فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 1942

إنَّ موقف الغرب المعلن أو المضمر تجاه الإسلام قد ولَّد - منذ البداية - في العالم الإسلامي ردود فعل طبيعية حينًا، ومغالية أحيانًا، بحيث أدت عمليات الفعل وردود الفعل المتراكمة والمتعاظمة إلى أن يصدق الغرب مزاعمه الأصلية ويؤمن بصحة تخيره شيطانه، وإلى أن تتكاثر في العالم الإسلامي من جانب آخر الأعمال العدوانية تجاه الغرب وهكذا دواليك.

ومما يدعم وجهة النظر هذه أنَّ هنتنغتون نفسه صاحب نظرية صدام الحضارات ومن كبار الاستراتيجيين الأمريكيين، ومقرب جدًا من دوائر صنع القرار في أمريكا، وبالتالي فإن نظريته هذه أحد المخارج التي توصلت إليها النخب الحاكمة في الولايات المتحدة والغرب للحفاظ على مكاسبها الناجمة عن استمرارية موازنات الحرب في الارتفاع ، وعن تنازل المجتمعات الغربية عن جزء مهم من حقوقها في الرفاه والتقدم مقابل الحصول على قدر أكبر من الأمان تجاه الأعداء المفترضين.

رأي آخر يقول: إنَّ وراء بروز ظاهرة صراع الحضارات أسبابًا اجتماعية عائدة إلى أنَّ الهيمنة في داخل العولمة، وسيطرة الاستهلاك والتكنولوجيا أديا إلى تفجر الاختلافات والتمايزات والخصوصيات والهويات القومية والعرقية والدينية والثقافية واحتدام الصراع فيما بينها، مع بروز ظاهرة واحدية الحضارة، ومحاولة فرض السيطرة من قبل الحضارة الرأسمالية.

موقف الإسلام من قضية صراع الحضارات

إنَّ التصور الإسلامي لا يكرس الصراع كقانون تاريخي مطلق كما تقدمه فكرة هنتنغتون، ولكن الصراع في التصور الإسلامي بمعنى التدافع ليس إلاَّ سنّة واحدة من سنن الاجتماع البشري إلى جانب سنن الله الأخرى، كما أنه له منطقه المختلف عن مفاهيم الصراع الأخرى، ولذا فإن الجهاد في معناه الواسع ليس صراعًا مع الآخر للقضاء عليه، ولكن أداة لحماية الدعوة ونشرها بين الآخر، ومن ثم فهو أحد أدواته حيث أداة التعاون السلمي تظهر إلى جانبه، ولكل من الأداتين ضوابطهما وشروطهما وليست إحداهما بديلة مطلقة للأخرى.

ولذا فإن القول: إنَّ أصل العلاقة بين المسلمين وغيرهم في التصور الإسلامي هو الحرب أو السلام ليس قولًا منضبطًا، ولكن القول الأفضل هو: متى تكون الحرب؟ ومتى يكون السلام؟ وهكذا يجب أن نقرأ المدارس الفقهية المختلفة حول هذا الموضوع بحثًا عن إجابة لهذا السؤال الأخير، وهو السؤال الذي يحتل في التصور الإسلامي مكانة السؤال في المنظور الغربي حول الصراع كمحرك بين من وعلى ماذا؟

من ناحية أخرى فإن هذا الصراع في صورته العسكرية أو السلمية ليس لتأكيد هيمنة ثقافة على ثقافة أخرى، ولكن لتحقيق أهداف الدعوة والرسالة باعتبارها رسالة للعالمين، ليس بالإكراه والقسر والإجبار للشعوب والأمم، وعلى العكس فإن منطق صدام الحضارات في فكر هنتنغتون يعكس كل منطق التناقض بين عالمية الإسلام وبين هيمنة الحضارة الغريبة، أي عولمة النموذج الغربي. حيث إنه، أي فكر هنتنغتون، يعكس تكريسًا لهذه الهيمنة وكيفية استمرار قوتها بأساليب إكراهية قسرية إجبارية.

إذًا إنَّ المفهوم الإسلامي عن نمط العلاقة بين الحضارات هو تعارف الحضارات"وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا"، وكذلك حوار الحضارات، حيث ينبني المفهوم الإسلامي عن حوار الحضارات على رؤية الأصول"قرآنًا وسنة"، ويعكس الأسس المعرفية للرؤية الإسلامية، ومن ثم يختلف في جوهره عن المفهوم الغربي عن الحوار الثقافي أو الحضاري، كما لا بد وأنه يختلف في غاياته ودوافعه.

من هنا فقد سعت مجموعة الدول الإسلامية ، وعبر إطارها التنظيمي، منظمة المؤتمر الإسلامي، إلى نبذها لقضية ما يسمى بصراع الحضارات انطلاقا من مبادئ دينها الحنيف الذي يدعو للتسامح والمحبة ونبذ العنف والتعصب، وذلك في أكثر من مناسبة داعية إلى إيجاد نوع من الحوار والتواصل بين الحضارات المختلفة، وقد عبرت عن ذلك في إعلان طهران مايو 1999، واجتماع واجادوجو يونيو1999، واجتماع باماكو يونيو2001 وكذلك اجتماع الدوحة أكتوبر 2001.

ملاحظات حول مقولة صدام الحضارات

إنَّ فرضية هنتنغتون في الصدام بين الحضارات تخفي داخلها فقرًا فلسفيًا واضحًا يبرز أولًا في رفضه فصل الثقافة عن الحضارة، واعتباره أنَّ الثقافة هي الفكرة العامة في كل تعريف للحضارة، ما انعكس بدوره على مفهومه عن الحضارة وربطه بالدين، وهذا خلل واضح إذ إنَّ استخدام مفهوم الحضارة، وبالتالي الدين بوصفه المؤشر الأساسي للتمييز بين أطراف الصراعات الرئيسية في عالمنا الحالي لا يساعد كثيرًا في فهمنا لهذه الصراعات.

من جهة ثانية فقد أثبتت أحداث التاريخ أنَّ دور الحس الديني في الحضارة وفي الصراع وفي الحروب، وإن كان قائمًا وفاعلًا، إلاَّ أنه ومن خلال تحليل المصالح وسياسات الدول والقوى الاقتصادية ومعطيات الجغرافيا السياسية فإن هذا الحس الديني يتدخل كعنصر"تغيير"لا كعنصر ثبات، وعنصر تغيير للحضارة نفسها ولتغيير هذا الحس على مستوى اللاهوت والعمل والسياسة والأخلاق.

وقد يقول قائل: لماذا لم يكن لهذا الحس أثر في الشرق الإسلامي؟ فذلك لأن هذا الحس قد غرق في فقه سلطاني ولم يأبه للتحولات الحاصلة في العالم لا من قريب ولا من بعيد.

إنَّ الأشكال الصراعية التي يصفها هنغتنتون بالصدامات بين الحضارات لا تعدو أشكالًا من الممانعات الثقافية وحركات الاحتجاج والرفض والحروب الأهلية الناتجة عن عجز الحضارة الغربية عن أن تصبح عالمية مستوعبة لتنوع العالم، وذلك بسبب تطابقها مع مشروعها الرأسمالي وتحولها واستدخالها لمنطقه في الربح والسيطرة والاستهلاك، وبالتالي بسبب إعاقة هذا المشروع لخطط التنمية التي فشلت في بلدان الأطراف فشلًا ذريعًا وتحولت في مظاهرها العالمية الغالبة إلى حضارة"صورة"و"سلعة"يتجاذبها تناوب المتعة والملل السريعين لدى الميسورين، والحقد والجوع والعنف لدى المحرومين.

ما لا يقوله خطاب"صدام الحضارات"هو أنَّ انبعاث الثقافات الفرعية لحضارة قديمة كالحضارة الإسلامية على سبيل المثال، هو صيغة من صيغ يقظة المغلوب الذي يلجأ إلى الذاكرة الجماعية الثقافية للاحتماء والاحتجاج والرفض، وأن الثقافة أو المصادمة اليوم، والتي تصدر عن مخزون من الذاكرة الجماعية والمقدس الديني، ليست حضارة بالمفهوم الذي يبني أنساقًا فكرية وفلسفية وإبداعية وإنتاجا للمعرفة على المستوى الإنساني والعالمي، كما كان شأن الحضارة الإسلامية سابقًا، بل إنها نمط من ثقافة فرعية لحضارة أصبحت في حال العرب والمسلمين تراثًا وتاريخًا ومشروع استلهام حضارة إسلامية جديدة.

إنَّ العرب والمسلمين اليوم، لا ينتجون وسائل الحضارة الإنسانية الحديثة، ولا علومها، ولا فلسفتها، أما العودة إلى معالم الحضارة الإسلامية إبان ازدهارها فهي عودة إلى التاريخ واسترجاع الذاكرة أو دراسة لمرحلة، وفي الحالتين لا تملك"الحضارة الإسلامية"، بما هي تراث ، ديناميت التصادم مع الحضارة الغربية الحديثة.

إنَّ الشعوب الإسلامية تبحث عن مشروع حضاري جديد لا يمكن للإسلام إلاَّ أن يكون في قلبه، ولا يمكن لمعطيات الحضارة العالمية إلاَّ أن تكون مادة اقتباس وتوليف وهضم له.

إذًا ماذا نسمي كل هذه الصدامات في العالم والتي يزهو هنتنغتون بتعدادها في مقدمة رده على مساجليه عبر إعطاء نماذج من عالم ما بعد الحرب الباردة ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت