلب، ويستوقفني في ذلك شعار"آدم سميث" (52) :"اجمعوا واجمعوا تلك هي الشريعة والأنبياء"، أي اجمعوا المال، فمتى حصل ذلك فهو كل شيء، هو الدين والدنيا معًا.

وقد علق الفيلسوف"نيتشه"على ما تقدم قائلًا (53) :

(على قاعدة هذه الشريعة، يتحول النقد -المال- إلى إرادة من نوع آخر، إرادة رأس المال، التي لا تلغي الإنسان مباشرة، ولكنهما تعطيه الشعور بالقوة الأكثر علوا، والعي الأفضل) .

ويعلق د. علي الشامي على ما تقدم قائلا (54) :

"لقد أعمى المال بصيرة الغرب، ولم تعد الحياة بالنسبة إليه أكثر من مجرد مسعى حثيث لإغراقها في مادية لا نهاية لها، ولم يعد"رأس المال"مجرد حالة عابرة أو خاصة، فقد طبع كل شيء بطابعه، وصار هناك رأس مال للفرد والطبقة والدولة… وبات كل شيء رهين إرادته، وأصبحت هذه - وفق هذا التحليل - الرأسمالية نقطة ارتكاز في مسيرة الغرب نحو الخارج.. فهي لم تكتف بأن أفلتت النمو الداخلي، وأوصلته إلى أزمة عبرت عن نفسها بزيادة الإنتاج على الحاجات، وبعجز تطويع هذه الأخيرة لصالح السلعة، بل تعدت ذلك إلى نشر رغباتها في بلاد الآخرين، كحل مؤقت لأزمتها، وكإصرار على عدم تجاوز منطقها الاقتصادي نحو الأفضل، لها ولغيرها، لذا لم تتردد"إرادة رأس المال"في تبرير الاستعمار، ومكنت الإنسان الغربي، الذي سرعان ما وجد نفسه مندفعًا نحو الخارج، ليمارس هذا التنافس والقتل والنهب والسيطرة، أثناء بحثه عن أرباح اقتنع بأنها وسعادته شيء واحد، كما ترسخ في وعيه اعتبار"زيادة الأرباح"زيادة في السعادة والرفاهية".

إن الغرب جعل حضارته مادية أولًا وقبل كل شيء، وهو اليوم بفضل العولمة والشركات الكبرى، متعددة الجنسية، يقتل المنافسة، ويحول العالم - على سعته - إلى سوبر ماركت غربي، تغمره الدول الصناعية بفائض صناعي وزراعي، تزيد في ثمن البضائع، على حين تهبط كافة السلع في دول الجنوب الفقيرة، ومن غير حرج ولا حياء يقف رئيس أغنى دولة يصرح بأنه لن يسمح بارتفاع أثمان البترول، ليطالب بخفضها، لأنه غني قوي، وليضمن الرفاه لشعبه، وليمت غيرهم جوعًا، ثم لا يجد من يقول له: لا!

إنها شريعة الغاب، للقوي كل شيء ولا شيء للضعيف! وقد أجاد"نيتشه"وصف هذه الحالة قائلًا (55) :"امتلاك، قمع، إخضاع كل ما هو غريب وضعيف، ظلم، قساوة، فرض لأشكاله الخاصة، دمج، وعلى الأقل: استغلال".

إن حضارة الغرب بتركيزها على الجانب المادي للحياة، وتهميشها واستبعادها لكل ما هو غير مادي، قد تخلت عن الحد الأدنى من الروحانية النصرانية، وتخلت عن كافة الحلول الإلهية، وأطلقت العنان لشهوات الإنسان كلها، وصاغت نظامًا أخلاقيًا يتمحور حول الفردية والأنانية والحيوانية، بحيث يغدو"الشوق إلى الرفاهية والدعة أقوى بكثير من السعي وراء تحقيق حاجات الروح، وبحيث يصبح الفرد الغربي من أجل ذلك أكثر استعدادًا لممارسة العنف ضد الذات، وضد الآخر…" (56) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت