فهرس الكتاب

الصفحة 1118 من 1942

وأما إذا لم يعطِ الصيام ثمرته السلوكية فقد أضحى عملًا ميتًا لا روح فيه، وقد قال رسول الله r: (( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) ). (39)

وهذا العمل الذي لا روح فيه لا يؤجر المسلم عليه (( رُبَّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورُبَّ قائم حظه من قيامه السهر ) ). (40)

ومما يتعلمه المسلم في مدرسة رمضان تحسس مشاعر الفقراء والإحساس بمعاناتهم، وما يستجيشه ذلك من بذل وكرم وإنفاق في سبيل الله، فقد حكى ابن عباس ابن عم النبي r عنه، فقال: (كان رسول الله r أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان .. فلَرسول الله r أجود بالخير من الريح المرسلة) . (41)

وقد شرع الإسلام لأولئك الذين لا يقدرون على مشاركة المسلمين صيامهم لمرض ونحوه، شرع لهم إطعام المساكين فدية للصيام الذي عجزوا عنه، فلئن فاتهم مشاركة الفقراء والمحرومين في ألم الجوع، فلن يفوتهم المساهمة في إطعامهم ورفع جوعهم ?وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكين فمن تطوع خيرًا فهو خير له وأن تصوموا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون? (البقرة: 184) .

ولتعدد حكم هذه العبادة فإن النبي r ما فتئ يوصي بها أصحابه، فقد قال له أبو أمامة: مُرني بأمر آخذه عنك؟ فقال r: (( عليك بالصيام؛ فإنه لا مِثل له ) ). (42)

الركن الخامس: حج بيت الله الحرام

الحج عبادة بدنية فرضها الله على المسلم في العمر مرة واحدة، حيث يفد المسلمون من أصقاع الأرض إلى قبلتهم في مكة المكرمة، ليؤدوا مناسك حجهم في أيام معلومات، يحققون فيها المقاصد التي أرادها الله من تشريع هذه العبادة التي أمر بها أبا الأنبياء إبراهيم عليه السلام حين قال له: ?وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالًا وعلى كل ضامرٍ يأتين من كل فج عميقٍ ^ ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيامٍ معلوماتٍ على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير? (الحج: 27-28) .

فنادى إبراهيم، ولبى المؤمنون من كل حدب وصوب، وأدوا المناسك كما أداها إبراهيم عليه السلام، وحافظوا على سنة الخليل إبراهيم عليه السلام، كما قال r للمسلمين في مناسك الحج: (( كونوا على مشاعركم؛ فإنكم اليوم على إرث من إرث إبراهيم ) ). (43)

والحج دورة تدريبية للمسلم على ممارسة السلام، فمناسكه تؤدى في البلد الحرام الذي يأمن فيه الطير والشجر والإنسان، قال r: (( إن هذا البلد حرمه الله، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ) ). (44)

والحج أيضًا مظهر من مظاهر المساواة والوحدة بين المسلمين ، حيث يجتمع فيه المسلمون من كل حدب وصوب، في لباس واحد، على صعيد واحد، لا يتقدم فيهم غني على فقير، ولا أبيض على أسود، وقد خطب النبي r أصحابه في أيام الحج ، فقال: (( يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى ) ). (45)

ومن مقاصد الحج ذكر الله تعالى وتعظيمه واستغفاره مما سلف من الذنوب والعصيان ?فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ^ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم? (البقرة: 198-199) .

وكما كان المشعر الحرام لذكر الله، فإن أيام مِنى هي أيضًا كذلك ?واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى? (البقرة: 203) .

فإذا انتهت مناسك الحج؛ فإن المسلم مطالب بلزوم ذكر الله في سائر أيامه ?فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرًا? (البقرة: 200) .

ومن مناسك الحج وشعائره ذبح الهدي قربانًا لله عز وجل، قال تعالى: ?والبُدْن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير? (الحج: 36) ، وفي مقدمة هذا الخير تحقيق تقوى الله وتمثلها في حياتنا السلوكية ?لن ينال اللهَ لحومُها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم? (الحج: 37) .

ومن أعظم مقاصد الحج تهذيب سلوك المسلم الحاج، قال تعالى: ?الحج أشهرٌ معلوماتٌ فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خيرٍ يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب? (البقرة: 197) ، فالحاج ينبغي عليه اجتناب المعاصي ليتحقق له الغفران والخلوص من الذنوب والمعاصي، قال r: (( من حج فلم يرفث ولم يفسق؛ رجع كيوم ولدته أمه ) ). (46)

والحج الذي تتوافر فيه هذه الشروط ويحقق تلك المعاني يسميه الرسول r بالحج المبرور، فيقول: (( الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) ). قيل: وما بره؟ قال: (( إطعام الطعام وطيب الكلام ) ). (47)

وهكذا فإن أركان الإسلام تهدف جميعًا إلى تزكية المسلم وتهذيب سلوكه وربط قلبه بربه تبارك وتعالى.

لكن الإسلام ليس هذه الأركان فحسب، إنه هبة الله للبشرية ، إنه الدين الذي يعالج مشكلات الإنسانية على اختلافها، فينظم علاقة الإنسان بربه، ثم بأخيه الإنسان، ثم بالكون من حوله، وهو الدين الذي يقوم على تحقيق التوازن بين مطالب الجسد ومطالب الروح، ويشبع العقل ويروي العاطفة.

ولسوف يتجلى لنا بهاء هذه الحقيقة ونحن نتحدث عن مفهوم العبودية في الإسلام.

مفهوم العبادة في الإسلام

خلق الله الإنسان على هذه الأرض لغاية شريفة، تسمو بوجوده عن سائر المخلوقات التي تعيش على الأرض للأكل والشرب والجنس، هذه الغاية هي عبادة الله تبارك وتعالى ?وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ^ ما أريد منهم من رزقٍ وما أريد أن يطعمون ^ إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين? (الذاريات: 56-58) .

لكن مفهوم العبادة في الإسلام ليس محصورًا في صلوات وتمتمات وطقوس تمارس في أوقات محددة، بل هو أوسع من ذلك بكثير، إنه منهج للحياة الإنسانية برُمَّتها ? قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ^ لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين? (الأنعام: 162-163) ، فلا يعرف المسلم لحظة يقضيها بعيدًا عن عبادة مولاه.

ويرفض مفهوم الإسلام للعبادة وجود وسطاء بين الله وعباده، فليس في الإسلام كهنوت أو رجال دين، فالمسلم يصلي وحده وفي جماعة المسلمين، في المسجد أو في البيت أو في أي مكان طاهر تدركه فيه صلاة؛ من غير حاجة إلى وسيط أو بناء محدد، قال r: (( وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة؛ فليصل ) ). (48)

وإذا ما قصر المسلم في حق الله أو طمع في خير عنده؛ فإنه يطلب من الله بُغيته من غير وسيط يعترف له، ولا شفيع يرجو شفاعته ?والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ^ أولئك جزاؤهم مغفرةٌ من ربهم وجناتٌ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين? (آل عمران: 135-136) .

وأيضًا يرفض الإسلام قصر الدين على العلاقة بين العبد وربه فحسب، ويعتبر هذا قصورًا يقعد بالدين عن الغاية التي أنزل الله لأجلها الكتب وبعث لتحقيقها الأنبياء، وهي إصلاح الحياة الإنسانية، والقيام بواجب الاستخلاف في أرض الله وفق منهجه وشرائعه ، فلأجل هذا خلق الله أبانا آدم ? وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفةً ? (البقرة: 30) ، وهذا الاستخلاف لآدم يمتد ليشمل ذريته من بعده ? هو الذي جعلكم خلائف في الأرض ? (فاطر: 39) ، ويسميه الله في آية أخرى بعمارة الأرض ? هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ? (هود: 61) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت