لا شك أنَّ المصطلحات الرائجة في هذا الحقل مثل المدنية والثقافة والحضارة غير محددة، وللحضارة وحدها تعاريف كثيرة جدًا… وإذا اكتفينا بما تلقيه كلمة الحضارة في الأذهان وهو تقدم المجتمع البشري… فهل تقدم المجتمعات البشرية في الحقول المادية هو حضارة ؟ هناك من يرفض ذلك، ولعل المنطق القرآني يرفضه أيضًا. فالبناء المادي مرفوض إذا لم يكن قائمًا على أساس معايير إنسانية أو على معايير التقوى بالتعبير القرآني: ( أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون، وإذا بطشتم بطشتم جبارين، فاتقوا الله وأطيعون ) [الشعراء 128-131] . فالقوة المادية تكون سبب البطش والتجبر إذا لم تكن مقرونة بقيم ذات رصيد ديني.
وليس بعيدًا عما سبق ذكره، فإنه ليس ثمة إجماع على مفهوم الحضارة، فضلًا عن أنَّ بعضهم يماهي بين هذا المفهوم وبين مفهوم الثقافة، كما أنَّ تصنيفات الحضارة تتفاوت تبعًا لتفاوت المعايير، الأمر الذي من شأنه أن يخلق تناقضات وإرباكات حادة عند الحديث عن صدام الحضارات أو حتى حوارها.
محاولة لتأصيل فكرة صراع الحضارات
أشار المؤرخ الفرنسي"بروديل"في كتابه الشهير"المتوسط والعالم"، إلى أنماط من الحضارات الحية أو الكامنة في حوض المتوسط في فصل بعنوان لافت:"الحضارات فردوس البشر وجحيمهم"، ويقول بروديل:"يحتوي المتوسط على ثلاث حضارات هائلة وثلاث مجموعات ثقافية وثلاثة أنماط أساسية في الاعتقاد والتفكير والعيش والأخلاق والمأكل … متجسدة في ثلاث شخصيات لا نهاية لأقدارها، وكانت دائمًا قائمة من قرون وقرون متجاوزة حدودها وحدود الدول التي لا تشكل إلاَّ لباسًا لها … الحضارة الأولى هي الحضارة الغربية، وعلى الأصح اللاتينية أو الرومانية… الحضارة الثانية هي الحضارة العربية ـ الإسلامية، والغرب والإسلام يجمعهما تعارض عميق يقوم على التنافس والعداء والاقتباس، إنهما عدوان متكاملان الأول ابتكر الصليبية وعاشها، والثاني ابتكر الجهاد وعاشه."
في عام 1947 ألقى أرنولد توينبي محاضرة بعنوان"الصراع بين الحضارات"، وقد أعيد نشرها في مجلة هاربر لعدد إبريل 1947، ثم تضمينها في كتابه CIVILIZATION ON TRIAL (الحضارة في الميزان) ، ويمكن اعتبار هذه المحاضرة نصًا ثمينًا مرجعيًا في الوقت الحالي. فعلى الرغم من أفكارها العفوية والخواطرية بنى هانتغتون عليها نصه في المقال الذي نشر في مجلة FOREIGN AFFAIRS وأحدث ردودًا لم تنته بعد، وأعاد صوغها في كتابه الذي أصدره لاحقًاTHE CLASH OF CIVILIZATIIONS ، والذي أخذ أبعادًا عالمية وتحول إلى ظاهرة.
وبالعودة إلى الأفكار الرئيسية التي قدمها توينبي في محاضرته، فقد اعتبر أنَّ الحادثة الكبرى والأهم في القرن العشرين، والتي سيقف عندها المؤرخون كثيرًا في القرون القادمة هي حادثة اصطدام الحضارة الغربية بسائر المجتمعات الأخرى القائمة في العالم، وتنبع أهمية هذا الحدث في رأيه من أنه الخطوة الأولى نحو توحيد العالم في مجتمع واحد، وذلك عن طريق تحطيم التراث الاجتماعي الإقليمي للحضارات الأخرى عند اصطدامها بالتراث الاجتماعي الغربي، وإن نوعية وفرادة هذا التوحد الاجتماعي للعالم لا تكمن أو تتمثل في ميدان الفنون الصناعية والاقتصادية، ولا في ميدان الحرب والسياسة، وإنما تتمثل في ميدان الدين.
ويتابع أنَّ الديانات الأربع الكبرى ذات الرسالة العالمية التي تقوم اليوم في العالم: المسيحية، الإسلام، والهندوسية، والبوذية الماهايانية التي تسود في الشرق الأقصى، هي من الناحية التاريخية ثمرة الصراع الذي دار بين الحضارة اليونانية ـ الرومانية ونظيراتها المعاصرة.
