فهرس الكتاب

الصفحة 228 من 1942

ثم إن هذه الفوضى الإعلامية التي ملأت أسماع وأنظار العالم برمته بداعي مصرع زوجة ولي عهد إنكلترا المطلّقة تعددليلًا دامغًا آخر على تفاهة العقلية - إن كان ثم عقل - الغربية ، فالقتيلة توفيت وهي ملاحقة من قبل الإعلاميين الذين كانوا يتحينون فرصة التقاط صور فاضحة مع عشيقها الجديد المليونير المصري ، وكأنهم - الإعلاميين - لم يكتفوا بالمغامرات العديدة السابقة للأميرة، فهي وزوجها ولي العهد ليسا إلاّ رمزًا تافهًا للتفكك العائلي والانحطاطالخلقي والمغامرات غير الشريفة. ومن فداحة الخطب أن القارئ المسلم والشاب الشرقي المتطلع يواجه يوميًا ولمرات لاحصر لها بأنباء هذا الحادث التافه، وهذا بالذات ما يثير الشكوك تلو الشكوك حول ما إذا كانت هناك ثمة مؤامرةومخطط صهيوني - تبعًا لما يمتلك اليهود من سيطرة شبه مطلقة على الصحافة العالمية - لتحويل الأميرة القتيلة إلى رمزللحرية والانطلاق المزعومين لزوجة كان من المقرر أن تكون ملكة لبريطانيا، اختارت عدم التقيد بالأخلاق - التي تصورها أبواق الدعاية والفضائح - على أنها من مخلفات الماضي ورجعية الإنسان القديم.

وإذا كانت العقلية والسلوك الغربيان الحاليان وليدَي نوع من الاستهتار بالقيم والأخلاق ومتطلبات الروح، فإن الجيل الأوروبي والأميركي في المرحلة الراهنة يعاني وسيعاني أكثر بكثير مما عاناه سلفه؛ فالطفل يعيش التمزق بما تعنيه الكلمة، هذا الطفل الذي خلق اللَّه فيه غريزة الحب والحنين لأمه وأبيه أضحى كدمية ملقاة في زاوية غرفة خربةمتروكة، فهو لا يعرف أباه أو أمه ولم يشاهدهم منذ لحظة ولادته نتيجة الطلاق والتشرد..

وهذا الواقع بالذات ما دعا البابا إلى الحديث عنه لدى إحدى زيارته لباريس، حيث تناول في خطابه قضية حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية المهدورة في العالم الغربي، وعن مسألة الإجهاض، وعن التماسك العائلي المفقود ..

إننا في مجتمعنا المسلم إذا سمعنا نبأ طلاق حدث بين زوج وزوجته في منطقتنا أو محلتنا فإن الأفواه ستفغر، والاستياء أوالاستنكار سيكون محور ردود أفعالنا وأحاديثنا، مهما كان السبب لذلك الطلاق أو الانفصال. أما في المجتمع الغربي فإن الانفصال هو رد الفعل الأول، أو يكون هو الفعل بذاته لدى حدوث أي اختلاف في وجهات النظر على أبعد احتمال.

تفعيل الجانب الحضاري

والسؤال الذي يطرح نفسه بكل قوة في المرحلة الراهنة هو: كيف نقلب الصورة والواقع ونعود بالمجد والتقدم إلى مجتمعنا المسلم؟ أو على الأقل كيف نجعل الأحداث الدائرة في وطننا الإسلامي الأولى من حيث الصدارة لدى الرأي العام العالمي؟ ولماذا نسمع دومًا أنباء الاكتشافات من أميركا وأوروبا وليس من بلداننا، فهل التقدم العلمي والصناعي محرَّم على المسلمين، أم أن اللَّه سبحانه وتعالى قد خلق الفكر والعقل والتقدم لأناس دون غيرهم - والعياذ باللَّه - ؟!فأين يكمن السر؟ وكيف نغير المعادلة الظالمة هذه؟

إن الواقع يشير إلى أن السر الحقيقي يكمن في أننا - نحن المسلمين - قد أهملنا جانبًا أساسيًا من الدين؛ وهو الجانب الحياتي منه، أهملناه واقتصرنا على مجموعة صغيرة من التعاليم المرتبطة بالعلاقة بين الإنسان وبين اللَّه سبحانه وتعالى.لقد أهملنا تعاليم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل اللَّه، وإرشاد الجاهل، والاهتمام بالمحرومين،وعشرات الأحكام الشرعية قد ألغيت من قاموسنا، حتى أن الكثير من الكتب الفقهية الصادرة عن كبار العلماء لا تعالج سوى أحكام النجاسات والطهارات والصلاة والصوم وكيفية دخول دورة المياه، أما الحديث عن كيفية بناء المجتمع،وتحقيق الكرامة للمسلمين، والدفاع عن حقوقهم فهي بحكم المعدوم في الكتابات الفقهية.

ولو أننا عدنا إلى تفعيل الجانب الاجتماعي والحضاري للدين الإسلامي لأخذنا بزمام المبادرة التأريخية من جديد دون أدنى شك. فالمسلمون إذا ما اهتموا بقاعدة التعاون والتكافل والعمل الجدي، فإنهم سوف يتقدمون على غيرهم من الأمم.

الإيثار وحب الآخرين

إن التعاون والاتحاد أمران ليسا بحاجة إلى استدلال، فهما يمثلان البنية التحتية لأي تطور؛ والآن فإننا نسمع في نشرات الأخبار الاقتصادية والمالية عن اندماج شركة من الشركات مع نظيرة لها ، أو أن البنك الفلاني أعلن عن اتحاده مع بنك آخر، وليس بالضرورة أن يكون هذا الاندماج أو ذاك الاتحاد نابعًا عن عجز في الميزانية أو حدوث فضيحة مالية، بل قد يكون العكس في كثير من الأحيان هو الصحيح؛ إذ أن الغالب في عالم الاقتصاد المعاصر هو أن الشركات الكبرى تتجنب احتمال حدوث العجز في ميزانيتها وموازنتها بواسطة الاندماج بشركات أخرى؛ أضخم أو أضأل منها، فهي تتحد مع شركة أخرى من أجل مواجهة التحديات الجديدة المحتملة.

ولكننا لم نؤمن بالشركات أو التعاونيات أو اندماجهما، بل اقتصرنا على تشكيل هيئات لبناء مساجد أو حسينيات ضمن عمل خيري مؤقت تشوبه الكثير من نماذج التمزق وعدم التسامح وعدم الاهتمام بأخلاقيات التعاون والعمل المشترك، من قبيل الصبر وسعة الصدر والاستقامة وروح التفاهم؛ علمًا أننا نعرف بفضل القواعد والرؤى الدينيةلشريعتنا، إن الناس يتفاوتون في تربيتهم وأخلاقهم وطبائعهم وألوانهم وألسنتهم وبصماتهم؛ ونعرف أيضًا أن الدين قدبيّن لنا ضرورة التوليف بين أمثلة التفاوت هذه، ليتكرس النصر والتقدم؛ وليكون الأجر جزيلًا عند اللَّه سبحانه وتعالى.

فمن الضروري جدًا أن يعي الإنسان المسلم أهمية الاعتراف بوجود وشخصية أخيه المسلم ، تبعًا لمنطوق ومفهوم الآيةالقرآنية الكريمة القائلة: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات/ 13) . وهذا الاعتراف والإيمان يستدعي في نهاية المطاف مزيدًا من الحب والاحترام،والاستفادة من القدرات والطاقات والإمكانات.

واللَّه تبارك وتعالى قد بيّن أهم صفة من صفات المؤمنين في سورة الحشر، وهي صفة الإيثار وحب الآخرين النابع من الاعتراف بهم.

فلقد استطاع الرسول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم أن يخلق مجتمعًا جديدًا في المدينة المنورة بعيد هجرته الشريفة من بين الأنصاروالمهاجرين، وفيهم العرب والعجم والروم والأحباش، إذ صبّ أخلاقهم الدينية الجديدة في بوتقة واحدة لصالح الدين ولصالح تفوقهم - كمسلمين مؤمنين - على بقية الأمم. ولعل النماذج في هذا الإطار عديدة وكثيرة، حيث طلق الأنصاري إحدى زوجاته وأعتق بعض عبيده وتنازل عن جملة من ماله أو أرضه أو مواشيه لصالح أخيه المسلم المهاجر؛ من أجل أن تتكافأ فرص العمل، وليكون التقدم والتفوق أمرًا مضمونًا، وذلك ضمن عملية المؤاخاة العظيمةبين أصحاب البلاد الأصليين والمهاجرين الجدد الذين قدموا مع الرسول المصطفى. وهي العملية التي لم يتمكن أي قائدعلى مرّ التأريخ من تنفيذها بين أتباعه، فضلًا عن مستوى نجاحها المنقطع النظير، فلقد كان الأنصاري يحرم نفسه من الطعام الذي قد لا يكون يملك سواه لإشباع أخيه المهاجر. وبهذه الأخلاق الحسنة والمصداقية الفائقة كان لهم أن يوصفوا بقول اللَّه تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (الحشر/9) . فالفلاح في الدنيا رهين بممارسة هذه الأخلاقيات والاتصاف بهذه الصفات المثلى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت