فهرس الكتاب

الصفحة 1098 من 1942

وكان طابع الانفصال في طبرستان وبلاد اليمن مختلفا عن محاولات الاستقلال بالسلطة فقط ، كان يحمل بذرة الانشقاق الروحي عن الخلافة العباسية . . كان يحمل بين يديه دعوى آل البيت والترويج لأحقيتهم في الخلافة .

وفي طبرستان في النصف الأول من القرن الثالث للهجرة ضغط على الفلاحين الإقطاع المتزايد ، وقد أقطع الخليفة العباسي محمد بن عبد الله بن طاهر - حاكم بغداد - أراضي في طبرستان لم تكفه ، فقام بوضع يده على الأراضي المجاورة له، مما جعل الفلاحين يضجون من ذلك .

وقد استغل بعضهم هذه الفرصة ، فقاموا بإعلان الثورة على الإقطاع ووعدوا السكان برفع الإجحاف والظلم وفي سنة 250هـ وبالتحديد - قام الحسن بن زيد بإعلان ثورته وجمع حوله عددا كبيرا من الفلاحين ، واستولى على طبرستان وجرجان ، ونجح في إقامة إمارة مستقلة باسمه - وظلت دولته قائمة حتى سنة 287هـ حين ظهر السامانيون فأزاحوها - بسهولة - عن المنطقة كلها .

ومع ذلك ظلت هذه الدعوة الشعار المسكين أو قميص عثمان الذي يتمسح فيه الراغبون في السلطة . . وهم يصلون إلى أغراضهم عن طريق رفع رايات مختلفة بحسب الظروف . . ليكن الشعار القضاء على الاستغلال ، أو محاربة الإقطاع المهم الوصول إلى الغاية .

ولم يمض إلا قليل . . أربعة عشر عاما فقط . . حتى ظهر متمسح جديد في آل البيت ! ! ومن الغريب أن هذا الثائر الجديد"حسن بن علي الأطروش"الذي لقب نفسه"بناصر الحق"سار على نفس الطريق الذي سارت فيه الحركة السابقة التي تزعمها الحسن بن زيد . . فقد قام في طبرستان . . وقد رفع شعار"القضاء على الإقطاع"وأبرز سلاح آل البيت ، وكما هو المرتقب ، التف حوله الفلاحون . . . ونجح في الوصول إلى السلطة .

وكما هو المنتظر كذلك ، لم تلبث هذه الحركة على مسرح السلطة في طبرستان أكثر من ثلاثة عشر عاما ( 301 - 314هـ ) وانكشفت حقيقتها . . ولقيت حتفها بفعل عاصفة"الزياريين"الذين أطاحوا بحكم الأطروش ، وحكموا جرجان وطبرستان بين أعوام ( 315 - 417هـ ) ثم زالوا كما زال غيرهم .

وفي جنوبي الجزيرة العربية ظهرت دعوة الزيديين رافعة راية آل البيت ، متمسحة في شعار القضاء على الإقطاع . . وقد نجح يحيى بن الحسين من أحفاد القاسم الرسي أحد كبار علماء المذهب الزيدي في إقامة حكم لنفسه متخذا من ( صعدة ) عاصمة له . وقد حكمت الدولة الزيدية مدة طويلة بلغت قريبا من أربعة قرون ونصف . واعتمدت هذه الدولة في تكوينها على أسس أكثر أصالة من مجرد"القضاء على الإقطاع". . وبذا حققت لنفسها انتصارا وشهرة كبيرة على امتداد العالم الإسلامي . . وكانت في الحق من الحركات الممتازة في التاريخ الإسلامي .

وأيا كان الأمر ، فقد كان شعار"القضاء على الإقطاع"قميص عثمان الذي تمسحت فيه دول كثيرة وحركات أكثر . . ولم تتضح الرؤية عند هذه الحركات أو تلك الدول إلا أن تحقيق علاج اقتصادي مؤقت لا يكفي لإقامة دولة ، فضلا عن أن ينشئ حضارة لا تضيف جديدا لموكب البشرية .

إن حجم العلاج لا بد أن يكون مساويا لحجم المرض . كما أن من الضروري أن تكون نوعية الدواء مناسبة لنوعية المرض . . . أما علاج ظاهرة اقتصادية بالوصول على قمة السلطة السياسية . . فهو جرعة كبيرة من العلاج قد تكفي للقتل والموت .

ومن هنا أخفقت كل الحركات الزاعمة القضاء على الإقطاع ، لأنها بعد أن نجحت، أو أصدرت قرارها بإصلاح الوضع الاقتصادي - إذا حدث - تجد نفسها في فراغ ، وتجد أن مبرر وجودها قد انتهى ولم يعد ثمة ما وجب الاستمرار والبقاء

قصة سقوط الحمدانيين

من"تغلب"- إحدى قبائل العرب الكبرى - انبثقت دولة بني حمدان ، جاعلة من الموصل - أول الأمر - عاصمة لها . . وكان ذلك سنة 317هـ ( 929م ) على يد زعيم الدولة حمدان بن حمدون .