إذًا ينظر توينبي إلى تاريخ الحضارات على أنه صراع بين الحضارات، وأن هذه الحضارات إنما تقوم على الدين كمعتقد رئيسي ومرجع أساسي في قيام الحضارة.
بعد ذلك يأتي الأمريكي صموئيل هنتنغتون، وهو مدير معهد جون أولوين للدراسات الاستراتيجية في جامعة هارفرد، وقد أسندت إليه ما بين عامي 1977-1978 مسؤولية قسم التحليل والاستشراق في مجلس الأمن القومي الأمريكي، ليصوغ نظريته في صدام الحضارات متلقفًا خطى فرانسيس فوكوياما صاحب نظرية نهاية التاريخ التي ثبت تهافتها.
يقول هنتغتون: إنَّ"شعور الانتماء إلى حضارة معينة سوف يكون له شأن متزايد في المستقبل، وسوف يصوغ العالم إلى حد كبير التفاعل بين حضارات ست أو سبع هي الحضارات التالية: الحضارة الغربية، والحضارة الكونفوشيوسية، والحضارة اليابانية، والحضارة الإسلامية، والحضارة الأرثوذكسية، والحضارة اللاتينية ـ الأمريكية، وربما الحضارة الأفريقية. والصراعات المهمة القادمة سوف تقوم على طول الخطوط الثقافية التي تفصل بين هذه الحضارات".
ويرى هانتنغتون أنَّ الفروق بين الحضارات هي فروق أساسية تتلخص في التاريخ واللغة والثقافة، والأهم الدين. فالدين مركزي في العالم الحديث، وربما كان هو القوة المركزية التي تحرك الناس وتحشدهم، وهذه الفروق الثقافية ليست قابلة للتبديل أو الحلول الوسط، ومع تحديد العلاقات المختلطة بمقياس ديني أو إثني فستنشأ تحالفات في صورة متزايدة تستغل الدين المشترك والهوية الحضارية المشتركة، وبناءً على ذلك سيحدث صدام بين الحضارات.
ولما كان هناك صدام عسكري يمتد عمره قرونًا بين الغرب والإسلام فإنه ليس من المرجح أن ينحسر، وإذا أضفنا إلى ذلك التفاعل العنيف بين الحضارة الغربية والحضارة الكونفوشيوسية فإنه من الممكن أن ينشأ تحالف بين الحضارتين الإسلامية والكونفوشيوسية يهدد الحضارة الغربية، ويبشر بظهور صدام حضارات بين الغرب والبقية THE WEST AND THE REST على حد تعبيره، وبناءً على ذلك فإنه يخاطب الساسة الغربيين محذرًا '' على الغرب أن يحد من توسيع القوة العسكرية لحضارات معادية محتملة، خصوصًا الكونفوشيوسية والإسلام''.
صدام الحضارات، لماذا ؟
منذ القدم والثقافة الغربية محملة بأوهام كثيرة تجعل من الإسلام عدوًا تاريخيًا وتقليديًا للغرب، وليس مصدر هذه الأوهام دينيًا وحسب، بل أضيفت إليه، وعلى مر الأيام والتاريخ، عوامل سياسية واقتصادية زادت في أثر هذا العامل الديني وجعلته يتخذ شكل خرافة ضخمة تستقر في أعماق الوعي الغربي.
وقد وجدت هذه الخرافة فرصتها الذهبية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي من خلال البحث عن شيطان جديد يحل محل الشيطان القديم الذي ترك وراءه فراغًا عدوانيًا لا مناص من ردمه. وكما هو معلوم فإن الذات تجد نفسها عن طريق الآخر. وقد كان واضحًا منذ الأيام الأولى لسقوط جدار الارتطام القديم، بحث الغرب عن آخر يواجهه ويقاومه ويشعر بذاته من خلال الصدام معه. ولم يكن هناك أفضل من الإسلام ليجسد هذا الآخر، ذلك أنه ومنذ القديم شكل الإسلام هذا الآخر.
وهكذا وجد العالم المتقدم من جديد في العالم الإسلامي البديل العدواني للاتحاد السوفييتي، وبدأت الخرافة القديمة بالانبثاق والظهور، وبدأت عمليات النسج الخرافي تلف الإسلام لتظهره على أنه"الآخر"، وكذلك"الوجه المناقض للتقدم والإرث المعادي لمسيرة الحضارة".
وقد بذلت الصهيونية العالمية في هذا الإطار مجهودات كبيرة من أجل تشويه الصورة الإسلامية في الغرب دومًا وأبدًا. وذلك بهدف تسميم الأجواء بين الغرب وبين العرب والمسلمين.