وقال الجصاص في أحكام القرآن:"وقوله تعالى ( إلا الذين ظلموا منهم ) يعني - والله أعلم - إلا الذين ظلموكم في جدالهم أو غيره مما يقتضي الإغلاظ لهم وهو نحو قوله: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ(191) [البقرة/191، 192] ((1) "
وقال مجاهد ( إلا الذين ظلموا منهم ) بمنع الجزية وقيل ( إلا الذين ظلموا منهم ) بالإقامة على كفرهم بعد قيام الحجة عليهم" (2) ."
إذا فالأصل في الجدال أن يكون بالتي هي أحسن كما قال تعالى أيضًا في سورة النحل: ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ( وعندما يحصل الظلم ينتقل إلى غير التي هي أحسن .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في قوله تعالى: ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ("فأمره تعالى أن يجادل أهل دعوته مطلقًا من المشركين وأهل الكتاب بالتي هي أحسن , وقد قال تعالى ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم ( فإن الظالم باغ مستحق للعقوبة فيجوز أن يقابل بما يستحقه من العقوبة لا يجب الاقتصار معه على التي هي أحسن بخلاف من لم يظلم فإنه لا يجادل إلا بالتي هي أحسن"(3) .
ثالثًا: بان من المجادل قصد آخر وهو نشر بدعته وباطله وليس طلب الحق فلا يمكن من ذلك بل يواجه بالعقوبات الشرعية الأخرى من الهجر والتعزير , وخاصة بعد إقامة الحجة عليه بالمجادلة والمناظرة .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"والمسلمون أقاموا الحجة على غيلان ونحوه وناظروه وبينوا له الحق كما فعل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه واستتابه ثم نكث التوبة بعد ذلك فقتلوه ، وكذلك علي رضي الله عنه بعث ابن عباس إلى الخوارج فناظرهم ثم رجع نصفهم ثم قاتل الباقين ."
والمقصود أن الحق إذا ظهر وعرف ؛ وكان مقصود الداعي إلى البدعة إضرار الناس ؛ قوبل بالعقوبة , قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ(16) [الشورى/16، 17] (4) " (5) ."
وقال رحمه الله:"فالعقوبة قبل الحجة ليست مشروعة قال تعالى: ( مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا(15) [الإسراء/15، 16] (6) ولهذا قال الفقهاء في البغاة إن الإمام يراسلهم فإن ذكروا شبهة بينها وإن ذكروا مظلمة أزالها كما أرسل علي ابن عباس إلى الخوارج فناظرهم حتى رجع منهم أربعة آلاف وكما طلب عمر بن عبد العزيز دعاة القدرية والخوارج فناظرهم حتى ظهر لهم الحق وأقروا به ثم بعد موته نقض غيلان القدري التوبة فصلب" (7) .
ومعلوم أن العقوبات التي يواجه بها صاحب البدعة على أنواع ؛ فمنها ما هو ممكن لكل أحد مثل: الهجر والمقاطعة والاجتناب والإعراض ونحو ذلك .
ومنها ما هو ممكن لولي الأمر وصاحب السلطة وذلك في مثل العقوبات التعزيرية البدنية , والله المستعان .
خلاصة البحث وأهم النتائج والتوصيات:
اشتمل هذا البحث الذي عنوانه ( الدعوة إلى الله بالمجادلة: مفهومها ومشروعيتها وضوابطها ) على ثلاثة فصول:
الفصل الأول وفيه بيان لمفهوم الجدل في اللغة والاصطلاح بلفظه المطلق وبقيده الوارد في نصوص القرآن الكريم , تلا ذلك تحليل لتاريخ الجدل في ثلاثة أطر: الإطار الإنساني , وإطار البيئة اليونانية وما دار فلكها , والإطار الإسلامي بالمعنى العام والخاص للإسلام .
وفي الفصل الثاني جرى تناول المشروعية من خلال ما ورد في الكتاب والسنة , وتبع ذلك إيضاح لأهمية المجادلة في مجال الدعوة إلى دين الله عز وجل .
أما الفصل الثالث وهو الأخير فقد حوى الضوابط للدعوة بالمجادلة وجاء تناول ذلك بالحديث عن الضوابط قبل حصول الجدل وأثناءه وبعده
ويمكن أن نشير إلى أهم النتائج في النقاط الآتية:
الجدل المشروع غير مطلق الجدل فهو أقرب إلى المناظرة التي تهدف إلى إظهار الصواب وليس الغلبة والإفحام , وهو شكل من أشكال الحوار , وهو - أي الجدل - غالب في جنس الإنسان بدلالة النقل والعقل .
للمسلمين عناية خاصة بالجدل استفادوها من توجيهات الكتاب والسنة سواء في المفهوم أو المشروعية أو الضوابط .
الدعوة بالمجادلة لها أهمية تتمثل في أن بعض المدعوين يحتاج إليها معه لإقناعه بالحق وإزالة شبهته بها وإقامة الحجة , ومن جهة أخرى لها أهمية لأثرها في إظهار الحق وقطع الباطل بعامة , كما أن أهميتها تظهر بالنظر إلى نتائجها فعلا في تاريخ الدعوة عند المسلمين ومجادلاتهم ومناظراتهم مع المخالفين في الدائرة الإسلامية أو خارجها .
للدعوة بالمجادلة ضوابط تسبق إقامتها فقد يستغنى عنها بالحكمة والموعظة الحسنة إذا كان المدعو قابلا , أو قد يعدل عنها ويعرض عن إقامتها ابتداء حتى لو طلبها المخالف إذا كانت المصلحة تقتضي ذلك .
للدعوة بالمجادلة ضوابط تصاحب قيامها يكون التزامها سببًا بإذن الله في نجاحها .
للدعوة بالمجادلة ضوابط تتبع قيام الدعوة بالمجادلة إذ هي أسلوب لإظهار الحق ودعوة الخلق , ومتى تحقق البيان , أو ظهر من المخالف ظلم أو مقصد سيئ في نشر البدعة وطلب الشهرة ؛ كان من المصلحة قطع الاحتجاج بالمباهلة أو إيقاع العقوبة أو الانتقال من الجدال إلى الجلاد .
أبرز التوصيات:
لا شك أن طبيعة هذه البحوث الاختصار والاقتصار على المهمات , وإلا فالموضوع جدير بالتوسع والتناول من زوايا ومداخل شتى , ومن أبرز ما يراه الباحث جديرًا بالتوسع عدة أمور أهمها:
إجراء استقراء لتاريخ الدعوة بالمجادلة والمناظرة في تاريخ الدعوة إلى الإسلام .
القيام بدراسات متعمقة وتحليل دقيق للمناظرات في مجال الدعوة بأطر ومداخل متعددة منها: الموضوع , ومنها العصر ومنها طبيعة المخالف أو دينه أو مذهبه أو غير ذلك .
توظيف قواعد الشريعة وضوابطها في مسائل الحوار المستجدة في هذا العصر من حوار الأديان وحوار الحضارات وغيرها , سواء من حيث الأسلوب أم المضامين .
(1) سورة البقرة الآية 191.
(2) أحكام القرآن 5 / 217.
(3) الجواب الصحيح 3 / 72.
(4) سورة الشورى الآية 16.
(5) درء تعارض العقل والنقل 7 / 173.
(6) سورة الإسراء الآية 15.
(7) مجموع الفتاوى 3 / 240.