كان على هذه الدولة الناشئة أن تلعب دورا مصيريا في عدة جبهات:

في محاولة تضميد جروح الدولة العباسية من الطعنات المتتالية من الأتراك الذين استبدوا بها، وحولوا خلفاءها إلى دمى للتسلية واللهو . . وأيضا من الطعنات الانفصالية التي تصيب الدولة من كل صوب .

في مقاومة الغارات البيزنطية التي يقودها الإمبراطور الروماني ( شميشق ) رغبة في الاستيلاء على بيت المقدس، وفي مقاومة الإمبراطور البيزنطي"نقفور فوقاس"الذي حاول بكل قوته السيطرة على حلب والثغور المتاخمة لحدود الدولة الرومانية .

في مقاومة الحركة الانفصالية التي تحكم مصر الإخشيدية ، وتريد فرض سيطرة كاملة على مصر وبلاد الشام والحجاز ، وتناوئ بالتالي أية حركة انفصالية أخرى تحاول بناء نفسها على حسابها .

لقد نجح الحسن بن عبد الله الحمداني في أن يشل نفوذ الترك . وأن ينقذ الخليفة العباسي المتقي بالله من استبداد الأتراك به ، وقد رضي الخليفة العباسي عن صنيعه ومنحه لقب أمير الأمراء ومنح أخاه المرافق له لقب"سيف الدولة"لكنهما سرعان ما هزما أمام الأتراك وخرجا من بغداد عائدين إلى عاصمتهما الموصل . . سنة 331هـ"942م". ولما تولى سيف الدولة - وكان شجاعا كريما - قام بعدة غارات لصد البيزنطيين ، ونجح في أن يطردهم من المناطق التي تسللوا إليها ، وواصل زحفه حتى دخل بلادهم واستولى على بعض حصونهم . . والمهم، زرع هيبته في نفوسهم . . وجدد شباب الإرادة القتالية ، ولم تستطع بيزنطة أن تمد نفوذها إلى بلاد الشام وفلسطين .

وفي الجانب الإخشيدي استمر الحمدانيون في مقاتلتهم تتبع نفوذهم ، لكنهم أيام سيف الدولة خسروا أمامهم معركة في قنسرين . . وانتهى الأمر بصلح وضع حدود الصراع المستمر بين جبهتيهما .

كانت هذه هي التحديات التي واجهتها دولة الحمدانيين . . وقد نجحت الدولة في بعضها وأخفقت في أكثرها ، ولقد بدا سيف الدولة الحمداني . . وكأنه الرجل الوحيد الممثل لهذه الدولة .

كان سيف الدولة بحق يملك أكبر رصيد من أمجاد الدولة . . ولم يرفعه في سجل التاريخ ما قام به من حروب خارجية وحسب ، بل كانت له في مجال الحضارة والعمران الداخلي مجالات برز فيها أكثر من بروزه في المجالات الخارجية .

ولقد يبدو سيف الدولة في أعين كثير من المؤرخين وكأنه هارون الرشيد أو المأمون ، وإنه ليعيد إلى الأذهان ذكرى تلك الساحة العلمية الفكرية التي مثلتها بغداد . . في عصرها الذهبي . . لكن الساحة كانت على عهده . . حلب الشهباء ! !

كان سيف الدولة - الذي احتضن المتنبي وأبا الفرج الأصفهاني والفارابي وابن نباتة فضلا عن أبي فراس الحمداني"شاعر الدولة"- كان هذا الرجل يمثل قوة الدولة وقمة ما وصلت إليه من رفعة .

وظهرت الدولة بعده وكأنها بناء مائل للسقوط .

وقد تولى الحكم بعد وفاة سيف الدولة ثلاثة خلفاء ضعاف حتى زالت في عهد أبي المعالي شريف سنة 394هـ . . أي أنها لم تعش بعد سيف الدولة الذي مات سنة 356هـ أكثر من أربعين سنة ! ! .

لقد تمثلت قوة الدولة الحمدانية في شخص ، وكعادة الدول التي ترتبط بأشخاص تسقط بسقوطهم . . وكان أكبر عامل حضاري زحزح الدولة الحمدانية عن مكانتها في التاريخ أنها فشلت في الاستجابة للتحدي الذي كان أقوى منها ، ولم تنهج النهج السليم في مقاومته . . عن طريق إيجاد وحدة إسلامية تتجاوز الصراعات الجزئية لتواجه الخطر الحضاري الكبير . . وعندما تفشل دولة في الاستجابة للتحدي الذي يفرضه القدر عليها . . فإنها ، وإن قاومت قليلا ، فإنها لا بد أن تسقط من قطار التاريخ .

السلاجقة . . الذين أنقذوا الخلافة يسقطون

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت