فهرس الكتاب

الصفحة 1070 من 1942

أولًا: أن يحرص المسلم أن يكون جدله شرعيًا وقد بينا أن الجدل الشرعي غير مطلق الجدل وأنه هو الوارد مقيدًا في كتاب الله تعالى بأن يكون بالتي هي أحسن وهو في معنى المناظرة التي يقصد فيها إظهار الصواب وليس الغلبة والإفحام .

ثانيًا: أن يكون الطرف الإسلامي قادرًا على المناظرة .

فإذا ترجحت مصلحة قيام المناظرة فلا بد من تحقق شروط القدرة في من سيتولى المناظرة أمام صاحب الباطل والبدعة .

فليس كل من عرف الحق قدر على تعريف غيره به , قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"ليس كل من عرف الحق إما بضرورة أو بنظر أمكنه أن يحتج على من ينازعه بحجة تهديه أو تقطعه , فإن ما به يعرف الإنسان الحق نوع وما به يعرفه به غيره نوع , وليس كل ما عرفه الإنسان أمكنه تعريف غيره به ؛ فلهذا كان النظر أوسع من المناظرة ، فكل ما يمكن المناظرة به يمكن النظر فيه وليس كل ما يمكن النظر فيه يمكن مناظرة كل أحد به" (1)

ويقول رحمه الله:"وقد ينهون - أي السلف - عن المجادلة والمناظرة إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجة وجواب الشبهة فيخاف عليه أن يفسده ذلك المضل كما ينهى الضعيف في المقاتلة أن يقاتل علجًا قويًا من علوج الكفار فإن ذلك يضره ويضر المسلمين بلا منفعة" (2) .

وهذه القدرة أظهر ما تكون في ثلاثة جوانب:

*القدرة العلمية في الموضوع المتناظر فيه .

*القدرة الذهنية والفطنة في سرعة استحضار الأدلة والردود المناسبة .

*القدرة التعبيرية التي تحقق جزالة العرض والاستدلال وبلاغته ووجازته .

يقول ابن عبد البر رحمه الله:"قال بعض العلماء: كل مجادل عالم وليس كل عالم مجادلا , يعني أنه ليس كل عالم يتأتى له الحجة ويحضره الجواب ويسرع إليه الفهم بمقطع الحجة , ومن كانت هذه خصاله فهو أرفع العلماء وأنفعهم مجالسة ومذاكرة , والله يؤتي فضله من يشاء والله ذو الفضل العظيم" (3) .

ثالثًا: إخلاص النية لله تعالى في المجادلة , والحذر من أن يدخل فيها شيء مخالف أو مضاد أو مفسد للإخلاص , فمقام الجدل والمناظرة مظنة للزلل وغلبة الهوى وطلب الشهرة وغير ذلك من الأخلاق الذميمة في دخائل النفوس .

يقول الإمام الغزالي ناصحًا تلميذه بأمور منها:"أن لا تناظر أحدًا في مسألة ما استطعت ؛ لأن فيها آفات كثيرة ، فإثمها أكبر من نفعها إذ هي منبع كل خلق ذميم كالرياء والحسد والكبر والحقد والعداوة والمباهاة وغيرها"ثم يعقب بحل هذه المعضلة بجواب في غاية الدقة بأنك إذا كنت لا بد فاعلا فلتتبين صدقك في إرادة الحق من خلال علامتين:

"إحداهما: أن لا تفرق بين أن ينكشف الحق على لسانك أو على لسان غيرك ."

والثانية: أن يكون البحث في الخلاء أحب إليك من أن يكون في الملأ" (4) ."

رابعًا: العدل مع الخصم في المجلس والهيئة والوقت وإعطاء الفرصة في عرض الأدلة وقبول الحق منه والعودة عن الخطأ , بل والتأسيس على فرضية أن الحق أو الخطأ يمكن أن يكون في كلام أي من الطرفين كما قال تعالى: ( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(24) [سبأ/24] (5) وذلك على وجه الإنصاف في المجادلة , وليس من باب الشك فيها , قال الإمام البغوي:

"ليس هذا على طريق الشك ولكن على جهة الإنصاف في الحجاج كما يقول القائل للآخر، أحدنا كاذب، وهو يعلم أنه صادق وصاحبه كاذب , والمعنى ما نحن وأنتم على أمر واحد بل أحد الفريقين مهتد والآخر ضال" (6) لا سيما إذا تبعه المطالبة بالدليل على الدعوى وهو من الإنصاف والعدل أيضًا كما قال تعالى: ( وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(111) [البقرة/111، 112] (7) .

خامسًا: رد التنازع والاختلاف إلى حكم الله ورسوله قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا(59) [النساء/59] (8) , وهذا يعني أن المعول عليه أولا وأخيرًا في الأمر المتنازع عليه أو المختلف فيه هو حكم الله تعالى الوارد في كتابه أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم , وليس أعراف الناس أو مذاهبهم أو آراءهم أو عدد أصواتهم ونحو ذلك , وهذا فيما بين المسلمين واضح , وهو كذلك فيما يقبله المسلم ويوافق عليه مع غير المسلم إذ يكون مرجعه في التصويب والتخطئة والقبول والرد ما يوافق مراد الله تعالى في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

سادسًا: اصطحاب الآداب الرفيعة والأخلاق الحسنة , وذلك أمر يسنده الشرع ويزكيه , كما يرتضيه العقلاء ويقدرونه (9) , وهذه الآداب متضمنة في نصوص شرعية كثيرة منها قوله تعالى: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(125) [النحل/125] (10) . وقوله تعالى: ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ(96) [المؤمنون/96] ) وقوله تعالى: ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ(83) [البقرة/83] (12) وقوله تعالى: ( وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا(13) [الإسراء/13، 14] (13) .

... قال ابن كثير رحمه الله:"وقوله ( وجادلهم بالتي هي أحسن ( أي من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب كقوله تعالى ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم ( الآية فأمره تعالى بلين الجانب , كما أمر به موسى وهارون عليهما السلام حين بعثهما إلى فرعون"(14) .

(1) درء تعارض العقل والنقل 7 / 171.

(2) المرجع السابق 7 / 173.

(3) جامع بيان العلم وفضله 2 / 107.

(4) أيها الولد ص 65.

(5) سورة سبأ الآية 24.

(6) معالم التنزيل 3 / 558.

(7) سورة البقرة 111 , وسورة النمل 64.

(8) سورة النساء الآية 59.

(9) انظر في تفصيلها أدب الحوار والمناظرة للدكتور علي جريشة ص 69 , ومعالم في منهج الدعوة للدكتور صالح بن حميد ص 229 , وأسلوب المناظرة في دعوة النصارى إلى الإسلام ص 137 .

(10) سورة النحل الآية 125.

(11) سورة المؤمنون الآية 96 وسورة فصلت الآية 34.

(12) سورة البقرة الآية 83.

(13) سورة الإسراء الآية 53.

(14) تفسير القرآن العظيم 2 / 592.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت