فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 1942

وفي عام 1951م عقدت شعبة الحقوق من المجمع الدولي للقانون المقارن مؤتمرًا للبحث في الفقه الإسلامي في كلية الحقوق بجامعة باريس تحت اسم"أسبوع الفقه الإسلامي"ودعت إليه عددًا من المستشرقين وأساتذة القانون في الدول الغربية والشرقية ، وقد حاضر الأعضاء في موضوعات محددة حددها مكتب المجمع الدولي للقانون المقارن وهي: إثبات الملكية - المسؤولية الجنائية - الاستملاك للمصلحة العامة - تأثير المذاهب الاجتهادية بعضها في بعض - نظرية الربا في الإسلام . وخلال المناقشات قال النقيب السابق للمحامين في باريس: أنا لا أعرف كيف أوفق بين ما كان يحكى لنا عن جمود الفقه الإسلامي وعدم صلاحيته كأساس للتشريع يفي بحاجات المجتمع العصري المتطور وبين ما نسمعه الآن في المؤتمر مما يثبت خلاف ذلك تمامًا ببراهين النصوص والمبادىء .. وفي ختام الأسبوع قرر المؤتمر أن الفقه الإسلامي يقوم على مبادىء ذات قيمة أكيدة لا مرية في نفعها وأن اختلاف المبادىء في هذا المجال التشريعي الضخم ينطوي على ثروة من الآراء الفقهية وعلى مجموعة من الأصول الفقهية التي تتيح لهذا الفقه أن يستجيب بمرونته لجميع مطالب الحياة الحديثة . كما قرر المؤتمر أن تؤلف لجنة لوضع معجم للفقه الإسلامي المؤتمر يساعد على تسهيل الرجوع إلى مؤلفات هذا الفقه في موسوعة فقهية تعرض فيها المعلومات القانونية الإسلامية وفقًا للأساليب الحديثة .

وفي بحوث عديدة بيّن الباحثون أن الفقهاء المسلمين شرَّعوا المحاكم الدستورية العليا ، واختصاصات هذا النوع من القضاء كما فصلها أبو الحسن الماوردي هي:

1-النظر في القضايا التي يقيمها الأفراد والجماعات على أجهزة الحكم في الدولة.

2-النظر في تظلم موظفي الدولة ضد تطبيقات القانون .

3-تقرير الأحكام التي يعجز القضاء العادي عن إصدارها .

4-ما يختص بتقرير حقوق الإنسان .

وقد يملكنا الذهول عندما نعرف أن عمر بن الخطاب وقف يومًا يودع أحد ولاته قبل سفره إلى الإقليم الذي سيحكمه ، وألقى عليه هذا السؤال: ماذا تفعل إذا جاءك سارق أو ناهب ؟ وكان رد الوالي: أقطع يده . فاستدرك عمر الحديث معه قائلًا: وإذن فإن جاءني منهم جائع أو عاطل فسوف يقطع عمر يدك . إن الله قد استخلفنا على عباده لنسد جوعتهم ، ونستر عورتهم ونوفر لهم حرفتهم . فإذا أعطيناهم هذه النعم تقاضيناهم شكرها ، يا هذا إن الله قد خلق الأيدي لتعمل ، فإذا لم تجد في الطاعة عملًا التمست في المعصية أعمالًا ، فأشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية .

وعندما ألّف"روسو"كتابه"العقد الاجتماعي"وقرر فيه أن الأمة هي مصدر السلطات وهي سيده الحاكم الذي يستمد منها قوته وسلطته ، لعله كان يعرف أن الإسلام قرر هذه المبادىء تقريرًا وطبقها تطبيقًا ، وهذا هو عمر بن الخطاب يقول: إن من استرعاه الله على المسلمين فقد وجب عليه ما يجب على العبد لسيده ، ومن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم [كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته] - رواه البخاري ومسلم - أليس هذا المفكر الغربي على صواب وعلى هدى من الإسلام حينما تقرؤه يقول: ولز: الدين الحق الذي يساير المدنية هو الإسلام . أوروبا تخاف الإسلام ، وتخاف من الإسلام ، ليس ذلك على مستوى الحكومات فحسب ، بل على مستوى الأفراد والجماعات ، وحرب الأقليات الإسلامية في الغرب مستمرة اليوم ومن قبل وستستمر في الغرب مستمرة اليوم ومن قبل وستستمر من بعد أيضًا .

ولقد وقفت الإمبراطورية الرومانية في وجه الإسلام منذ معركة اليرموك حتى فتح القسطنطينية على يدي السلطان محمد الفاتح في أواسط القرن التاسع الهجري تشن عليه الحرب وتدبر له المؤامرات ، وتؤلب عليه القوى المختلفة ، وما حديث الحروب الصليبية بسر … وكانت بيزنطة إحدى القوى المحركة للأحداث في غزو التتار للعالم الإسلامي وفي تدميرهم لبغداد وقضائهم على الخلافة العباسية .

وحسبنا دليلًا على ذلك ما يرويه التاريخ من أن هيتون ملك أرمينية المسيحي كان العامل الرئيسي في إقناع الملك المغولي"مانجوخان" (646-655هـ - 1248-1257م) بإرسال حملة هولاكو المشؤومة بل إن هولاكو نفسه زوج ابنه من ابنة إمبراطور القسطنطينية المسيحي . ومذابح الصرب في الهرسك وفي كوسوفا أثر لهذا الشعور الغربي المستحكم بالعداء للإسلام وللمسلمين .

على أن في الغرب منصفين يدعون ولا يزالون يدعون إلى الحوار بين الشرق والغرب ، الحوار بين الحضارات ، ومن أبرز هؤلاء الدعاة ولي عهد بريطانيا الأمير تشارلز والإسلام منذ عصر الرسالة حتى اليوم لا يعرف طريقًا إلى الحضارات والأديان الأخرى غير طريق الحوار والمجادلة بالحسنى ، والله - عز وجل - يقول في كتابه الحكيم: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أُنزل إلينا وأُنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون} (العنكبوت/46) .

إن الأصوات المنصفة في الغرب ، مع قلتها ، تنفر من حرب الحضارات ومن كل ذلك نفورًا شديدًا . فتشارلز ولي عهد بريطانيا ينادي بضرورة الحوار بين الحضارات ، لا الصراع بينها .

ووزير الخارجية البريطانية السير روبين كوك ينادي في كلمته التي ألقاها منذ نحو عامين في أحد المراكز الثقافية الشرقية بلندن: بأن الثقافة الغربية مدينة للإسلام وحضارته ، وبأن الغرب في حاجة إلى الإسلام كصديق لأنه دين السماحة والحب والوئام ، وبأن من الظلم أن نلصق الإرهاب بالإسلام ؛لأنه دين السلام (صحيفة الأهرام - صفحة الفكر الديني - 19/10/1998م) .. قال روبين كوك: إن جذور ثقافتنا الإنجليزية ليست يونانية أو رومانية الأصل فحسب ، بل هي إسلامية أيضًا فالفن الإسلامي والعلوم والفلسفة الإسلامية قد ساعدت على تشكيل تطورنا ، والأرقام الإسلامية ما زالت يعتمد عليها .

إن ثقافة الغرب مدينة للإسلام … والبعض يقول: إن الغرب بحاجة إلى عدو بعد انتهاء الحرب الباردة وإن الإسلام هو العدو الجديد ، كما يقولون: إن صراع الحضارات قادم ولا مفر منه ، وأنا أقول: إنهم مخطئون خطًأ فادحًا ، فنحن لسنا بحاجة إلى الإسلام كعدو ، بل نحن في حاجة إليه كصديق ، قد تكون حضاراتنا أو أدياننا مختلفة ، ولكن هذا لا يعني أننا لا نستطيع أن نتعايش معًا ، إن علينا أن نتعاون معًا لإفشال هذه الإدعاءات ، فالقرآن الكريم يدعو في سورة الحجرات (الآية 12) إلى التعارف بين الشعوب . إن القائل بأن ثقافتنا غير متجانسة مخطىء ، فهناك قدر كبير من المعارف يمكن أن نتعلمه من بعضنا ، والغرب مدين للإسلام بالشيء الكثير ، فالإسلام وضع الأسس الفكرية لمجالات عديدة وكبيرة في الحضارة الغربية ، ومن أكبر الأخطاء التي يمكن للغرب أن يرتكبها هو الظن بأن الثقافة الإسلامية شيء غريب عنا فهي ليست كذلك فإن ثقافتنا قد تشابكتا عبر التاريخ والأجيال . وما زالتا تتلاقيان أيضًا في وقتنا الحاضر ، إني أقترح إجراء حوار جدي حول القضايا العديدة التي تهم الجانبين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت